21 مارس 2026

 

  خطبة عيد الفطر لعام 1447 هـ (على شاطئ الأمل)

الخطبة الأولى

  الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً..

  الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله ورحمته تفرح المخلوقات، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه وآلائه المتتابعات، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وقدوةً للسالكين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وعمل بسنته إلى يوم الدين.

  أما بعد، ـ فها هي صفحات الأيام تُطوَى، وساعات الزمن تنقضِي. بالأمس القريب استقبلنا شهر رمضان ضيفا حبيبا واليوم نودعه، ولئن فاخرتِ الأمم مَن حولنا بأيامها وأعيادها فإنما هي تضرب في تيهٍ وتسعى في ضلال، ويبقى الحق والهدى طريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فالحمد لله الذي هدى أمة الإسلام سبيلها، وألهمها رشدها، وخصها بفضلٍ لم يكن لمن قبلها..

فالعيد _عباد الله_ في الإسلام هو اليوم الذي يعودُ ويفرح به المسلمون. وها هو العيد قد عاد، فينبغي للمسلمين أن يفرحوا؛ لأنّهم أدَّوْا ما عليهم من طاعة لله ربِّ العالمين، فهنيئًا لكم بهذا اليوم المبارك، هنيئًا لكم بهذا العيد السعيد،

  واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن الفرح بالعيد لا يكمن في المظاهر والشكليات، وإنما يتجسّد في المعنويات وعمل الصالحات، ويومكم هذا يومٌ أنور أزهر، ويومٌ محجَّلٌ أغر. فالله أكبر الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد..

  أيها المسلمون: وإن بدا عيد الفطر هذا العام باهتا، لأن الحرب لم تبقِ شيئا من شكله القديم أو لونه المعهود، والتي لم تقتصر على البؤر التقليدية المنتجة للحروب؛ بل امتدت لتطال جغرافياتٍ عديدةٍ وواسعة من المنطقة، فمن لم يحترق مباشرةً بنيرانها يكابد قلقاً متزايداً من تأثيرها عليه أمنياً واقتصادياً وتنموياً، فلا ترى ضحكات صاخبة، ولا وجوها مسرورة، حتى التهاني تبدو فيه ثقيلة على ألسنة كثير من العقلاء، إلا أننا لا نقول فيه كما قال الشاعر: "بأيّة حال عدت يا عيد"، وإنما نقول بكل الحب لكل الأعزاء والأهل والأصدقاء هنا وهناك، إننا أمة رسولها -صلى الله عليه وسلم- عاش سعيدًا وهو ينام على الحصير، ومطمئنا وهو يواجه مشاكل الدنيا ومكر الأعداء، يصنع من المحنة منحة، ومن الحزن سعادة، ومن اليأس والقنوط الأملَ والتفاؤلَ.. فمن قلب الخندق وفي ظل زلزلة القلوب وتربّص الأعداء وسطوة البرد والجوع والخوف كان صلى الله عليه وسلم يبشّر بالفتح المبين.. وذلك كان..

  ولا تسل عن فرح المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم في عيد السنة الثانية من الهجرة؛ إذ فرح المؤمنون بأول عيد شرع، وأول رمضان فرض، وأول انتصار على المشركين في بدر الكبرى، ثم فرحوا في عيد فطرهم بعد ست سنوات بفتح مكة.

وإنه الأمل _يا مؤمنون_ الذي نبنيه اليوم على سنن ربانية، تقضي بأنْ يعقب العسرَ يسرٌ، فكل يوم هو في شأن، والأيام دُول، وبين عشية وضحاها تقوم حضارات وتندثر أخرى..

