09 يناير 2012


الموضوع: الترهيب من الغيبة      
الخطبة الأولى
     الحمد لله رب العالمين، نحمده حمد الشاكرين، ونتوب إليه ونستغفره، ونسأله أن يجنّبنا موارد الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، خلق الإنسان وعدّله، وألهمه نور الأيمان فزينّه به وجمّله، وعلمه البيان فقدّمه به وفضّله، سبحانه خلق الإنسان، عـلمه البــيان. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه القائل: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت". اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه صلاة يوازي عددها عدد ما كان من خلق الله وما سيكون، ويحظى ببركتها الأولون والآخرون، وسلم تسليما كثيرا .
  أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، اتقوه سبحانه باجتناب مسا خطه ومناهيه، والقيام بفرائضه ومراضيه، تدبّروا كتاب ربكم وتفهّموا معانيه.
    أيها المسلمون، قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظنّ إن بعض الظن إثم ولا تجسّسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم". الحجرات: 12.
     عباد الله: تتناول هذه الآية ثلاثة من الأمراض الخطيرة، والتي يقع فيها كثيرون صرعى نفوسهم المنحرفة، وهي سوء الظن بالناس، ثم التجسسّ والبحث عن عيوب الآخرين. وأخيرا الغيبة وتناول الغير بالسوء ونشر الأقاويل بين الناس مما يؤدّي إلى العداوة والبغضاء.
     وحديثنا اليوم حول هذه الأخيرة: "ولا يغتب بعضكم بعضا". والغيبة هي: أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه، من الاغتياب. افتعال من غابه المتعدّى، إذا ذكره في غيبته بما يسوءه.  ولقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر البشع للمسلمين، حتى يكونوا على بيّنة فلا يقع أحد في شرّ. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول  فقد بهته". رواه مسلم .
     أيها المسلمون: الآية الكريمة السابقة تصور مدى بشاعة الغيبة، وتشبهها تشبيها قاسيا صارما بشِعا. شبّهت حالة اغتياب المسلم من هو أخوه في الإسلام وهو غائب عنه بحالة أكل لحم أخيه وهو ميّت لا يدافع عن نفسه، إنّ هذا مما تشمئز ّمنه النفوس وتستقذره!. قال قتادة: "كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا لكراهيته الطبع، كذلك يجب أن يمتنع عن غيبته، لكراهية العقل والشرع، لأن دواعي العقل والشرع أحقّ بالإتّباع من دواعي الطبع. فإن دواعي الطبع أعمى، ودواعي العقل بصير". وقد جاء هذا على نهج العرب في كلامهم، قال المقنع الكندي:
فإن أكلوا لحمي وفّرت لحومهـم     وإن هدّموا مجدي بنيت لهم مجدا
اخرج ابن أبي حاتم عن السدّي: أن سلمان الفارسي رضي الله عنه، كان مع رجلين في سفر يخدمهما وينال من طعامهما، وأنه نام يوما فطلبه صاحباه فلم يجداه، فضربا الخباء  وقالا: ما يريد سلمان شيئا غير هذا. أن يجيء إلى طعام معدود وخباء مضروب؟.  فلما جاء سلمان، أرسلاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلب لهما إداما، فانطلق فأتاه فقال  يا رسول الله: بعثني أصحابي لتُؤدِمهم إن كان عندك، قال: ما يصنع أصحابك بالإدام؟. قد ائتدموا. فرجع رضي الله عنه فأخبرهما، فانطلقا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: "والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاما منذ نزلنا، قال: إنكما ائتدمتما بسلمان" . فنزلت الآية التي صدرنا بها حديثنا .
    أيها المسلمون: إن الإسلام أنشأ حرمات شاهقة لسرائر الناس وأسرارهم، إنه يريدها علاقات نقية صافية، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض أدنى تسامح في هذا السبيل، فهذه زوجه – الأثيرة – عائشة رضي الله عنها. تذكر صفية بنت حُيَي بكلمة هيّنة عابرة، فيغضب الرسول الله صلى الله عليه وسلم. ونترك الحديث لعائشة، تقول رضي الله عنها: "قلت يا رسول الله: حسبك من صفية كذا وكذا. قال بعض الرواة تعني: قصيرة، فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته". رواه الترمذي. ومعنى مزجته: خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها. وهذا الحديث قال الإمام النووي رحمه الله من أبلغ الزواجر عن الغيبة .
 فليحذر الذين اتخذ الشيطان من ألسنتهم مقاريض حادّة، وسيوفا قادّة، ومعاول هادّة،  جعلوا من الحقير عظيما، ومن البخيل كريما، يصغّرون الكبير، ويهزؤون بالقدير، وإذا قلت لأحدهم اتّق الله. قال: إني أقول ما فيه.  
وليس الذئب يأكل لحم ذئب       ويأكل بعضنا بعضا عيانا
 روى أبو داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لمـا عرج بي ربّي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟. فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" .
فاتقوا الله – عباد الله – واعملوا بطاعته، وحذار.. حذار من الاستهتار بعقوبة الغيبة، فإن في ذلك الهلكة. "وتوبوا إلى الله جميعا أيّه المؤمنون لعلكم تفلحون ".
نفعني الله وإياكم...

  الخطبة الثانية    
    الحمد لله رب العالمين، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
    أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله ربكم، واسمعوا إلى وصية نبيكم: "يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيّروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولوفي جوف رحله" . رواه الترمذي.
     أيها الناس: ما أكثر هؤلاء اليوم. ما أكثر من يتتبعون عورات الناس ويتطلبون زلاتهم. فإذا رأوا زلّة من أحد فرحوا بها ونشروها، وإذا رأوا استقامة ومفخرة كتموها وحملوها على غير محملها، وهؤلاء هم الذين عناهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: « يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم».
قال الشاعر:
المرء إن كان عاقـــــلا ورعا         أشـغله عن عيوبه ورعــه
كما السقيم المريض يشغله      عن وجع الناس كلهم وجعه
وقال آخر:
لا تكشفنّ مساوي الناس ما ستروا  فيهتك الله سترا عن مساويكا
واذكر محاســــــن ما فيهم إذا ذكروا   ولا تعب أحـــدا منهم بما فيكا
       فاتقوا الله أيها المسلمون، وحاسبوا أنفسكم على ما تقولون وما تفعلون، فإنكم عن ذلك مسؤولون وعليه محاسبون، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ  لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ}.
      اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم إنا نعوذ بك من شر أبصارنا ومن شر ألسنتنا ومن شر قلوبنا. واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، وارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، اللهم واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، واغفر لنا ولوليّ أمرنا ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات يا أرحم الراحمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد.   

الموضوع: صلاة الجماعة وتسوية الصف
الخطبة الأولى
        إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.
   أما بعد، فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم ملاقوه. فقد فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودا فلا تنتهكوها. واعلموا أن نبيّكم عليه الصلاة والسلام كان حفيّا بعبادة ربه جميعها، بيد أن حفاوته بالصلاة تقف وحدها بين تلكم الحفاوات. إنه –صلى الله عليه وسلم - يدرك ما للصلاة من منزلة عند الله. وحين نأخذ مشهدا من المشاهد، وهو واقف في الصلاة بين يدي ربه الأعلى، ندرك جلال الموقف التي تمثله الصلاة، يصف أحدَ هذه المشاهد واحدٌ من أصحابه فيقول: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء". رواه أبو داود والنّسائي وغيرهما.
ويصف الإمام علي كرم الله وجهه مشهدا آخر في أيام غزوة بدر فيقول: "ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، وهو يصلي ويبكي حتى أصبح". رواه الإمام أحمد...نعم!. ألم يقل صلى الله عليه وسلم: "وجعلت قرّة عيني في الصلاة؟".  رواه النسائي.
     أيها المسلمون: لقد بلغ من هُيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة وتقديسه إياها، أن جعل الخطا إليها خطىً إلى الجنة، لأنه يريدها مهرجانا دائما لعبادة الله وتحميده وتمجيده.
لقد أعطى لصلاة الجماعة كل اهتماماته وكل دعواته وصلواته وبركاته، قال صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف- أي تزيد- على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا  يخرجه  إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطّت بها خطيئة. فإذا صلـّى لم تزل الملائكة تصلـي عليه مادام في مصلاه، ما لم يحدث تقول: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في الصلاة ما انتظر الصلاة ". متفق عليه، وهذا لفظ البخاري عن أبي هريرة.
 أليس هذا مهرجانا من المثوبة والعطاء والرضوان والبر، يقيمه الله للذين أقاموا لجلاله مهرجانات العبادة والصلاة. قال تعالى: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه..". النور: 36.  هذه البيوت التي تنزّل حبها على قلب الرسول الكريم، فأحاطها برعاية وتكريم يتعاظمان كل وصف.
يقول في بنائها: "من بنى لله مسجدا صغير كان أو كبيرا بنى الله له بيتا في الجنة". رواه البخاري ومسلم.
ويقول في الحفاظ عليها: "جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم، واتّخذوا على أبوابها المطاهر وجمّروها في الجمع". رواه ابن ماجه والبيهقي. ويقول: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: "لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم الرجل ينشد ضالّته في المسجد فقولوا: لا ردها الله لك". رواه الترمذي .
 إنه إصرار جميل ونبيل، على أن تبقى بيوت الله، لله !.
    أيها المسلمون: ماذا نأخذ به أنفسنا من حياء وأدب، حين ندخل على رئيس أو وزير؟ . إنك في المسجد تجلس إلى ملك الملوك، رب العالمين، وإذا أخطأت المجلس في بيته ومسجده، فإن خسرانك فادح مبين .
  لقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فرأى رجلا جالسا مشبكا أصابعه بعضها في بعض فنهاه، وقال: "إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكنَّ فإن التشبيك من الشيطان". رواه الإمام أحمد. لأن أجر الجلوس في المسجد كأجر الصلاة، وله ثواب قريب من ثوابها. يقول صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه". رواه الإمام أحمد.
    نعم، أيها المسلمون: لقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على طريقة جلوسنا في المسجد أن تكون مهذّبة وخاشعة، لأنك في المسجد لا تجالس جماعة المؤمنين من الناس فحسب، إنك هنا مع خلق آخرين، من الملإ  الأعلى، مع الملائكة الله رب العالمين.
   وكم كان – صلى الله عليه وسلم – حريصا على إقامة الصفوف وتسويتها بالقول والفعل. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "سوّوا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ". متفق عليه. وللبخاري: "من إقامة الصلاة "، ولأبي داوود: "رصّوا صفوفكم، وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق". وله من حديث ابن عمر أن النبـي صلى الله عليــه وسلـم قال: "أقيموا  الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدّوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان".
 نفعني الله وإياكم بما قلت، وبارك لي ولكم...

 الخطبة الثانية
    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
    أما بعد : فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوّي صفوفنا، حتى كأنما يسوّي بها القداح، حتى رأى أنّا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما، فقام حتى كاد يكبّر فرأى رجلا باديا صدره من الصف، فقال عباد الله: "لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم". رواه أبو داود.
   هذا – أيها المسلمون – وعيد شديد على من لا يسوّون الصفوف، أن يخالف الله بين قلوبهم فتختلف وجهات نظرهم، وتضيع مصالحهم.
لقد أدرك ذلك الخلفاء الراشدون والأئمة المتّبعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الموطإ عن أمير المؤمنين عمر بن خطاب رضي الله عنه: " أنه كان يأمر بتسوية الصف، فإذا جاءوه فأخبروه أن قد استوت كبّر، وكان قد وكّل رجالا بتسوية الصفوف". وعن أنس رضي الله عنه قال: "أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصّوا فإني أراكم من وراء ظهري". متفق عليه. وفي رواية للبخاري: "فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه". قال الحافظ في الفتح: "وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يتم الإحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصفّ وتسويته، وزاد معمر في روايته: ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر كأنه بغل شموس"ـ البغل الشموس الذي لم يركب ظهره بعدـ وكلام أنس رضي الله عنه،  يشعر أن الناس فرطوا في هذه السُّنة في وقت مبكر، ولا حول ولا قوة إلا بالله!.
  فاتقوا الله – عباد الله – وحافظوا على تسوية الصفوف، وعلى المراصّة فيها، وسدّ خللها، والمقاربة بينها، ووصلها بتكميل الأول فالأول. واحذروا عقوبة قطعها، فإن من قطع صفا قطعه الله. قال صلى الله عليه وسلم: "أتموا الصفّ المقدّم ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصفّ المؤخّر ". رواه أبو داود. ورأى في أصحابه تأخرا، وفي لفظ: رأى قوما في مؤخر المسجد فقال: "تقدموا فأتمّوا بي وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله". رواه مسلم وأبو داود وغيرهما .
فهل ترضى لنفسك – أيها المسلم- أن يؤخّرك الله؟.
 وهل ترضى لنفسك بأن تكون في شر الصفوف، وهو آخرها مع تمكنك من أولها؟.
 وهل ترضى أن لا تصفّ بين يدي ربك كما تصف الملائكة، "يتمّون الصفوف الأوَّل ويتراصون في الصف". رواه مسلم؟.
    جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعلنا وذرياتنا من الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، و انصرنا على أنفسنا حتى نستقيم على أمرك، وانصرنا على أعدائنا حتى نسعد بظهور دينك، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام، واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى يا ذا الجلال والإكرام، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.


الموضوع: التحذير من زلات اللسان
الخطبة الأولى
     الحمد لله العليم الخبير، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، له الملك وله الحمد وإليه ترجع الأمور. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدّر فهدى، ويعلم السرّ وأخفى. "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد". ق.18. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى، ونبيه المجتبي القائل صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". متفق عليه. اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين حسنت أقوالهم، وكملت أخلاقهم، ولانت طباعهم، وارض اللهم عّنا معهم أجمعين.    
     أما بعد، فقد قال تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذا يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما  يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد". الآيات16-17-18من سورة ق.    
       أيها المسلمون: إذا كان هذا هو موقف الإنسان مع الله، فقد وجب عليه أن يتجمّل بالصمت جهده، وأن يتحلى بالرزانة ما أمكنه، ما دام سيحاسب على كل لفظ، ويؤاخذ على كل عبارة، وليكن فعله أكثر من قوله، وعمله أكثر من لغوه. لذا كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: "يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة؟، قال: "أمسك هذا". وأشار إلى  لسانــه، فأعادها  عليــه فقال: "ثكلتك أمك، هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم". رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .
قال ابن رجب  رحمه الله: "المراد بحصائد الألسنة: جزاء الكلام المحرّم وعقوباته، فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله: الحسنات والسيئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمن زرع خيرا من قول أو عمل حصد الكرامة، ومن زرع شرا من قول أو عمل حصد غدا الندامة ".
إن الـسـكوت سلامــــــــة ولربما      زرع الـكـلام عداوة وضـرارا
ولئن ندمت على سكوتك مرة   فلتندمـنّ علـى الكــلام مرارا  
 قال الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين ـ بعدما ذكر الآيات الواردة في هذا الباب: "اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كـلاما ظهرت فيـه المصلحـة ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنـة: الإمساك عنه، لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء".
لأنّ الكلمة التي لا تلقي لها بالا – أيها المسلم- قد يضيع بها حق إنسان، أو ينتقص قدره، فيضلّ وبالها عليك، وإثمها ممسكا بخناقك أمدا بعيدا. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم".   
   و يا لَلأسف الشديد، ويا لَلآلام والمصائب التي حلت بأمتنا، ويا لَواقع يعيشه مجتمعنا!. كثير من الناس أصيبوا بشهوة الكلام، ومرض الحديث، ووباء اللغو والفضول، أصبح القيل والقال فيتامينا يتعاطونه لتقوية عضلة ألسنتهم. فلا يتكلمون إلا اكتسابا للإثم، ولا يسكتون إلا إمساكا عن الخير، ولا يتكلمون إلا بالزور والكذب والنفاق والملق، ولا يتحدّثون إلا نميمة واغتيابا، كم أفسدوا من علاقات، وكم خربوا من بيوتات، كم من حيّ أماتوه، وكم من مسئول أقالوه، كم من فتاة حييّة جميلة جعلوها عانسا، وكم من شاب مثقف جعلوه مهلوسا، وكم من تاجر جعلوه مفلسا، وإلى الله المشتكي ولا حول ولا قوة إلا بالله .
   ولله درّ ابن دُريد الأزدي حين قال:
أرى الناسَ قد أُغرُوا ببغي وريبـة   وغيِّ إذا ما ميَّــــــــــــزَ النـاسَ عاقـلُ
وقد لزموا معنى الخـلاف فكلهـم    إلى نحو ما عـابَ الخليقـة مائـلُ
إذا ما رأوا خيـِّرا رمـوه بظِنَّـةٍ          وإن عاينوا شرا، فكـلٌ مُناضـلُ
وليسَ امرؤٌ منهم بناجٍ مـن الأذى      ولا فيـــــــــــهـمُ عـن زلَّـةٍ مُتغافِـلُ
وإن عايَنوا حبـرًا أديبًـا مُهذَّبًـا        حَســــــــــيبًا يقولـوا : إنـهُ لَمُخـــــــاتِـلُ 
وإن كان ذا دين يسمـوه نعجـةً    وليس له عقـــــــــــــل ولا فيـه طائـلُ
وإن كان ذا صمتٍ يقولون : صورةٌ  مُمَثَّــــــــلةٌ بالعِـيِّ بـل هـو جاهـلُ
وإن كان ذا شـرٍّ فويـلٌ لأمـــــه     لِما عنهُ يحكي مَن تضُـمُّ المحافـلُ
وإن كان ذا أصلٍ يقولـون إنمـا       يفاخـــــــر بالموتى ومـا هـو زائـــــــلُ 
وإن كان ذا مالٍ يقولون: مالـه من السُّحتِ قد رابَى وبئسَ المآكلُ
وإن كان ذا فقر فقـد ذلَّ بينهـم    حقـــــــــــــــــيـرًا مهينـا تزدريـه الأراذلُ 
وإن يكتسب مالا يقولوا : بهيمـةٌ       أتاها من المقدورِ حـظٌّ ونائـلُ
وإن جادَ قالوا مسـرفٌ ومبـذِّرٌ    وإن لم يَجُد قالوا شحيحٌ وباخـــــــــلُ 
وإن هوِيَ النسوان سمَّـوهُ فاجـرًا وإن عفَّ قالوا: ذاكَ خُنثى وباطلُ
وإن تابَ قالوا : لم يتب منه عادةٌ    ولكن لإفلاسٍ وما ثَـمَّ حاصـلُ
وإن حجَّ قالوا : ليـس لله حجـه      وذاكَ ريـاءٌ أنتجـــــــــــــــــتـه المحـافـلُ 
وإن يعتلل يومـا يقولـوا عقوبـةٌ        لشرِّ الذي يأتي وما هـو فاعـــــــــــــلُ
وإن مات قالوا لَم يمُت حتفَ أنفهِ   لِما هو من شـرِّ المآكـــــــــــل آكـلُ
وما الناسُ إلا جاحـدٌ ومُعـــــــانـدٌ       وذو حسدٍ قد بان فيـه التخــــاتُـلُ
  فلا تركُنَـنْ حقا لخيفـة قائـلٍ        فإنَّ الذي تخشى وتحـذرُ حاصــلُ
     فيا أيها الحاصدون، ويا أبغض الناس إلى رسول الله، وأبعدهم منه يوم القيامة، عليكم بألسنتكم فاتقوا الله فيها.
   عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ من أحبّكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون والمتشدّقون والمتفيهقون". قالوا يا رسول الله: ما المتفيهقون؟ قال: "المتكبرون". رواه الترمذي . الثرثارون: كثيروا الكلام، والمتشدّقون: المتطاولون على الناس بكلامهم تفاصحا  وتعاظما.
    فيا أيها المسلم: إن ضعفت عن ثلاث، فعليك بثلاث، إن ضعفت عن الخير فأمسك عن الشر، وإن كنت لا تستطيع أن تنفع الناس فأمسك عنهم ضرّك، وإن كنت لا تستطيع أن تصوم، فلا تأكل لحوم الناس. روى الترمذي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك". وروى أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: "اللهم إنّي أعوذ بك من شرّ سمعي، ومن شرّ بصري، ومن شرّ لساني، ومن شرّ قلبي، ومن شرِّ فِيّ "
      هذا رسول الله: يتعوذ من شر اللسان، وأي لسان هذا؟. إنه اللسان الذي جعله الله دليلا إلى الجنة، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي. فكيف حال ألسنتنا؟.
     اللهم قنا شر ألسنتنا، وقنا عثرات ألسنتنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويقولون للناس حسنا. بارك الله لي ولكم القرآن الكريم ....       

الخطبة الثانية
     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
     أما بعد، فيا أيها المسلمون: إن هذا الدّين دقيق وعظيم، والتزامات المنتسب إليه شاقة وعويصة، ولكنها لن تنتهي بصاحبها إلا إلى السموّ والرفعة. وإن شئت فقارن بين رجل هادئ، حلو الكلمة، عذب الروح، منزّه عن القبيح في قوله وعمله، لا ينطق هجرا، ولا يقول إلا خيرا. أليس ذلك صاحب المكانة في القلوب، والهيمنة على الناس؟. إن دعا الناس أجابوه، وإن استعان بهم أعانوه، وإن غاب عنهم تفقدوه. ورجل آخر، مؤذ بلسانه، خبيث كلامه، يتناول الأعراض، ويذيع السيئات، ويفسد بين الأحبة بالنميمة، ويبذل الضغينة بلسانه. ألستم ترونه مكروها سيئ المنزلة، مبغوضا إلى الناس أجمعين؟.
   فيا عبد الله: إن كنت تسمعني، فأيّ الرجلين تكون؟. فاتق الله والزم المحافظة على لسانك ليسلم لك دينك، ولتبق لك مروءتك، واعـلم بأنه: "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفّر اللسان، فتقول: "اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا". بهذا أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
    فاتقوا الله، أيها المسلمون، وقولوا قولا سديدا. وقولوا للناس حسنا. ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا..." الإسراء: 36.
    
   فاللهم إنـا نسألك أن تعيننا على الكلمة الطيبة، وأن تجنّبنا الكلمة الخبيثة، متّعنا – اللهم – بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا أبدا ما أحييتنا، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وحبّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين .اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام ، اللهم واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، واغفر لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وصل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى  آله وصحبه أجمعين. آمين.    

02 يناير 2012


الموضوع: المحافظة على الوقت 

 الخطبة الأولى
      الحمد لله رب العالمين، جعل في اختلاف الليل والنهار عبرا، وجعل الشمس ضياء والقمر نورا، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب. أحمده سبحانه وأشكره على نواله وأفضاله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحـــده لا شريك له، هـو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الهادي إلى صراط مستقيم، والداعي إلى دين قويم، اللهم صل وسلم وبارك وعلى آله وصحبه أجمعين.
        أما بعد: فيا عباد الله ، اتقوا الله وأطيعوه، وراقبوه مراقبة من يعبده كأنه يراه، وأنه مطّلع على سرّه ونجواه، واعلموا أنّ ما مضى من الوقت لا يُعَوَّض ولا يعود، فاغتنموا كل لحظة من أعماركم فيما يعود عليكم بالنفع عاجلا وآجلا، وتذكّروا أنّ أوَّلَ ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، عمره فيما أفناه. ففي الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟، وعن شبابه فيما أبلاه؟، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟،  وعن عمله ماذا عمل به "؟ .  
       أيها المسلمون:  عند قراءتي لهذا الحديث، توقفت متأملا قضية القضايا، وهي: الوقت في حياة الإنسان، ولماذا يضيّعه، وهو عمره ؟ وأخذت أدير الفكر في الحساب والعقاب بعد الموت ، عندما يسأل ابن آدم عن عمره فيما أفناه، فهالني الأمر وأفزعني الموقف، ورحت أتأمل آيات الكتاب العزيز، فوجدت أن الله سبحانه وتعالى قد أقسم بالوقت في العـديد مـن السّور، أقسم بالليل  والنهار وبالفجر والضحى وبالعصر ، وعندما يقسم ربّ العزة سبحانه بشيء من خلقه، فهذا دليل على أهميته وعظيم قدره .
 وعدت بالذاكرة إلى حياة خاتم النبيين – صلى الله عليه وسلم – فوجدت أنه كان لا يضيّع وقته، فهو في نهاره بين أصحابه وبين الدعوة والتعليم والعمل الصالح وتدبير أمور المسلمين، وفي الليل يقسّم وقته بين أهله وبين عبادة ربه، أليس هو القائل – صلى الله عليه وسلم - :" نعمتان مغبون  فيهما كثير من الناس:  الصحة و الفراغ " ؟. رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما.
  أما أصحابه رضوان الله عليهم، فلو قرأ شبابنا تاريخهم – الذي هجروه – لرأوا العجب العجاب في هذا الباب، إنهم كانوا لا يعرفون النوم الموصول، الليل بالنهار الذي يقضي عليه حياتهم اليوم أغلب الشباب، نوم بالليل واشتغال بالسخافات بالنهار، كانوا – رضوان الله عليهم – لا يعجبون لشيء عجبهم ممن ينام الليل كله، لأنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول  فيما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام الليل حتى أصبح، فقال: "ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه ".
       ألا ما أكثر الذين يبول الشيطان فـي آذانهم في عصرنـا !،
قيل لعمر بن الخطاب: " أتنام من النهار ؟. فقال: وهل أنام من الليل حتى أنام من النهار؟،  إنّي إذا نمت الليل أضعت حقي، وإذا نمت النهار أضعت حق رعيتي، فكيف لي بالنوم مع هــذين؟.  وإنما هي خفقات بعد الصبح ".
لا تعجب من هذا ـ أيها المسلم ـ فلكلّ امرئ من دهره ما تعوّدا !.
والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على     حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم.
        عباد الله: استحضروا حالنا في حاضرنا، إنكم تجدون البون شاسعا، والفجوة عميقة بين الماضي والحاضر. فأكثرنا اليوم يتفنّن في إضاعة وقته، ووقت أمته وبكل الوسائل، حتى كدنا نفقد الأصالة والانتساب إلى خير أمة أخرجت للــناس،  والتي ملأت الدنيا إيمانا وصلاحا وعلما وحضارة، فأين نحن الآن من أمجادنا؟.  انظروا يمينا وشمالا. ماذا ترون ؟.
ترون صورا متعددة لسرقة الوقت بين بعض طوائف الموظفين والعاملين في شتى القطاعات والمواقع، إما بالاشتغال بأمور شخصية، واستغلال لإمكانات العمل، وإما بالتزويغ وتعطيل مصالح الناس، لقد نسي هؤلاء أنّ العمل التزام ومسؤولية أمام الله أولا، وأنّ وقت العمل ليس ملكا لهم  بل هو حق الآخرين واعتداء على مصالحهم، وكذلك حال من يقتلون وقتهم في اللهو والعبث والتسكع في الطرقات والجلوس كثيرا في المقاهي والملاهي.  لقد شاعت وفشت هذه الظواهر حتى انعكست كثـــيرا على الأداء والإنتاج مما أدى إلى حدوث كثير من المشاكل .
  لقد وقف يوما العالم الدمشقي جمال الدين القاسمي( المتوفى عام 1914 م) أمام المقاهي المكتظة بالناس، فامتلأت نفسه حسرة. وقال: " كم أتمنى لو أنّ الوقت مما يباع، لاشتريت من هؤلاء جميعا أوقاتهم"؟,
  أيها المسلمون: فلنتدارك الأمر، ولنكسب الوقت، ولنحاسب أنفسنا على كل دقيقة ماذا عملنا فيها ؟. ونقلب صفحة يوم أمس كيف أمضيناه، وماذا عملنا فيه ؟ .
 دقـــــات قلب المـــــــــــــــــــــــــــــــــرء قائلة له   إن الحــــــــــياة دقائق وثـوان
 فارفع لنفسك قبل الموت ذكرها   فالذكر للإنسان عـــــمرٌ ثان
كان الحسن البصري رحمه الله يقول: " ما مرّ يوم على ابن آدم إلا قال له: "ابن آدم إني يوم جديد وعلى ما تعمل فيّ شهيد، وإذا ذهبت عنك لم أرجع إليك، فقدم ما شئت تجده بين يديك، وأخّر ما شئت فلن يعود أبدا إليك ".
نـسير إلى الآجال في كل لحــــــــظة    و أيامنا تطـــــــــــوى وهنّ مراحل
ولم أر مثل المـوت حـــــــــــــقّا كأنه     إذا ما تخـطّــــــــــته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب للرأس فاعل
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. آمين.
 أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . .
    الخطبة الثانية
       الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
        وبعد،  أيها المسلمون : إن مسؤولية الوقت أضخم مسؤولية، والعاقل من خرج من هذه المسؤولية راضيا مرضيا، راضيا عن نفسه، مرضيا عند ربه .
قال أبو بكر الكتاني: " كان رجل يحاسب نفسه، فحسب يوما سنّيه، فوجدها ستين سنة، فحسب أيامها فوجدها واحدا وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ صرخة، وخرّ مغشيا عليه، فلما أفاق، قال: يا ويلاه، أنا آتي ربّي بواحد وعشرين ألف ذنب وخمسمائة ذنب؟ .
يقول هذا لو كان ذنب واحد في اليوم، فكيف بذنوب كثيرة لا تحصى؟.
      فاعتبروا بهذا يا أولى الأبصار، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " ما ندمت على شيء، ندمي على يوم غربت شمسه، يمضي فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي".
وقال الحسن البصري رحمه الله: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يومٌ ذهب بعضك". وقال: "يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسِن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك". وقال: "الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غدًا فلعلّك لا تدركه، وأما اليوم فلك، فاعمل فيه".
وقال ابن القيم رحمه الله: "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها ".
      فالله ،. الله – عباد الله – في مواسم العمر، والبدار ..البدار قبل الفوات، خذوا حذركم، فقد أزفّ الرحيل. واغتنموا الفرصة فيما بقي من الأجل لصالح العمل.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :" و العصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الـذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " .سورة العصر.
      جعلني الله وإياكم ممن طال عمره وحسن عمله، وأعدّ للسؤال جوابا، وللجواب صوابا، اللهم إنا أسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك من كل ما تعلم، إنك علام الغيوب، اللهم أعز الإسلام والمسلمين والمسلمين. واحم حوزة الدين، واجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى وخذ بناصيته إلى البر والتقوى يا ذا جلال والإكرام. ربنا اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

16 ديسمبر 2011

الموضوع:النصيحة وآدابها
الخطبة الأولى
          الحمد لله الذي سبقت رحمته غضبه ، وعنده بذلك كتابا كتبه، " كتب ربكم على نفسه الرحمة"، وأسبغ على خلقه النعمة ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، إلهٌ لا يخيب من توجّه إليه وذكره ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، أتمّ الله به النعمة ، وبعثه للعالمين رحمة ، وللناصحين قدوة .صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
     أما بعد ، فعن أبي رُقية تميم بن أوس الدّاريِّ رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الدين النصيحة، قلنا لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". رواه مسلم.
      أيها المسلمون: النصيحة كلمة يعبر بها عن إرادة الخير للآخرين. وأصل النصح في اللغة: من نصح الثوب إذا خاطه. فشبّهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح بما يسدّه من خلل الثوب.وقيل مأخوذة من:نصحت العسل إذا صفّيته من الشمع والشوائب.
والنصيحة: دين وإسلام، وهي فرض كفاية. كما قال ابن بطال. وقال أيضا:    "النصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة ".
    إذن – أيها المسلمون – فالنصيحة لها شروط  إذا لم تتوافر فيها كانت شرّا، وأدّت إلى العكس المطلوب منها، فمن شروطها : الإخلاص فيها ، ورغبة الخير وحده فيها ، وتخيّر الوقت المناسب لها ، والتباعد عن التظاهر والتعالم فيها ، واجتناب الشدة والقــسوة  في عباراتها . قال حاتم الزاهد: " إذا كتمت عيب أخيك فقد خنته، وإن قلته لغيره فقد اغتبته، وإن واجهته به فقد بهته،  ولكن عرّض به، واجعله من جملة الحديث.
تعمّدني بنصحك في انفراد ي         وجنّبني النصيحة في الجمـاعة
فإن النصـــــــــــح بين الناس نـوع        من التوبيخ لاأرضى استماعـه
                            وإن خالفتني وعصيت أمري            فلا تجزع  إذا لـم تعط طـاعــــة
      أيها المسلمون: وإن حسن التمثيل يزيد الفكرة وضوحا، والصورة جمالا. فالتوجيهات النبوية والنصائح المحمدية يجب أن يتخذ منها مثالا يحتذى ، وأضواء كاشفة لإنارة الطريق .
   فلقــد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عادته أن يعمّم النصيحة،  ولا يواجه الناس بالعتاب، ولا يواجه أحدا بما يكره مادام هذا كافيا للإصلاح، فشعاره الدائم: " ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ". روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شيء لا يقـول ما بال فلان، ولكن يقول:  "ما بال أقوام يقـولون كذا وكذا ". شرح السنة ج 3 ص 143.    
   بل وحتّى في أصعب المواقف وأشدها على النفس وآلمها على القلب ، مثل حادثة الإفك التي روّج لها عبد الله بن أُبيّ زعيم المنافقين ورأس الفتنة، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وقال: " يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي. فوالله ما علمت على أهلي إلاّ خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، و ما كان يدخل على أهلي إلا معي"؟.رواه البخاري.
صلّى عليك الله،  يا رسول الله...فلقد قال فيك رب العزة سبحانه:"فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضوا من حولك... ". آل عمران: 159.
      أيها المسلمون: لعلكم تذكرون قصة ذلك الأعرابي الذي جاء إليه صلوات الله وسلامه عليه يطلب شيئا فأعطاه، ثم قال له: " هل أحسنت إليك ؟ قال الأعرابي:  لا، ولا أجملت، فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم الرسول أن كفّوا، ثم قام فدخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي ثم زاده شيئا، ثم قال له: "أحسنت إليك "؟، قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك قلت ما قلت، وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت فقل لهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك ". قال الأعرابي: نعم. فلما كان الغداة أوالعشيّ ، جاء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه ، فزعم أنه رضي ، أكذلك ؟ " فقال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ". فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه ، فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفور،  فنادهم صاحب الناقة : خلّوا بيني وبين ناقتي ،  فإني أرفق بها وأعلم . فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قحام الأرض فردّها هونا هونا، حتى جاءت واستناخت وشدّ عليها رحلها واستوى عليها " . رواه أبو الحسن بن الضحاك عن أنس رضي الله عنه.
    أنظروا أيها المسلمون: إلى نبيّ الرحمة. كيف بلغ به الحلم على من أعطاه وجحد عطاءه..  ردّه من نفوره هادئا طيِّعا. حتى سمع رضاه كما سمع دعاءه ،  وكذلك كان .. ألّف بين القلوب النافرة، وهدى النفوس الشاردة، بطريق الرأفة لا الغلطة، وبأسلوب اللين لا الشدّة.       
     وقد تعجبون عندما تسمعون   مارواه  البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:  " بال أعرابيّ في المسجد ، فقام الناس إليه ليقعوا فيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "  دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء ،  أوذَنوبا من ماء ، فإنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين " . 
    ياأيها المسلمون: هذا أعرابيّ يدخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يعرف أمور الدين ، ولا يدري حرمة المساجد التي أمر الله أن تعظّم وأن تطهّر، فيتنحّى في جانب المسجد، ويقف يتبوّل . ويرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنظر المؤذي، فيسرعون نحوه ويريدون ضربه وتأديبه ، لأنه أساء إلى حرمة بيت الله.لكنّ الرسول الرحيم أمرهم بالكفّ عنه وعدم إيذائه  أو ضربه ، لأن الجاهل ينبغي أن يُعلَّم ، لا أن يُضرَب ، وهم بعثوا بالتيسير لا بالتعسير ، وكلفّهم أن يريقوا على بوله دلوا من ماء تطهيرا للمكان من النجاسة . ثم يدعوا- صلى الله عليه وسلم- الأعرابي فيعلمه برفق ولين ، ويرشده إلى أن هذا بيت من بيوت الله ، لا يليق بالمسلم أن يحدث فيه أذىً أو يعرضه لنجاسة ، ويتلطف معه عليه الصلاة والسلام ،حتى شعر الأعرابي من نفسه بخطئه ، وندم على فعله، وطلب من الرسول الكريم العفو والسماح . وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة أن ذاك الأعرابي حين خرج وركب ناقته قال: " اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا " !.  وذلك لأنه رأى اللطف والرحمة من الرسول صلى الله عليه وسلم خلاف أصحابه حينما هجموا عليه ليضربوه. وسمعه الرسول يقول ذلك فقال له: " لقد حجرت واسعا يا أخا العرب ".
      هذا رسول الله،  وهذا أسلوب النصح والإرشاد،  يجعل العدوّ صديقا. كما قال الله تعالى: " ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ".فصلت:34. وبعكس ذلك تكون الكلمة الجافية والقلب الضيّق من شرّ أسباب النفور، بحيث يجعلان الصديق عدوا.
    وهذا ما آل إليه المسلمون بعدما انحرفوا عن منهج القرآن الكريم وآداب الإسلام، ففقدت النصيحة مصداقيتها، وأصبحت ضربا من التحدّي والإثارة، وبالتالي إلى المكابرة والعناد وإلى حدوث منكر أشد.
أيها المسلمون : أعود فأقول ، إن من آداب النصيحة أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، فلا يبغي الناصح من ورائها مغنما، وأن تكون بالقول الجميل وبالحكمة والموعظة الحسنة، فلا يليق أن يقال للأعمى ، " يا أعمى" ،  حتى لا تؤذى مشاعره. ولا تكون مجاهرة ، فقد ورد : أن النصيحة على رؤوس الأشهاد فضيحة.
    ورضي الله عن الحسن والحسين عليهما السلام . وقد رأيا رجلا لا يحسن الوضوء فتعمّدا الوضوء أمامه، ثم أقبلا عليه ليسألانه، أينا أحسن وضوءا ؟. فأدرك الرجل تقصيره وجهله، فقال لهما: شكرا لقد علّمتماني الوضوء.
     فاتقوا الله   أيها المسلمون في أنفسكم وفي مجتمعكم  ، واستصلحوا الوضع الفاسد والخلق الذميم بالكلمة الطيبة ، وخذوا القدوة من هدى الرسول الكريم صلى  الله عليه وسلم . 
 نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم..

الخطبة الثانية   
        الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الأمين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد ، أيها المسلمون : روى مسلم عن معاوية بن الحكم السّلمي رضي الله عنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس رجل من  القوم فقلت: يرحمك الله ، فرعاني القوم بأبصارهم، فقلت : "وا ثكل أُمِيّاه ! ما شأنكم تنظرون إليّ؟ " ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمّتونني، لكنّي سكتّ ، فلما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبأبي هو وأمّي ، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ، قال : " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ".
     هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم، وهكذا كان يوجّه وينصح. فهو لا يريد سلب الأنفس سكينتها ، حتى ولو كان ذلك في سبيل ترويضها على الفضيلة ومنعها من الرذيلة والشرّ .
       ذات يوم أقبل عليه سائل يسأله في صراحة الأعرابي وجرأته ، طامعا في أن يجد للزنا رخصة ، رغبة عجيبة حقا ، لا سيما حين يتقدم بها صاحبها إلى رسول . ولكنّ محمداَ بن عبد الله ، يكشف في هذه الواقعة عن فلسفته اتّجاه خطيئة الزنا ،  بل اتجاه الخطايا كلها، لقد استدنى الرجل وربّت على كتفه، وقال:- والضياء يكسو وجهه ملقيا على الرجل سؤالا - أتحبّ الزنا لأمك ؟ قال الرجل: لا، جعلني الله فداك ، وذكر العمّة والخالة وهو يقول في كل واحدة : لا، جعلني الله فداك. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم ولا لبناتهم ولا لعماتهم ولا لخالاتهم."
       أيها المسلمون: من كان يعرف في تلقين الأدب وبث الفضيلة وإسداء النصيحة طريقه أمثل وأروع من هذه فليأتنا بها ؟. قال الرجل وقد بهره الحجاج وأقنعه المنطق: إذن فادع الله لكي يحبّب إلي العفّة ويكرّه إلي الفسوق. فوضع الرسول كفّه الحانية على صدره،  وقال: " اللهم طهّر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه ". قال الرجل:" والله ما إن قال الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال، حتى انصرفت ولا شيء أبغض إلي من الزنا ".القصة رواها الإمام أحمد في مسنده.
فاتقوا الله عباد الله، وتأسّوا بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم. وسيروا على نهجه، فإن السعادة بحذافيرها في انتهاج هديه والتأسّي به. والتزموا بالأخلاق الفاضلة، وتجنّبوا الأخلاق السافلة، وأطيعوا الله ورسوله إن كنـــتم مؤمنين.
وفقني الله وإياكم لأحسن الأخلاق وأقومها، ورزقنا بمنّه القيام بعبادته فرائضها وسننها، وتوفنا على التوحيد والإيمان، وأعاذنا من الشرك والطغيان والعصيان.اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك...، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.