21 مارس 2026

 

  خطبة عيد الفطر لعام 1447 هـ (على شاطئ الأمل)

الخطبة الأولى

  الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً..

  الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله ورحمته تفرح المخلوقات، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه وآلائه المتتابعات، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وقدوةً للسالكين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وعمل بسنته إلى يوم الدين.

  أما بعد، ـ فها هي صفحات الأيام تُطوَى، وساعات الزمن تنقضِي. بالأمس القريب استقبلنا شهر رمضان ضيفا حبيبا واليوم نودعه، ولئن فاخرتِ الأمم مَن حولنا بأيامها وأعيادها فإنما هي تضرب في تيهٍ وتسعى في ضلال، ويبقى الحق والهدى طريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فالحمد لله الذي هدى أمة الإسلام سبيلها، وألهمها رشدها، وخصها بفضلٍ لم يكن لمن قبلها..

فالعيد _عباد الله_ في الإسلام هو اليوم الذي يعودُ ويفرح به المسلمون. وها هو العيد قد عاد، فينبغي للمسلمين أن يفرحوا؛ لأنّهم أدَّوْا ما عليهم من طاعة لله ربِّ العالمين، فهنيئًا لكم بهذا اليوم المبارك، هنيئًا لكم بهذا العيد السعيد،

  واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن الفرح بالعيد لا يكمن في المظاهر والشكليات، وإنما يتجسّد في المعنويات وعمل الصالحات، ويومكم هذا يومٌ أنور أزهر، ويومٌ محجَّلٌ أغر. فالله أكبر الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد..

  أيها المسلمون: وإن بدا عيد الفطر هذا العام باهتا، لأن الحرب لم تبقِ شيئا من شكله القديم أو لونه المعهود، والتي لم تقتصر على البؤر التقليدية المنتجة للحروب؛ بل امتدت لتطال جغرافياتٍ عديدةٍ وواسعة من المنطقة، فمن لم يحترق مباشرةً بنيرانها يكابد قلقاً متزايداً من تأثيرها عليه أمنياً واقتصادياً وتنموياً، فلا ترى ضحكات صاخبة، ولا وجوها مسرورة، حتى التهاني تبدو فيه ثقيلة على ألسنة كثير من العقلاء، إلا أننا لا نقول فيه كما قال الشاعر: "بأيّة حال عدت يا عيد"، وإنما نقول بكل الحب لكل الأعزاء والأهل والأصدقاء هنا وهناك، إننا أمة رسولها -صلى الله عليه وسلم- عاش سعيدًا وهو ينام على الحصير، ومطمئنا وهو يواجه مشاكل الدنيا ومكر الأعداء، يصنع من المحنة منحة، ومن الحزن سعادة، ومن اليأس والقنوط الأملَ والتفاؤلَ.. فمن قلب الخندق وفي ظل زلزلة القلوب وتربّص الأعداء وسطوة البرد والجوع والخوف كان صلى الله عليه وسلم يبشّر بالفتح المبين.. وذلك كان..

  ولا تسل عن فرح المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم في عيد السنة الثانية من الهجرة؛ إذ فرح المؤمنون بأول عيد شرع، وأول رمضان فرض، وأول انتصار على المشركين في بدر الكبرى، ثم فرحوا في عيد فطرهم بعد ست سنوات بفتح مكة.

وإنه الأمل _يا مؤمنون_ الذي نبنيه اليوم على سنن ربانية، تقضي بأنْ يعقب العسرَ يسرٌ، فكل يوم هو في شأن، والأيام دُول، وبين عشية وضحاها تقوم حضارات وتندثر أخرى..

  أيها المسلمون: وإن محنة الأمة الإسلامية اليوم ليست على شدتها بالتي تقارب كارثة الاجتياح التتري في عهد الخلافة العباسية، فالمؤرخ ابن الأثير رحمه الله ـ المتوفى في 630هـ ـ علّق على بدايات الهجمات التترية - بعد أن أعرض عنها حيناً استعظاماً لهولها - فقال: «فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها». ومع هذا لم يدرك ابن الأثير أنه بعد ربع قرن من وفاته سيرتكب هولاكو في بغداد أبشع مذبحة عرفتها البشرية. ذكر بعض المؤرخين أن عدد القتلى بلغ مليونين، وامتلأت شوارع بغداد بالجثث، وتعفنت الأشلاء وتلوث الهواء، فانتشر الطاعون ومات منه خلق كثير. ودبّت الهزيمة النفسية في الأمة بأسرها، حتى تناقلت كتب التاريخ أن الرجل من التتار ربما دخل على جمْع من الناس ولا يزال يُعمل القتل فيهم واحداً تلو الآخر، من دون أن يحرك أحدٌ ساكناً من فرط الهلع. لكن الأمة مع ذلك لم تمت، وانكسرت شوكة التتار في عين جالوت، واستردت الأمة عافيتها من جديد.

  هذا، وكدأب هولاكو والتتار والذين من قبلهم، أعاد طغاة القوم اليوم سيرتهم ونظروا إلى قوتهم وجبروتهم وحضاراتهم، فافتخروا بها، وظنَّوا أنهم بذلك أولياء الله وأحباءه، فظلّلت غمامة جرائمهم المسلمين وآذتهم بشتى الأساليب، وتعدت على دمائهم بل تغذَّت عليها، ولكنَّ سنن الله جارية ماضية، لا تحابي أحداً ولا تجاري دولاً، ففي النهاية سنكرّر المقولة الشهيرة على ألسنة البشر: (حضارة سادت، ثم بادت) .

   عباد الله: لقد نصر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين وأولياءَه المقربين في مواطن كثيرة؛ في بدرٍ والأحزاب والفتح وحنين وغيرها، وفاءً منه تبارك وتعالى بوعده، ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. [الروم: 6]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:40-41] . تأملوا -رعاكم الله- كيف أكَّد الله سبحانه وتعالى هذا الوعد بالنصر لمن نصره ونصر دينه بمؤكدات عديدات: •بالقسم المقدَّر بقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، وتقديره: والله لينصرنّ الله من ينصره. • وباللام والنون في قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ﴾؛ فهما للتوكيد. • وبالختم لهذا السياق بقوله جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: أن من لجأ إليه ولاذ بحماه نصره جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. [آل عمران:160].

  وعليه، لا بد أن نطُوفَ ببحر التهاني على شاطئ الأمل، رغم الظروف التي خلفها هذا العدوان الجائر من شهداء وأسرى وجرحى ودمار، قَبْلَ وطول شهر رمضان المبارك، وإنه الوفاءُ لأولئك الأبطال الذين ضحّوا بأموالهم وأنفسهم من أجل فلسطين، بل ودفاعا عن كرامة الأمة، ودفاعا عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها الواعد.. فرغم الجراح والآلام نفرح، وهذا الفرح مقدّمة للفرح الأكبر بتحرير فلسطين والأقصى. وعُمر الأمة أطول من أعمار كل المحن والظالمين، وأنتم تعرفون أن مَن حوصروا في الخندق هم من فتحوا مكة..

لئن عرف التاريخ أوسا وخزرجا * فلله أوسٌ قادمون وخزرجُ

وإن كنوز الغيب لتُخفي طلائعا * صابرة رغم المكائد تخرج

 فاهنأوا بعيدكم، وابتهِجوا بأفراحكم، وهل يكون انتظار الفرج إلا في الأزمات؟! وهل يُطلَبُ حسنُ الظن إلا في المُلِمَّات؟! يقول ربكم في الحديث القدسي -عزَّ شأنه-: "أنا عند ظنِّ عبدي بي فليظنَّ بي ما شاء".

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. نتضرع إلى الله العلي القدير أن يعيد هذا العيد علينا وعلى المستضعفين من أمتنا، وقد تحققت أمانينا وأمانيهم في النصر والتمكين. هذا أملنا، وإن يكن عزيزا، فما هو على الله بعزيز. الله أكبر.. ألله أكبر.. الله أكبر. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية

  الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر عدد خلقه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.. له الحمد سبحانه كان بعباده خبيراً بصيراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

  أيها المسلمون: حريٌّ بنا ونحن نعيش فرحة العيد، أن نتذكر أمراً مهما لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا في يومنا المبارك هذا. وهو: أن الوطن عند محبيه.. هو المفردة التي تتشبّع بها العيون عند قراءتها، وتأنس بها الأذن عند سماعها، ويذوب لها القلب حين التباهي بها، وإن الأمن في الوطن مع العافية والرِّزق، هو الملك الحقيقي والسعادة المنشودة، وإن الأوطان التي يُفقد فيها الأمن صحراءٌ قاحلة، وإن كانت ذات جناتٍ وارفةِ الظلال، وإن الأمن والإيمان قرينان، فلا يتحقق الأمن إلا بالإيمان، قال الشاعر:

إذا الإيمان ضـاع فلا أمـان * ولا دنيا لمـــن لم يحي دينا

ومن رضي الحياة بغير دين * فقد جــعل الفناء لها قرينـا

  وللأسف ما نراه في مجتمعاتنا العربية أنها تسير من غفلة إلى أخرى، ومن ضياع إلى آخر، ولا تستفيد من التجارب التي مرت بها. واتسع الخرق على الراقع. وحسن النية لا يجعل الشر خيراً ولا الباطل حقا، لأن الفعل في حد ذاته خطأ، ولا يمكن أن يحكم عليه بالصواب اعتماداً على حسن نية الفاعلين.. ثم إن مصالح الدنيا ومفاسدها إنما تعرف كما ذكر العز بن عبد السلام رحمه الله في قواعد الأحكام "ص8": "تعرف بالضرورة والتجربة والعادة والظنّ المعتبر، وأن من أراد أن يعرف المصلحة والمفسدة فليعرض ذلك على عقله ثم يبني عليه الحكم، ولا يخرج عن ذلك إلا ما كان من باب التعبد المحض".

  لذا يجب أن تعوا السبل القويمة لحراسة المصالح العليا للأوطانكم حتى لا تلتهمها الأنانيات الجامحة، وتغرقها في وحل الفتن.. ولا بدّ من الحزم اللازم لتشديد المراقبة والمحاسبة حتى لا يغرق الجميع ويهلكوا. وما العيد إلا مناسبة طيبة للتعاون على البر والتقوى، وتصفية القلوب وإزالة الشوائب عن النفوس وتنقية الخواطر مما علق بها من بغضاء أو شحناء، فلنغتنم هذه الفرصة، ولِتجَدد المحبة، وتَحُلَّ المسامحة والعفو محلّ العتب والهجران مع جميع الناس، من الأقارب والأصدقاء والجيران، قال : "وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزاً". رواه مسلم. فسارعوا إلى إصلاح ذات بينكم، وكونوا عونًا لأنفسكم وإخوانكم على الشيطان، ولا تكونوا عونًا للشيطان على أنفسكم وإخوانكم. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

  أيها المسلمون: آن لكم أن ترجعوا راشدين إلى بيوتكم على غير الطريق التي أتيتم منها، واعلموا أنكم في الدين إخوة، فحققوا هذه الإخوة بالتآلف والتحابّ بينكم. تصافحوا وتزاوروا وتبادلوا التهاني، فالتهنئة بالعيد من الأمور المباحة، بل والمطلوبة، فلقد رُوي ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن قدامه رحمه الله: "وذكر ابن عقيل في تهنئة العيد أحاديث، منها، أن محمد بن زياد، قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ، فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض:."تقبل الله منا ومنك". فهنيئاً لكم، ومبارك عيدكم.. وتقبل الله منا ومنكم.. والحمد لله لذي شرع لنا العيد وعلِم أنه سيتداخل مع أيامِ ألمٍ وحزن، وأن العيدَ سيدعَمُنا روحيًّا ونفسيًّا وأنوفُ الكفر راغمة.. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

  اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واجعل شهرنا شاهدا لنا بأداء فرضك، ولا تجعلنا ممن جد واجتهد ولم يرضك، اللهم ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك ونسأل تمامها في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا. اللهم وانصر المسلمين في كل مكان واجعلهم في الخير متعاونين، وأيّد بروح منك إخواننا في فلسطين وأهلك عدوهم واستخلفهم في أرضهم وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا إنك على كل شيء قدير، اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين وأقض الدين عن المدينين ويسر أمور المسلمين أجمعين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك الصالحين، ربنا اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ومشايخنا ولولي أمرنا ولجميع المسلمين والمسلمات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين.

24 أكتوبر 2025

   الموضوع: انطلاق حملات التشجير.

   الحمد لله الذي أنعم علينا بالأشجار، وجعل لنا منها القوت والإعتبار، فقال سبحانه من كريم غفار، وهو يبين شجرة النار، (أَفَرَأيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * آنتُمُ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ). وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، إله الاولين والآخرين، واشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى اله الطيبين، وصحابته اجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين.

   أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وبادروا إلى الأعمال الصالحة، قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). فصلت: 8، قال الإمام السعدي -رحمه الله-: "لهم أجر عظيم غير مقطوع ولا نافد، بل هو مستمر مدى الأوقات، متزايد على الساعات، مشتمل على جميع اللذات والمشتهيات".

   أيها المسلمون: وإن من الأعمال الصالحة عمل يغفل عنه كثير من الناس، وهو غرس الأشجار، فقد حثّ الإسلام عليه ورغَّب فيه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ". أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم: "إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

    ففي هذا الحديث النبوي الكريم يبين النبي ﷺ للأمة، ويرشدهم إلى أن ثواب التشجير موصول ما دام الزرع مأكولا منه، حتى ولو انتقل إلى ملك غيره، ولو مات الغارس، أو الزارع. قال النّوويُّ في شرح مسلم: في هذا الحديث فَضِيلةُ الغَرْسِ وفضِيلةُ الزَّرْعِ وأنّ أجْرَ فَاعِلِي ذلكَ مُستَمِرٌّ ما دامَ الغَرْسُ والزّرْعُ وما توَلّدَ منهُ إلى يومِ القيامةِ"..

     هذا وإن مختلف مناطق الجزائر _المحروسة بإذن الله_ تشهد في هذه الأيام انطلاق حملات تشجير واسعة، والتي من المنتظر أن تساهم في عودة الحلة الخضراء للعديد من المناطق، وتوسيع في المساحات الخضراء لأنها هي الرئة التي يتنفس بها المواطن.. ابتغاء الأجر والثواب الأخرة، وناهيك عن الأهمية الحيوية للغطاء النباتي في التنمية الاجتماعية والاقتصاد المحلي..

    أيها المسلمون: وحرصا منا على استمرار حملات التشجير بعيدا عن المناسباتية في اطار ثقافة بيئية مستدامة، أو ما يمكن أن نسميه بالتربية البيئية للمحافظة على المحيط، وإرساء قيم العمل الإيجابي.. نَذكُر ونُذكّر بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليفعل". رواه أحمد واللفظ له، والبخاري في الأدب المفردهاتوا كلّ ما كتب فلاسفة البشر وعباقرتهم عن الإيجابية في حياة الإنسان، فلن تجدوا مثل هذه الدعوة العريضة التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم عامة المسلمين في مثل هذا الوقت الحرج من حياتهم؟!.

   إن العجب ليأخذ بقلبي وأنا أتأمل أننا حين نغرس الشجرة في الأرض إنما نغرسها لنأكل من ثمرها أو نستطل بظلها أو ننتفع بها في حياتنا في يوم من الأيام، فما ينفع هذا الغرس الآن والدنيا قد آذنت بالرحيل؟.

    إننا إذا تصوّرنا هذه اللحظات بدقة أدركنا حجم الخبر في حياة الإنسان، وهول المفاجأة، وصاعقة اللحظة بزوال الدنيا واستقبال الآخرة، ومع ذلك يؤكّد النبي صلى الله عليه وسلم على قضية الإيجابية في حياة الإنسان، فكأنه يقول: لا يروعك خبر القيامة، ولا يؤثّر على عملك، وتَقدّمْ لغرس الفسيلة. ليس هناك حثٌّ وترغيب وتشجيع على الغرس والتشجير، أقوى من هذا الحديث؛ لأنه يدل على الطبيعة المنتجة والخيرة للإنسان المسلم، فهو بفطرته عامل معطاء للحياة.

     ومن هنا ينبغي للمؤمن أن تكون له همة عالية، ونية طيبة في كل أعماله؛ زراعة، غراسة، سقي ماء، أو أي شيء ينفع الناس، وتكون له فيه نية صالحة، يرجو فيها ثواب الله.. قال داودُ بنُ أبي داودَ: قال لي عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ –رضي اللهُ عنه-: "إنْ سمعتَ بالدجالِ قد خرجَ وأنت على وَدِيَّةٍ (وهي النخلة الصغيرة) تغرسُها؛ فلا تعجلْ أنْ تصلحَه، فإن للناسِ بعد ذلك عيشًا"؛ رواه البخاريُّ في "الأدبِ المُفْردِ. وأخذَ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ –رضي اللهُ عنهما- في إحياءِ أرضٍ وغَرْسِ نخلٍ في آخرِ عمرِه، فقيل له فيه، فقال: ما غرستُه طمعًا في إدراكِه، بل حملني عليه قولُ الأسديِّ:

                                     ليس الفتى بفتى لا يُستضاءُ به = ولا يكونُ له في الأرضِ آثارُ

نسأل الله المتعالي أن ييسر الخير لمن يريد الخير لبلدنا، وأن تشمل ألطافه الإلهيّة حالَنا، كما كان الأمر حتّى يومنا هذا -بحمد الله- وينفعني وإياكم بما قلت، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

16 يناير 2025

دعوا التحليلات لأهلها واستمتعوا بنصر غزة.


الموضوع: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الغر المحجلين .. وبعد:

      ففي علوم الحرب وصراع القوى، يُمْكِن للخبراء العسكريين والقادة السياسيين أن يتنبأوا بنتائج المعارك مسبقاً، وغالباً ما تصيب توقعاتهم وتوافق حساباتهم، ولا سيما مع التطور الهائل الذي تشهده التقنية الحديثة على مختلف الأصعدة وفي جميع المجالات، حيث يمكن إدخال أرقام وقياسات كِلَا طرَفَي معركةٍ ما لجهاز حاسوب، فيعطيك نتيجة فورية مفصلة بنتائجها قبل نشوبها، ولكن هذه التقنية الباهرة، تقف عاجزة كل العجز أمام إخضاع أسبابنا الخاصة كمؤمنين لحساباتهم كبشر، فحينما يكون أحد المعسكرين المتحاربين معسكر الإيمان تفشل الحسابات، بل تكون حساباتها تلك من باب العبث والدجل، لأنها تتأسّس - حينئذ - على مقدمات خاطئة أو ناقصة، لم يَحُط بها استقصاءٌ كلّي جامع.

   إن للنصر أسبابا ربانية لا تُمنح لجنس تفضيلاً له على آخر، وإنما يختص بها أهل الإيمان أينما كانوا، وأياً كان جنسهم أو لونهم، وذلك بمقتضى ميزان العدل الإلهي، الذي لا اعتبار فيه لمعايير البشر العنصرية والمادية، والتي لا تتحيز لفريق دون آخر لمجرد الهوى، أو لحمية الجاهلية، أو للإلتقاء المصالح النفعية، فالإعتبار الوحيد في ميزان الله، هو كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.محمد: 7 .

    فالنصر لفظ من الألفاظ العَقَدية في الدين الإسلامي، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم ما يزيد عن مائة وثلاثين مرة. وهو مُسْنَد ومنسوب إلى الله العليّ القدير، فالنصر من عند الله، كما قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}, [آل عمران:126] .

    وللأسف.. لقد أغرقتنا التحليلات السياسية والعسكرية، من قبل المحللين العرب أو الغرب، فدعوا التحليلات لأهلها واستمتعوا بنصر غزة، بل بنصر فلسطين، بل بنصر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. فالمسلمون يُنصَرون بمددٍ من الله وتأييده، وذلك حينما يَنصُرون الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، كما في قوله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: {إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ}[160]. وكما في قول رب العالمين في سورة الحج: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، [40]. فمهما تكن نتائج الحرب في غزة، فإن أهل غزة سينتصرون، صحيح موازين القوى مختلّة تماما، غزة تواجه تحالفا دوليا غير مسبوق، فالحرب غير متكافئة عتادا وعدة وعددا لكن نتائج المعركة حتى الآن في صالح المقاومة والدليل على ذلك حالة الهياج والقتل غير المبرر للمدنيين لتحقيق أي نصر زائف يشفي صدور الإسرائيليين ويخفف من صدمة شعب دولة الاحتلال ويعيد الثقة إليهم وتوازنهم بعد الصاعقة التي ألمت بهم منذ 7 أكتوبر الماضي...

    ولكن بصمود وعزيمة أهل غزة، وصلابة معركتهم ومشروعية قضيتهم يتوفر لدينا يقينٌ بأنهم أهل للنصر رغم فظاعة وبشاعة القصف والدمار الهائل. فبإذن الله سيدوّن أهل غزة لكل الأمم والأجيال قصصاً من النصر والحرية والإقدام.. وسيخرج الصهاينة من فلسطين صاغرين ومنهزمين، لقد وعدنا المولى- عز وجل- في كتابه العزيز بهذا عند ما قال سبحانه "ولينصرن الله من ينصره"، وستكون كلمة الله هي العليا والنصر لعباده المجاهدين في سبيله.. وإن كانت تكلفتها الدموية باهظة، لكنها تمثل مشهدا يكتمل في متاهة البحث عن طريق القدس التي تدل عليها أبوابها الأربعة عشر وسورها ومسجدها والمرابطون فيه، لمن تاه عن الطريق ويقول: يا قدس إنا قادمون.

   أسأل الله عز وجل أن يرينا آثار هذا الفتح والنصر عاجلاً غير آجل، اللهم فك حصارهم، وآمنهم في ديارهم، وارحم موتاهم، واشف مرضاهم، واجبر كسرهم، وسدّ خلتهم، واجبر مصابهم، وانتصر لهم ممن ظلمهم.. يا راحم المساكين ويا ناصر المستضعفين اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على النبي والنذير البشير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

04 يوليو 2024

الموضوع: الذكرى 62 لعيد الإستقلال 1962 2024

عيد مجيد وعهد جديد

الخطبة الأولى

   الحمد لله معزِّ الإسلامِ بنصره، ومذلّ الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي جعل العافية للمتقين بفضله، وأظهر دينه على الدين كله. والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.

أما بعد: فلقد جاء الخطاب في قول الله تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"، [يونس: 58] موجّها للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده أن يكون احتفاؤهم بفضل الله تعالى ورحمته عليهم، وهما القرآن والإسلام وما يتبعهما من أمور الدين والعبادات..

قال ابن القيم رحمه الله: "وقد ‌دارت ‌أقوال ‌السلف ‌على ‌أن ‌فضل ‌الله ورحمته: الإسلام والسنة، وعلى حسب حياة القلب يكون فرحه بهما، وكلما كان أرسخ فيهما كان قلبه أشد فرحًا، حتى إن القلب ليرقص فرحًا ــ إذا باشر روح السنة ــ أحزن ما يكون الناس، وهو ممتلئ أمنًا أخوف ما يكون الناس". (اجتماع الجيوش: ص10).

 أيها المباركون: وها الزمان دار دورته، وهلّ علينا اليوم الذي يحمل في طياته أجمل ذكريات الجزائر، جزائر العزة، موطن المحبة، والأرض التي تستقى منها الكرامة، ذكرى فرحة ترجمتها أغنية الراحل عبد الرحمن عزيز: (يا محمد مبروك عليك * الجزائر رجعت ليك..).

   إنها فرحة لم تكن تتمثّل في خروج المستعمر الفرنسي من البلاد فقط، بل في عودة الجزائر المسلمة الأصيلة، وعودة القيم التي استشهد من أجلها أحرار وحرائر الجزائر.. وإن من يقرأ خطبة الإمام البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى، التي ألقاها في أول خطبة جمعة بمسجد كتشاوة بعد أن تمت إعادته إلى وضعه الطبيعي من كنيسة إلى مسجد، وهو يوجه خطابه إلى مجموع الحاضرين يدرك هذا، حيث قال رحمه الله في خطبته: "يا أتباع محمد عليه السلام، هذا هو اليوم الأزهر الأنور، وهذا هو اليوم الأغر المحجل، وهذا هو اليوم المشهود في تاريخكم الإسلامي بهذا الشمال، وهذا اليوم هو الغرة اللائحة في وجه ثورتكم المباركة، وهذا هو التاج المتألق في مفرقها، والصحيفة المذهبة الحواشي والطرز من كتابهاّ. ثم يقول: "وهذا المسجد هو حصة الإسلام من مغانم جهادكم، بل هو وديعة التاريخ في ذممكم، أضعتموها بالأمس مقهورين غير معذورين، واسترجعتموها اليوم مشكورين غير مكفورين، وهذه بضاعتكم ردت إليكم، أخذها الاستعمار منكم استلابا، وأخذتموها منه غلابا، بل هذا بيت التوحيد عاد إلى التوحيد، وعاد التوحيد إليه فالتقيتم جميعا على قدر". .

   أيها المسلمون: هذا اليوم إنما جاء بعد استعمار واستدمار فرنسي دام أكثر من ثلاثة عشر عقداً (132 سنة)، حرصت فيها فرنسا على تأسيس المدارس التي كان هدفها دمج الشباب الجزائري وتغذيته بالعقلية الفرنسية وبالديانة النصرانية، بداية بتأسيس أول كنيسة جزائرية سنة 1838م وتعيين الأسقف "أنطوان دوبوش" على رأسها، ثم مجيء الأسقف "لافيجري" الذي تولّى عملية التبشير سنة 1867م حتى 1892م، وكان شديد الحماسة لهذا العمل الذي وهب عمره له ووضع له خطة تكون ثمرتها تنصير جيل كامل من الشباب الجزائري.. ولكن كل تلك المخططات والمؤامرات قد باءت بالفشل واصطدمت بصخرة العقيدة القوية الراسخة لدى الشعب الجزائري الذي رفض سياسة التبشير، بل وازداد اصرارا على الصبر على دينه وعقيدته الإسلامية، ويذكر التاريخ أنه من أجل القضاء على القرآن من نفوس شباب الجزائر، قامت فرنسا بتجربة عملية، حيث انتقت عشر فتيات مسلمات جزائريات، أدخلتهن الحكومة الفرنسية في المدارس الفرنسية، وألبستهن الثياب الفرنسية، ولقنتهن الثقافة الفرنسية، وعلمتهن اللغة الفرنسية، فأصبحن كالفرنسيات تماما.. مستعينة فى ذلك برجل دين نصراني اسمه "لاكوست" الذي عمد على تنشئتهن على الأفكار والعادات الفرنسية..

  وبمناسبة مرور 100 عام على احتلال الجزائر أرادت أن تثبت للعالم أن الجزائريين صاروا قابلين للإندماج في المجتمع الفرنسي، وبعد أحد عشرة (11) عاما من الجهود هيأت لهن حفلة تخريج رائعة، دعي إليها الوزراء والمفكرون والصحفيون، كما حضرها بعض ممثلي الإستعمار الأوروبي في البلدان العربية لكي يأخذوا فكرة عن الجزائر الجديدة "الفرنسية"، ويطبقوها في البلدان العربية الباقية. اجتمع الحضور في مسرح كبير، ورفع الستار، وكانت صاعقة مدوية للفرنسيين بل لكل الحاضرين حين رأوا الفتيات الجزائريات يخرجن وهن يلبسن اللباس الجزائري الأصيل (الحايك)!.. فثارت ثائرة الأعلام الفرنسي، وتساءل: ما ذا كانت تصنع فرنسا في الجزائر طيلة قرن من الزمان؟! أجاب "لاكوست" وزير المستعمرات الفرنسي: وما ذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟.

 إنها صرخة تدل بما لا يدع أي مجالا للشك على أن الإسلام ظل دائماً هو القلب النابض للثورة، وأن مفاهيمه ومصطلحاته هي التي دفعت المواطنات والمواطنين إلى التضحية القصوى. ورحم الله القائل:

شعب الجزآئرِ مُسْلِمٌ * وَإلىَ العُروبةِ يَنتَسِبْ

مَنْ قَال حَادَ عَنْ أصْلِهِ * أَوْ قَالَ مَاتَ فَقَدْ كذبْ

أَوْ رَامَ إدمَاجا لَهُ * رَامَ المُحَال من الطَّلَبْ

  فالقرآن أكبر من فرنسا، وسيظل أكبر من فرنسا ومن على شاكلتها، لأنه على ركب الأمجاد يسير المخلصون من الأحفاد، وعلى رجع صدى هذا العيد المجيد يسير المخلصون من أبناء الجزائر وبناتها اليوم مع عهد التجديد. ورحم الله الشاعر الكبير البرناوي حين قال على لسانهم:

قد كنا أمس عمالقة في الحرب نذل أعادينا

وإنا اليوم عمالقة في السلم حماة مبادينا

أبطالا كنا لا نرضى غير الأمجاد تحيينا

نزهو بالماضي في ثقة والحاضر يعلو ماضينا

   هذا، وستظل الجزائر محروسة بحول الله وقوته، ثم بعزَمات رجالها وإيمان أهلها ـ رغم المؤامرات والدعوات المُغرِضة ـ بلد إسلام وسلام وخيرٍ وإحسان، آمنة مطمئنة ساكنة مستقرة..

دامت بفضل الله إلى ما شاء الله، علقما في عين كل حسود، وإثمدا في كل عين كل ودود، وسقى أرجاءها المشرقة وأغصانها المورقة شآبيب الإحسان ومهدها بالأمن والإيمان، وحفظ أهلها وأمنها وعقيدتها من كيد الأعداء ودسائس المغرضين، وجعلها آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين..

الخطبة الثانية

   الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه. وسلم تسليماً..

  أما بعد، عباد الله: فإن هذا اليوم يذكرنا بثورة عظيمة صنعت التاريخ، وبهرت العالم، وقهرت الجبابرة، وقصّرت آمال المستعمرين، وقصمت ظهور المستدمرين، وغيرت مجرى الأحداث وأعطت لشعوب العالم دروسا عملية في الجهاد والتضحية والثبات والإستشهاد.

    إنها ثورة كان عدد المجاهدين الذين فجّروها على المستوى الوطني يوم انطلقت شرارتها: 1200 مجاهد. وكلّ ما يملكون: 400 قطعة سلاح وقنابل تقليدية معدودة، والكثير من التصميم والإصرار والعزيمة من دحر المستعمر وتحرير كامل التراب الجزائري في ملحمة بطولية لا يزال صداها يتردد بعد أكثر من سبعة عقود. وإنها مرجع الأحرار على درب الاستقلال، فمقاومة الفلسطينيين اليوم في غزة وجهادهم ضد الكيان الصهيوني وجيشه المجرم، هو عنوان لنوفمبر آخر على الطريقة الفلسطينية، سوف يكلل دون أدنى شك بالإنتصار ودحر قوى الشر، وتحقيق غاية وبناء دولة فلسطينية تنعم بالاستقلال الكامل.

   هذا، ولن تكتمل فرحة الجزائريين باستقلالهم إلا بانتصارها وعودة المسجد الأقصى وجميع فلسطين إلى حضن الإسلام والمسلمين، وتلك هي وصية الشهداء ومن بينهم الشهيد ديدوش مراد في رسالته والتي كان من ضمن ما تناولته من وصايا "لا يكتمل استقلال الجزائر، إلا بتحرير فلسطين".

  اللهم أدم على الجزائر أمنها ووحدتها واستقرارها، واجعل لأهل غزة النصرة والعزة والغلبة والقوة والهيبة والتمكين،. وأتم نصرنا بتحرير فلسطين، اللهم لا تخيب رجاءنا وأنت أرحم الراحمين.. اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، وأنزل على قبورهم سحائب غفرانك، واجعل درجاتهم في عليين، وبارِك في الجزائر، أَرْضِها وسمائها، وأكثر خيرها في بَرِّها ومائِها، وأكرم حماتها وحراسها وكن لهم وليا وحافظا ونصيرا، واحفظ اللهم أمنها وعقيدتها من كيد الأعداء ودسائس المغرضين، واجعلها بلدا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.. وصلى الله على سيدنا محمد وسلم..

18 أبريل 2024

الموضوع: كن (معاذًا) في مثل موقفه، ولا تخذل أخاك.. الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة

       الحمد لله الدائم بره، النافذ أمره، الغالب قهره، الواجب حمده وشكره، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الملك والتدبير، جلَّ ذكره، وإليه يُرجع الأمر كله، علانيته وسره، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار، ما جن ليل وبزغ نهار، وسلَّم تسليماً كثيراً.

    أيها المسلمون: هناك مواقف وسلوكيات مختلفة في حياتنا اليومية تتحوّل بمرور الزمن إلى ثقافة، والمواقف والسلوكيات هما بعدان لشخصية كل فرد، وصاحب المواقف الصحيحة يتحلّى بالسلوكيات الصحيحة أيضا. فمثلا حين يتباطأ الشخص عن القيام بما يجب عليه في حينه، فهو عندئذ متواطئ برغبة السلامة أو فطرة المكابرة، ولا قيمة حينئذ لما يقوم به بعد ذلك، وقديما قال الشاعر:

                              إذا لم يُغَبِّر حائطٌ في وقوعِه * فليس له بعد الوقوعِ غُبَارُ .

  وهذا هو أحد المفاهيم التي ترسخت عند الصحابة، ففي البخاري ومسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه أحد المخلفين في غزوة تبوك أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علم بغيابه في الغزوة قال: ما فعل كعب؟، اطمئناناً منه صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فهو يسأل لماذا لم يأت كعب معنا؟ فقال رجل من بني سلمة -بكسر اللام- يا رسول الله! حبسه برداه أي: حبسته ثيابه، ونظره في عطفيه يعني: في حسن وبهاء الثوب الذي عليه، والمراد من ذلك: أن الدنيا قد شغلته عن القدوم إلى الغزوة. فرد عليه معاذ بن جبل رضي الله عنه قائلاً: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً.

     الشاهد هنا أن معاذاً رضي الله لم يتباطأ ولم يتردّد، بل دافع عن أخيه كعب، وإن كان كعب متخلفاً عن أهم غزوة في حياة المؤمنين، فمعاذ عذر أخاه حتى يعرف سبب تخلفه عن هذه الغزوة، هذه هي الأخوة الحقيقية، وهذا هو المعنى الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم عن الأخوة.

    هذا، وإن مما لا مرية فيه أن جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إخوة، لا تفصل بينهم حدود، ولا تفرّقهم جنسيات، والرابط الأساس بين أفراد الأمة جمعاء الأخوة الإسلامية، وإن ما تواجهه اليوم أرض فلسطين عامة وغزة بالخصوص جريمة إنسانية متكاملة الأركان والشروط، حيث تتعرض إلى مؤامرة عالمية يشجعها ضعف وتخاذل النظام الرسمي العربي وتآمر أطراف عديدة منه، قال الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله: "إن فلسطين وديعة محمد صلى الله عليه وسلم عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منا ونحن عصبة، إنا إذا لخاسرون".

     أيها المسلمون: إن نصرة فلسطين والفلسطينيين المظلومين والمستضعفين واجب أخلاقي وإنساني وشرعي، توجبه الظروف القاسية التي يمرون بها، من قصف متواصل؛ وتقتيل وتشريد العزل، وهدم بيوتهم وسلب أرضهم ومحاولة تهجيرهم، حيث لا يمكن وصف ذلك إلا بالإبادة الجماعية والعالم "المتحضر" كله يتفرج مع الأسف، بل يسارع إلى مدّ يد العون للمعتدي الغاصب. وإن تخلف المسلم عن نصرتهم مع القدرة على ذلك، وهو يرى بعينه إذلال أخيه ألبسه الله لباس ذل أمام الخلق يوم القيامة؛ لتقصيره في نصرة أخيه، ورفع الذل عنه. خرّج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف عن أبيه عن النبي قال: "من أُذل عنده مؤمن فلم ينصره، و هو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة". وخرّج أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابر بن عبد الله، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من امرئ مسلم يخُذلُ امرأً مسلماً في موطن تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يُحبٌّ فيه نُصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عِرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موضع يحبُ فيه نُصرته".

   ولئن صمتت الدول الغربية فليس ذلك بمستغرب لأنها داعمة للصهاينة في السر والعلن، ولكن الصمت والخذلان العربي مؤلم لدرجة كبيرة، لأن المسلم أخو المسلم ويتطلب الأمر نصرته خاصة وقت الشدائد والمحن،  وإن المسؤولية أمام الله تتفاوت بحسب موقع كل فرد ومكانته وتأثيره وعمله ووظيفته وخبرته وعلمه وعلاقاته؛ فكلما كانت الإمكانات أكبر كانت المسؤولية أعظم، وكلما كانت المكانة والموقع أقوى كانت المسؤولية أكبر.

    أقول: وإنه لمن دواعي الفخر والإعتزاز ان الشعب الجزائري لم يتوان أبدا من تقديم يد العون والإسناد للشعب الفلسطيني، وذلك منذ تأسيس الهيئة العليا لإعانة فلسطين سنة 1948م، والجزائريون حينها لم يلملموا بعد جراح مجازر الثامن من مايو 1945م، حيث عملت هذه الهيئة بقيادة جمعية علماء المسلمين على جمع التبرعات لصالح فلسطين، يقول الشيخ الإبراهيمي أحد أبرز قادتها: "… ثم شرعنا في العمل في خواتم رمضان المبارك، فاجتمع لدينا من هبات المحسنين عدة ملايين من الفرنكات أبلغناها إلى مأمنها في فلسطين…"، ولا يزال إلى الآن غالبية الجزائريين يعتبرون شعار"نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة". الذي أطلقه الرئيس الراحل هواري بومدين ممثّلا لهم. ويكفي أنه اعترف في شهر أكتوبر 2023م "عوفير برونشتاين" المستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين، بأن "الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة التي لم توقف مساعدتها المادية الموجهة إلى فلسطين.."

   وها هي الجزائر اليوم تضع باللون الأزرق مشروع قرار طلب عضوية فلسطين بالأمم المتحدة بدعم من المجموعة العربية، وتأتي هذه الخطوة عقب الجهود الحثيثة التي بذلها الجهاز الدبلوماسي الجزائري وفقا لتعليمات الرئيس عبد المجيد تبون، التي أمر من خلالها بالعمل على حشد أكبر قدر ممكن من الدعم لتمكين دولة فلسطين من الحصول على عضويتها الكاملة بهيئة الأمم المتحدة. وهي خطوة سيجّلها التاريخ.. ولئن لم تكن الأولى للجزائريين، ولن تكون الأخيرة، وليست منّة ولا تفاخرا، ولكنها تؤكد مرّة أخرى في أذهان الأجيال العربية بأن فلسطين عندهم فوق كل اعتبار.

   أيها المسلمون: - وبناء على قاعدة: "أن لكل فعل ردّة فعل مساوية له في القوّة ومضادّة له في الإتجاه"، أقول لكل من يسمع خطابي أو يقرأ كلامي-: كن معاذا في مثل موقفه، ولا تخذل أخاك الفلسطيني.. ففي الخذلان لا توجد فرصه ثانية، وليس كل المواقف تستطيع فيها التبرير والإعتذار، ولعل هذا السبب الذي جعل برنارد شو يعتذر عن قبول جائزة نوبل بعد أن بلغ ذروة الشيخوخة. وما أدراك ما قيمة جائزة نوبل عند أهلها.

    وعلى الجميع العودة إلى الماضي (var)، لتحرير العقول من رغبة السلامة وفطرة المكابرة، للمضي قدماً في رحلة الوعي الخالص دون تلويث أو توجيه مغلوط للمسار قبل فات الأوان. وهذه نفثة حرَّى من محب، ولعل الإشارة بها تصيب مرماها أو قريب ممّن يبلّغها منتهاها.. وإلا سنكتفي بأن نقول بأنها رمية كحجر المقلاع ليس لها اتجاه محدّد..

اللهم إنا نسألك بذلِّ عبوديتنا لك، وبعظيم افتقارنا لك، أن تنتصر لعبادك المؤمنين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها.. اللهم أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين، وجنّبنا ومن نحب ما قد يخلّفه وجعٌ خُصّبَ بنطفة من خِذلان، فبك نستعين ولا حول ولا قوة إلا بك..

07 أبريل 2024

الموضوع : عيد الفطر ـ بأية حال عدت يا عيد

       الله أكبر (7)..  .. الله أكبر عدد ما صام صائم وأفطر، الله أكبر ولله الحمد. سهَّل للعباد طريق العبادة ويسر. وأفاض عليهم من خزائن جوده التي لا تحصر. أحمده سبحانه على نعمه، وأشكره وهو المستحق لأنْ يُحْمدَ ويشكر.

    وأشهد أن لا إله الا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمد بن عبد الله، نبي الله المصطفى ورسوله المجتبى. صلوات ربي وسلامه عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار، وما تعاقب الليل والنهار، وعلى صحبه الأخيار وأتباعه الأطهار..

      أما بعد أيها المسلمون: فاليوم يوم الفرح والسعادة والحبور، اليوم يوم الجوائز والمنائح للعابدين، اليوم تاج على رأس الصيام لا يجمُل ولا يحلَى إلا به. اليوم ضيافة الرحمن وفضله ورحمته. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يونس: 58.

      وإن من رحمته ـ يا عباد الله ـ أن أبقاكم حتى صمتم رمضان. وإن من رحمته أن قمتم وقرأتم وصليتم. فمن وفقه الله لرحمته وأخذ منها بنصيب، فهذا هو الفرح الذي لا يعدله شيء ولو جمعت للمرء الدنيا بحذافيرها.

فهنيئًا لكم هذا اليومُ البهيج، هنيئًا لكم هذا اليومُ المجيد، هنيئًا لكم يومُ العيد، ويومُ الأفراحِ والمسارّ، والبهجة والأنوار، جعله الله مقرونا بالقَبول، ودَركِ البغيةِ ونُجح المأمول. فلك الحمد -يا ربي- على إكمال عدّة الصيامِ، ولك الحمد -يا ربي- على إدراك رمضان حتى التمام، وحضوره حتى الختام، جعلنا الله ممن أُعتق فيه من النار، وأُنزل منازل الصادقين الأبرار.   الله أكبر.. ألله أكبر.. الله أكبر..

   أيها المسلمون: لكم أن تفرحوا بطاعة ربكم وامتثالكم لأمره، "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون". وليكن رائدكم في هذ السلوك البهيج هو النبي الذي أرشد أمته إلى طرائق البهجة والسرور، وكان يحرص على أن يكون هو ومن حوله أشدَّ الناس فرحا بالأعياد، حتى لكأن المسلمين في أيام أعيادهم لا يشغلهم سوى المفاكهة والحياة السعيدة، والحقُّ أن مبعث ذلك هو التوازن بين الروح والمادة، والمرح والجِدّ الذي أسسته له قيم الإسلام، وقامت عليه دعائم العمران والاجتماع الإسلامي!.

إن العيد في الإسلام غبطة في الدين والطاعة، بهجة في الدنيا والحياة، ومظهر القوة والإخاء، إنه فرحة بإنتصار الإرادة الخيّرة علي الأهواء والشهوات، إن العيد مناسبة لإطلاق الأيدي الخيرة في مجال الخير، وهي مناسبة لتجديد أواصر الرحم في الأقرباء، والود من الأصدقاء، تتقارب القلوب علي المحبة، وتتجمع علي الألفة، وترتفع عن الضغائن. الله أكبر.. ألله أكبر.. الله أكبر..

       فيا من صمتم وقمتم، وخشعتم ودعوتم. الصيام مدرسة ربانية أخذتم فيها دورة تدريبة علي الطاعة والانقياد إليه، تركتم الحلال الطعام والشراب والشهوة، أفلم تتهيأ نفوسكم لترك الحرام في رمضان وفي غير رمضان؟!. فاجعلو كل شهوركم رمضان، وكل أيامكم أعيادا بطاعة الرحمن، فلقد كان سلفنا الصالح – رضي الله عنهم – يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ويخافون من ردّه وإبطاله، قال فضالة بن عبيد رحمه الله: لأن أعلم، أن الله تقبل مني مثقال حبة من خردل، أحب إلي من الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول: "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ". تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وبلَّغنا جميعاً جزيل المواهب وخير الآمال. الله أكبر.. ألله أكبر.. الله أكبر..

     أيها المسلمون: لئن كان من حق العيد علينا أن نباهج به ونفرح، وكان من حقنا أن نتبادل به التهاني ونطرح الهموم، فواجبا علينا من هنا أن نلتفت بحزن وأسى إلى غزة هاشم، التي تحمّلت وتتحمل ذلكم الكمّ الهائل من التضحيات، ودفعت الشهداء من الشيوخ والنساء والأطفال وخيرة الرجال والشباب ثمناً لصمودها ومقاومتها للعدوان السافر على أرضها.. ولذا فحقيقة عيدنا هذا العام مختلف، فيه من الفرح ما فيه، وفيه من الحزن ما فيه. فيه الفرح بإكمال الشهر مستشعرين قول الله تعالى «ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون». البقرة 185. وأسأل الله أن يكون خَتم ربنا لي ولكم شهرنا هذا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل متقبل مبرور.  

ففي هذا العيد يتردّد على مسامعنا قول شاعرنا المتنبي:

عيد بأية حال عدت يا عيد * بما مضى أم بأمر فيك تجديد

   حيث يخاطب المتنبي العيد متسائلا عن الحالة التي عاد فيها، ويستفهم إن كان هذا العيد قد جاء بأمر جديد مختلف عما مضى وسبق، أم أنه جاء بالهموم والمتاعب التي اعتاد عليها المتنبي من قبل.

أما الأحبة فالبيداء دونهم * فليت دونك بيدا دونها بيد

   وهنا يتأسف المتنبي على بعد أحبته عنه، نعم بعد الأحبة وفقدهم محزن ومؤلم، ولكن يا أبا الطيب إن مع البعد قتل واجتياح وتدمير تقوم به قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، وإنها لترخي على عيدنا ظلالا قاتمة تنزع من قلوب المسلمين الفرح، وتنكأ لديهم جراحا غائرة .فلا شيء حاضر في العيد إلا صورة الحزن الذي يسكننا، ويسكن حياة الكثير من الأسر الغزاوية في هذا العيد، العيد الذي انتهى معه الصيام عن الطعام والشراب، دون أن ينتهي الصيام عن فرحة صادرها الاحتلال من الفلسطينيين في حلهم وترحالهم.. والله المستعان. الله أكبر.. ألله أكبر.. الله أكبر..

     أيها المسلمون: وبما أن الفرح والحزن من الأحوال التي يصاب بها جميع الناس، والمسلم يجمع بين الفرح بما يفرحه من طاعة الله، أو حصول خير له، ويحزن لما يصيبه أو أمته من أذى وأسى، قال ابن الجوزي في التذكرة في الوعظ (ص: 31): "طوبى لعبد إذا أحسن إليه ربه حمد وشكر، وإذا أساء إلى نفسه تاب واستغفر، كلما قضى عليه بمعصية اغتم وحزن، وكلما وفق لطاعة فرح واستبشر".

     ولذا لا بد أن نطُوفَ ببحر التهاني على شاطئ الأمل، رغم الظروف التي خلفها الاحتلال الإسرائيلي من شهداء وأسرى وجرحى، قَبْلَ وطول شهر رمضان المبارك من هجمات مسعورة على غزة والقدس الشريف والمدن الفلسطينية، وإنه الوفاءُ لأولئك الأبطال الذين ضحّوا بأرواحهم أو بصحتهم أو بحريتهم من أجل فلسطين، ومن أجل شعب فلسطين، بل ودفاعا عن كرامة الأمة، ودفاعا عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها الواعد.. ورغم الجراح والآلام نفرح، وهذا الفرح مقدّمة للفرح الأكبر بتحرير فلسطين والأقصى وعودة الشعب الفلسطيني لوطنه. وعُمر الأمة أطول من أعمار كل المحن والظالمين، وأنتم تعرفون أن مَن حوصروا في الخندق هم من فتحوا مكة..

لئن عرف التاريخ أوسا وخزرجا * فلله أوسٌ قادمون وخزرجُ

وإن كنوز الغيب لتخفي طلائعا * صابرة رغم المكائد تخرج

   وعليه فإننا نتضرع إلى الله العلي القدير أن يعيد هذه المناسبة علينا وعلى أبناء شعب فلسطين وقد تحققت أمانينا وأمانيه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.. هذا أملنا، وإن يكن عزيزا فما هو على الله بعزيز. الله أكبر.. ألله أكبر.. الله أكبر..

    بارك الله لهم وللمسلمين أجمعين في عيدهم، ومكَّن لهم دينهم الذي ارتضَى لهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.