  أيها المسلمون: وإن محنة الأمة الإسلامية اليوم ليست على شدتها بالتي تقارب كارثة الاجتياح التتري في عهد الخلافة العباسية، فالمؤرخ ابن الأثير رحمه الله ـ المتوفى في 630هـ ـ علّق على بدايات الهجمات التترية - بعد أن أعرض عنها حيناً استعظاماً لهولها - فقال: «فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها». ومع هذا لم يدرك ابن الأثير أنه بعد ربع قرن من وفاته سيرتكب هولاكو في بغداد أبشع مذبحة عرفتها البشرية. ذكر بعض المؤرخين أن عدد القتلى بلغ مليونين، وامتلأت شوارع بغداد بالجثث، وتعفنت الأشلاء وتلوث الهواء، فانتشر الطاعون ومات منه خلق كثير. ودبّت الهزيمة النفسية في الأمة بأسرها، حتى تناقلت كتب التاريخ أن الرجل من التتار ربما دخل على جمْع من الناس ولا يزال يُعمل القتل فيهم واحداً تلو الآخر، من دون أن يحرك أحدٌ ساكناً من فرط الهلع. لكن الأمة مع ذلك لم تمت، وانكسرت شوكة التتار في عين جالوت، واستردت الأمة عافيتها من جديد.

  هذا، وكدأب هولاكو والتتار والذين من قبلهم، أعاد طغاة القوم اليوم سيرتهم ونظروا إلى قوتهم وجبروتهم وحضاراتهم، فافتخروا بها، وظنَّوا أنهم بذلك أولياء الله وأحباءه، فظلّلت غمامة جرائمهم المسلمين وآذتهم بشتى الأساليب، وتعدت على دمائهم بل تغذَّت عليها، ولكنَّ سنن الله جارية ماضية، لا تحابي أحداً ولا تجاري دولاً، ففي النهاية سنكرّر المقولة الشهيرة على ألسنة البشر: (حضارة سادت، ثم بادت) .

   عباد الله: لقد نصر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين وأولياءَه المقربين في مواطن كثيرة؛ في بدرٍ والأحزاب والفتح وحنين وغيرها، وفاءً منه تبارك وتعالى بوعده، ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. [الروم: 6]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:40-41] . تأملوا -رعاكم الله- كيف أكَّد الله سبحانه وتعالى هذا الوعد بالنصر لمن نصره ونصر دينه بمؤكدات عديدات: •بالقسم المقدَّر بقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، وتقديره: والله لينصرنّ الله من ينصره. • وباللام والنون في قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ﴾؛ فهما للتوكيد. • وبالختم لهذا السياق بقوله جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: أن من لجأ إليه ولاذ بحماه نصره جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. [آل عمران:160].

  وعليه، لا بد أن نطُوفَ ببحر التهاني على شاطئ الأمل، رغم الظروف التي خلفها هذا العدوان الجائر من شهداء وأسرى وجرحى ودمار، قَبْلَ وطول شهر رمضان المبارك، وإنه الوفاءُ لأولئك الأبطال الذين ضحّوا بأموالهم وأنفسهم من أجل فلسطين، بل ودفاعا عن كرامة الأمة، ودفاعا عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها الواعد.. فرغم الجراح والآلام نفرح، وهذا الفرح مقدّمة للفرح الأكبر بتحرير فلسطين والأقصى. وعُمر الأمة أطول من أعمار كل المحن والظالمين، وأنتم تعرفون أن مَن حوصروا في الخندق هم من فتحوا مكة..

لئن عرف التاريخ أوسا وخزرجا * فلله أوسٌ قادمون وخزرجُ

وإن كنوز الغيب لتُخفي طلائعا * صابرة رغم المكائد تخرج

 فاهنأوا بعيدكم، وابتهِجوا بأفراحكم، وهل يكون انتظار الفرج إلا في الأزمات؟! وهل يُطلَبُ حسنُ الظن إلا في المُلِمَّات؟! يقول ربكم في الحديث القدسي -عزَّ شأنه-: "أنا عند ظنِّ عبدي بي فليظنَّ بي ما شاء".

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. نتضرع إلى الله العلي القدير أن يعيد هذا العيد علينا وعلى المستضعفين من أمتنا، وقد تحققت أمانينا وأمانيهم في النصر والتمكين. هذا أملنا، وإن يكن عزيزا، فما هو على الله بعزيز. الله أكبر.. ألله أكبر.. الله أكبر. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية

  الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر عدد خلقه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.. له الحمد سبحانه كان بعباده خبيراً بصيراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

  أيها المسلمون: حريٌّ بنا ونحن نعيش فرحة العيد، أن نتذكر أمراً مهما لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا في يومنا المبارك هذا. وهو: أن الوطن عند محبيه.. هو المفردة التي تتشبّع بها العيون عند قراءتها، وتأنس بها الأذن عند سماعها، ويذوب لها القلب حين التباهي بها، وإن الأمن في الوطن مع العافية والرِّزق، هو الملك الحقيقي والسعادة المنشودة، وإن الأوطان التي يُفقد فيها الأمن صحراءٌ قاحلة، وإن كانت ذات جناتٍ وارفةِ الظلال، وإن الأمن والإيمان قرينان، فلا يتحقق الأمن إلا بالإيمان، قال الشاعر:

إذا الإيمان ضـاع فلا أمـان * ولا دنيا لمـــن لم يحي دينا

ومن رضي الحياة بغير دين * فقد جــعل الفناء لها قرينـا

  وللأسف ما نراه في مجتمعاتنا العربية أنها تسير من غفلة إلى أخرى، ومن ضياع إلى آخر، ولا تستفيد من التجارب التي مرت بها. واتسع الخرق على الراقع. وحسن النية لا يجعل الشر خيراً ولا الباطل حقا، لأن الفعل في حد ذاته خطأ، ولا يمكن أن يحكم عليه بالصواب اعتماداً على حسن نية الفاعلين.. ثم إن مصالح الدنيا ومفاسدها إنما تعرف كما ذكر العز بن عبد السلام رحمه الله في قواعد الأحكام "ص8": "تعرف بالضرورة والتجربة والعادة والظنّ المعتبر، وأن من أراد أن يعرف المصلحة والمفسدة فليعرض ذلك على عقله ثم يبني عليه الحكم، ولا يخرج عن ذلك إلا ما كان من باب التعبد المحض".

  لذا يجب أن تعوا السبل القويمة لحراسة المصالح العليا للأوطانكم حتى لا تلتهمها الأنانيات الجامحة، وتغرقها في وحل الفتن.. ولا بدّ من الحزم اللازم لتشديد المراقبة والمحاسبة حتى لا يغرق الجميع ويهلكوا. وما العيد إلا مناسبة طيبة للتعاون على البر والتقوى، وتصفية القلوب وإزالة الشوائب عن النفوس وتنقية الخواطر مما علق بها من بغضاء أو شحناء، فلنغتنم هذه الفرصة، ولِتجَدد المحبة، وتَحُلَّ المسامحة والعفو محلّ العتب والهجران مع جميع الناس، من الأقارب والأصدقاء والجيران، قال : "وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزاً". رواه مسلم. فسارعوا إلى إصلاح ذات بينكم، وكونوا عونًا لأنفسكم وإخوانكم على الشيطان، ولا تكونوا عونًا للشيطان على أنفسكم وإخوانكم. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

  أيها المسلمون: آن لكم أن ترجعوا راشدين إلى بيوتكم على غير الطريق التي أتيتم منها، واعلموا أنكم في الدين إخوة، فحققوا هذه الإخوة بالتآلف والتحابّ بينكم. تصافحوا وتزاوروا وتبادلوا التهاني، فالتهنئة بالعيد من الأمور المباحة، بل والمطلوبة، فلقد رُوي ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن قدامه رحمه الله: "وذكر ابن عقيل في تهنئة العيد أحاديث، منها، أن محمد بن زياد، قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ، فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض:."تقبل الله منا ومنك". فهنيئاً لكم، ومبارك عيدكم.. وتقبل الله منا ومنكم.. والحمد لله لذي شرع لنا العيد وعلِم أنه سيتداخل مع أيامِ ألمٍ وحزن، وأن العيدَ سيدعَمُنا روحيًّا ونفسيًّا وأنوفُ الكفر راغمة.. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

  اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واجعل شهرنا شاهدا لنا بأداء فرضك، ولا تجعلنا ممن جد واجتهد ولم يرضك، اللهم ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك ونسأل تمامها في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا. اللهم وانصر المسلمين في كل مكان واجعلهم في الخير متعاونين، وأيّد بروح منك إخواننا في فلسطين وأهلك عدوهم واستخلفهم في أرضهم وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا إنك على كل شيء قدير، اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين وأقض الدين عن المدينين ويسر أمور المسلمين أجمعين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك الصالحين، ربنا اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ومشايخنا ولولي أمرنا ولجميع المسلمين والمسلمات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق