20 نوفمبر 2012

 
 الموضوع: فضل صوم عاشوراء، والرد على من قال بحرمة صوم يوم السبت
الخطبة الأولى
       إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا .
      أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله حق تقاته، واعلموا أن الله قد اختصّ بعض مخلوقاته بتشريف وتكريم، وفضل بعض الأيام على بعض سعة في رحمته، وشمولا لمغفرته، وتنزّلا لنعمـائـه، وتحدّثا بآلائه، وموسما لأفضاله وأنعامه.
  وإن يوم عاشوراء ـ يا عباد الله ـ يوم مبارك كريم، كتب الله له الخلود فبرز في جبين الزمن محفوفا بالخيرات محاطا بالبركات، فلقد صامه أولوا العزم من الرسل، صامه نوح عليه السلام شكرا لله على نعمته، حيث استوت فيه سفينته على الجودي، "وقيل بعدا للقوم الظالمين ". وصامه موسى عليه السلام شكرا لله على آلائه وفضله. ففيه أنجاه الله ومن معه من بطش فرعون وجنوده، وأوحى إليه أن يضرب بعصاه البحر، "فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين". وصامه سيد الخلق وخاتم النبيين والمرسلين، وأمر أمته بصيامه. روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان، قال:  "من شاء صامه ومن شاء لم يفعل". ولقد واضب على صيامه قبل الهجرة وبعدها، ولم يدَع صيامه طيلة حياته، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي رحمهما الله، عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: "أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صيام يوم عاشوراء، والعشر– أي من ذي الحجة–، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة".
     أيها المسلمون: ولقد بيّن صلى الله عليه وسلم فضل صيام عاشوراء، وماله من منزلة كريمة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: "ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم". رواه مسلم. وروى أيضا عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: "يكفر السنة الماضية"، وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه".
  ولقد ذكّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بأحقيتها بصوم يوم عاشوراء من اليهود. فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كان يوم عاشوراء تعظّمه اليهود وتتخذه عيدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموه أنتم". رواه البخاري ومسلم.
   ولقد أراد صلى الله عليه وسلم مخالفة اليهود والنصارى في هذا الصيام، فزاد اليوم التاسع. روى مسلم وأبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم  يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال: "إن كان العام القابل–إن شاء الله- صمنا التاسع. قال: فلم يأت العام القابل حتى توفى رسول الله".
    أيها المسلمون: بعد الذي ذكرت يقول البعض: إن صوم عاشوراء صادف في عامنا هذا يوم السبت، وقد ورد النهي عن صوم السبت في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن بسر عن أخته الصمّاء رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجر فليمضغه".
أقول وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الرشاد:
   إن صوم يوم السبت مسألة خلافية، لاختلاف الفقهاء في تصحيح هذا الحديث. فقد قال أبو داود راوي هذا الحديث إنه حديث منسوخ، كما جاءت روايات أخر تؤذن وتبيح صوم يوم السبت، كقوله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده". وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث، وقد دخل عليها صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهي صائمة. فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدا؟ قالت: لا. قال: فافطري". وأيضا ما جاء في صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم يوما من الأيام، يوم السبت، ويوم الأحد، كان يقول: "إنهما يوما عيد للمشركين و أنا أريد أن أخالفهم".
    أيها المسلمون: من هذه الأحاديث وغيرها، نفهم جواز صيام يوم السبت إذا لم يفرد، أو وافق عادة كيوم عرفة أو تاسوعاء أو عاشوراء. ولعل قارئ مؤلفات الأقدمين رحمهم الله، يرى تبويبهم لهذه المسألة بما يلي، فهذا ابن قدامة صاحب المغنى يقول: "كراهية أفراد يومي الجمعة والسبت بالصوم"،  وهذا البغوي صاحب كتاب شرح السنة يبوب بقوله: "باب صوم يوم السبت وحده". وصاحب الترغيب والترهيب يقول: الترغيب في صوم الأربعاء والخميس والجمعة والسبت والأحد، وما جاء عن تخصيص الجمعة بالصوم أو السبت". أما أبو داود الذي روى حديث النهي السابق الذكر يقول: "باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم". ثم يقول بعد ذلك: "باب الرخصة في ذلك". وكذلك أبو عيسى الترمذي الذي روى حديث النهي يقول معلقا بعد ذكر نص الحديث: "هذا حديث حسن".  ومعنى كراهيته في هذا: أن يخص الرجل السبت بصيام". إلى غير ذلك من أقوال الفقهاء والمحدثين.
     أيها المسلمون: وخلاصة هذا – والله أعلم- أنه يجوز صوم يوم السبت، بل يستحبّ لأنه وافق يوم عاشوراء وليس تخصيصا له. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا يوم السبت" أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض، أما النفل فمكروه، ولا تزول الكراهية إلا بضمّ غيره له، أو بموافقته عادة، وقد وافق يوم السبت يوم عاشوراء، الذي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ صيامه يكفر سنة ماضية. فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: "يكفر السنة الماضية".
     فصوموا - أيها المسلمون - هذا اليوم واطلبوا فضله، واسألوا الله سبحانه وتعالى أن يكتب لكم في هذه الأيام عملا صالحا يرفعه، يكفر به السيئات، ويرفع به الدرجات، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم و لجميع المسلمين، آمين.
الخطبة الثانية
      الحمد لله، واسع العطاء والجود، أحمده سبحانه وهو الرب المعبود، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدا عبده ورسوله، صاحب المقام المحمود والحوض المورود، اللهم صل و سلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
     أما بعد، فيا عباد الله: ليكن لكم في مستهل عامكم الهجري الجديد، بداية طيبة بالإقبال على الطاعة والبعد عن المعصية، واعلموا أن شهركم هذا هو شهر الله الحرام الذي يمتحن فيه إيمانكم بإخراج زكواتكم، فيجب أن تخرجوا من هذا الإمتحان بالفوز والنجاح، وهو التغلب على طبيعة الحرص فيكم، فبرهنوا على إيمانكم، وأخرجوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، وأدّوهــا لمستحقيهـا، قــال الله تعالى: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله والله عليم حكيم". ( التوبة:60).
فواسوا فقراءكم، وكفكفوا دموع اليتامى والأيامى من إخوانكم وأخواتكم، "وأنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".
     اللهم أعد علينا هذا اليوم وهذا الشهر بالخير والبركات، وعمّنا فيه بفضلك ورحمتك، وسامحنا بعفوك وقدرتك، وعاملنا بلطفك وإحسانك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء وقنا الزلازل والمحن، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، اللهم واجعل بلدنا بلدا آمنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك يا ذا الجلال والإكرام، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة  حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين . 

10 سبتمبر 2012


 الموضوع: إماطة الأذى عن الطريق

الخطبة الأولى
     الحمد لله الهادي إلى صراطه المستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله، سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير من دعا إلى الله وهدى إلى النهج القويم. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد، فيا عباد الله: الشكر قيدٌ للنعم، ووسيلةٌ لدوامها، وعاملٌ على المزيد منها،  وعلى العكس من ذلك كفران النعمة، هو كفران للجميل، وجحود لفضل المنعم، وعامل على زوال النعم وقطع تتابعها، وهو ظلم للنفس يجرّ عليها أسوأ العواقب، قال تعالى: "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد". سورة إبراهيم الآية 6 .
    أيها المسلمون: وإن من النعم التي نشكر الله عليها، أن مهّد لنا الأرض وجعل فيها طرقا وسبلا، نقرأ في سورة النحل ـ والتي قال قتادة: "تسمّى سورة النعم". قال ابن عطية وذلك: "لما عدّد الله فيها من النعم على عباده"، ـ قوله تعالى: "وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات". 
   فلقد ذكر سبحانه بعض ما امتن به على عباده من النعم، فهو سبحانه جعل في الأرض طرقا وسبلا، وألهم الناس إلى أن يضعوا لها علامات يتعارفون عليها، لتكون دلالة على المسافات والمسالك المأمونة ليتبعها المارة .
ونقرأ في سورة الأنبياء عن تدبير الله الأشياء على نحو ما يلائم الإنسان ويصلح حاله. من ذلك أنه جعل في الأرض الفجاج والسبل، قال تعالى: "وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون". الفجاج: جمع فجّ، وهو الطريق الواسع. والسبل: جمع سبيل، وهو الطريق مطلقا، والمعنى والله أعلم: أي جعلنا في الأرض طرقا وسبلا واضحة غير محجوبة بالضيق، إرادة اهتدائهم في سيرهم.
وأخيرا نقرأ في سورة نوح على نبينا وعليـه الســلام، قـول الله تبارك وتعالى: "والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا"، فهذا نوح عليه السلام يوجّه قلوب قومه إلى نعمة الله عليهم في تيسير الحياة لهم على هذه الأرض وتذليلها لسيرهم ومعاشهم وانتقالهم.
    فاعرفوا– أيها المسلمون– نعم الله، وأدّوا شكرها، واستعملوها في الطاعة، والشكر يكون بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وهذا هو سبيل الصالحين ونهج المرسلين.
ولذا فرسولنا صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه:  إذا أصبح ابن آدم كان عليه لكل عظم من عظامه صدقة، لكنها صدقة لا تختص بالمال، بل تعم جميع ما يقرب إلى الله من الأقـوال والأعمال. ففي الصحيحين ،عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "على كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس"، ثم بيّن نوع الصدقة، فقال: "تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها صدقة، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" .
  أنظروا– أيها المسلمون- : لقد جعل صلى الله عليه وسلم إزالة الأذى عن الطريق صدقة، فمن عزل حجرا أو شوكة أو أي شيء يؤذي المارة من الطريق فذلك صدقة يثاب عليها ويؤجر . جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مرّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحيّن هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة". وفي رواية: "لقد رأيت رجلا يتقلّب في الجنة– أي يروح فيها ويجيء كما يشاء– من شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس".
    أيها المسلمون: إن آداب الطرق، وأخلاق السير، مشكلة كبرى للإنسانية. فقد اهتمت بها التشريعات السماوية والتشريعات الوضعية، فالطريق حق مشترك للمارة، ينبغي إفساحها وإزالة الأذى والعراقيل عنها، والذين لا يفعلون ذلك، إنما يعوقون حركة المجدّين في السير.
 ألم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أزال ما يؤذي الناس في طريقهم جزاؤه الجنة؟.
فما عقاب الذي يؤذي الناس برمي فضلات بيته أو فضلات مصنعه أو متجره في الطريق؟.
 وما جزاء الذي يوقف سيارته في مكان يعوق الحركة؟.  أو يسير بسرعة جنونية داخل المدنية لا يراعي الأنظمة ولا يبالي بالأرواح؟.
 بل إن هناك بعض سائقي السيارات يجعلون الطريق مجالا لتبادل التحيات والمجاملات المطولة، يعطلون الحركة، ويحدثون بلبلة في المرور، وهم يحسبون أنهم يحسنون صـنعا!.
    أيها المسلمون: إن إفساح الطريق وإزالة الأذى عنها مسألة حضارية. لذا فهي في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من شعب الإيمان. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: "لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
   أرأيتم كيف قسّم الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان إلى شعب؟. و ذكر أن أفضلها قول: "لا إله إلا الله"، و ذلك كتعبير عن التوحيد الذي لا يتمّ الإيمان إلا به. ثم ذكر أدنى شعب الإيمان وهي: "إماطة الأذى عن الطريق"، وذك كعمل سلوكي يعبّر عن باقي الأعمال، فإزالة الأذى عن الطريق وتسهيلها وإصلاحها وتنظيفها كل ذلك من الإيمان. فمن ساهم في ذلك بماله أو بدنه فقد فعل خيرا، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف يلقى الذكر الطيب في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة إن شاء الله.
  فاتقوا الله– أيها المسلمون– وتأدّبوا بما بلغكم من الآداب الإسلامية، لترتقوا إلى الكمال الخلقي والتعاملي وتفوزوا بخيري الدنيا والآخرة .
وفقني الله و إياكم لذلك، وهدانا صراطه المستقيم. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، آمين .
     الخطبة الثانية
   الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين. صلى الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
     أما بعد: فقد روى المحدّثون عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث جليلة في حق الطريق، وواجب الناس في تأدية ذلك الحق، ومن الروايات المشهورة في هذا المجال، ما ورد في مختصر صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا يا رسول الله: "ما لنا من مجالسنا بدّ، نتحدث فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا المجلس فاعطوا الطريق حقه، قالوا: "وما حق الطريق يا رسول الله؟. قال: غض البص، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعـــروف، والنهي عن المنكر" .
    تأملوا- أيها المسلمون- في هذه التوجيهات النبوية الكريمة، وليلتزمها كل جالس في الطريق أو سائر فيها، وتفكروا أيضا فيما يترتب عن مخالفتها من قلة الذوق ومن الجفاء، بل من المشاحنات والمعارك أحيانا. واذكروا على الدوام قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء". رواه الترمذي عن أبي الدرداء.
    فاللهم حسّن أخلاقنا، وتقبل أعمالنا، واغفر لنا ذنوبنا، وانصرنا على أنفسنا حتى نستقيم على أمرك، واجعلنا من التوابين ومن المتطهرين .اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وحبّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا واجعلنا من عبادك الراشدين، اللهم وألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام، واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم وفق ولي أمرنا وجميع ولاة أمور المسلمين إلى ما تحب وترضى، وارزقهم البطانة الصالحة التي ترشدهم إلى الخير وتعينهم عليه يا أرحم الراحمين، اللهم واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة  وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.

16 أغسطس 2012


 الموضوع: توديع شهر رمضان

الخطبة الأولى
      الحمد لله الواسع العليم، الجواد البرّ الرحيم، خلق كل شيء فقدره، وأنزل الشرع ويسّره، وهو الحكيم العليم. بدأ الخلق وأنهاه، وسيّر الفلك وأجراه. "جعل الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا". وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المتفرد بصفات الكمال، والمخصوص بنعوت الجلال، الباقي وكل من عليها فان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ ما أنزل إليه من ربه إلى الناس كافة، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
     أما بعد، فيا عباد الله: إن شهر رمضان قرُب رحيله، وأزفّ تحويله، وإنه شاهد لكم أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال. فمن أودعه عملا صالحا فليحمد الله على ذلك، وليبشر بحسن الثواب، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ومن أودعه عملا سيّئا، فليتب إلى الله توبة نصوحا، فإن الله يتوب على من تاب، قال تعالى: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى". طه:82.
     أيها المسلمون: لقد شرع الله لكم في ختام شهركم عبادات تزيدكم من الله قربا، وتزيد في إيمانكم، وفي سجل أعمالكم حسنات.  فشرع لكم زكاة الفطر، روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنـهما قال: "فرض رسـول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تـمر علـى الصـغير والـكـبـير والعـبد والمـمـلوك". وروى البخاري كذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا نخرج في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر: صاعا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب و الإقط".
       أيها المسلمون: فزكاة الفطر واجبة على الحر القادر عليها وقت الوجوب، عن نفسه، وعن كل من تلزمه نفقته، وزمن وجوبها غروب الشمس آخر يوم من رمضان، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، كما يجوز إخراج القيمة نقدا.  وقد قدرت هذا العام (1432 هـ) بمائة دينار جزائري.(100دج) تدفع للمسلم الفقير أو المسكين.
    فاتقوا الله– عباد الله– واخرجوا زكاة فطركم، طيبة بها نفوسكم، وأقرضوا الله قرضا حسنا.
كما شرع لكم التكبير عند إكمال الـعـدة من غروب الشمس ليلة العيد، إلى صلاة العيد، قال تعالى: "ولتكملوا العدة ولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون". وصفته أن تقول: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد ".
وشرع سبحانه لعباده صلاة العيد يوم العيد، وندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها أمته رجالا ونساء، قالت أم عطية رضي الله عنها، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن ّفي الفطر، العواتق والحُيّض وذوات الخدور، فأما الحيّض فيعتزلن المصلى، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين".   رواه الطبراني
ومن السُّنة: أن يأكل قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر تمرات وترا، ثلاثا أو خمسا. لقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم، لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترا". رواه البخاري وأحمد.
       أيها المسلمون: ها أنتم تختمون هذه الأيام عبادة كبيرة، وهي ركن من أركان الإسلام، وهي الصوم، وتضيفون إليها عبادة ثانية مفروضة، وهي صدقة الفطر، وتعيشون غدا– أو بعد غد– مهرجانا إسلاميا، تلتقون في هذا المكان على طهارة وتقوى، تؤدون صلاة العيد، ألا فتعرّضوا لنفحات الله، فإن لله نفحات، من حُرمها حُرم خيرا كثيرا .
      وفقني الله وإياكم لذلك، وتقبل صيامنا وقيامنا، ومتّعنا بعيد سعيد، وعمر في الخير مديد، والحمد لله رب العالمين.       
الخطبة الثانية 
     الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
    أما بعد، فيا عباد الله: أوصيكم– ونفسي– بتقوى الله، فإن الله يقول: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى". وخاصّة إن شهركم الكريم قد آذن بالرحيل، وينبغي أن يكون آخره له مسك الختام، فتزودوا بالطاعات، ليكون ذلك درعا حصينا بعد الممات، واتقوا النار بصالح الأعمال، فإن العمل الصالح يكون وقاية من العذاب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا  وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". سورة العصر.
    اللهم اجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمتك طريقا وسلما، اللهم ربنا تقبل منا الصيام والقيام، واحشرنا في زمرة خير الأنام، ربنا تقبل دعاءنا، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنّ بإخواننا في فلسطين من البلوى و اللأواء ما لا يرفعه إلا أنت، اللهم انصرهم على من آذاهم، ولا تشمت فيهم عدوك وعدوهم، وآمنهم في أوطانهم، ولا تسلط عليهم من لا يخافك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، أللهم أقل عثرات المسلمين، اللهم ارحم المنكوبين والجوعى والخائفين والمظلومين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين. 

10 يوليو 2012


الموضوع: اختتام الموسم الدراسي، والعطلة الصيفية
الخطبة الأولى
      الحمد لله المتحبّب لعباده بترادف نعائمه، أحمده سبحانه على سرائه وضرائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في صفاته وأسمائه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، لا خير إلا دل أمته عليه، ولا شرّ إلا حذرها منه. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
      أما بعد، فيا عباد الله: إذا كانت النعم فيضا من المولى الكريم لا يقف تتابعه، وغيثا لا يكف هطوله، كما قال تعالى: "وإن تعدو نعمة الله لا تحصوها..". النحل:18.  فإن من بين هذا الفيض نعمتين يغبن فيهما الكثير من الناس، أفصح عنهما الرسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". رواه البخاري.
     أيها المسلمون:  لقد اختُتِم العام الدراسي، الذي أمضى فيه أبناؤنا وقرة أعيننا جهدا كبيرا في العمل والنظر والدراسة، وختموه بامتحانات نسأل الله لهم فيها السداد والتوفيق والنجاح.
ولكنّ البعض منهم سيحسّ بمشكلة الفراغ التي قال فيها الرسول صلى الله عليه و سلم: "مغبون فيها كثير من الناس".
هذه النعمة – نعمة الفراغ- متوفرة الآن لشبابنا فما أدري أيكون شبابنا من الكثير المغبون؟. أم سيكون من ذوي العزم والقوة الذين يربحون أوقات صحتهم وفراغهم؟.
    أيها المسلمون: إن هذا الفراغ الذي حصل للشباب بعد انقضاء الموسم الدراسي الذي كانوا فيه مستغلين أوقاتهم وقواتهم العقلية والفكرية والجسمية، هذا الفراغ الذي حصل، لابد أن تنعكس آثاره على نفوسهم وتفكيرهم وسلوكهم، فإما أن يستغلوه في خير وصلاح، فيكون ربحا وغنيمة للفرد والمجتمع، وإما أن يستغلوه في شر وفساد، فيكون خسارة للفرد والمجتمع.
إن الشباب بعد الجهد الجهيد الذي أمضاه في عامه الدراسي، إذا كانت العطلة فسيجد الفجوة واسعة بين حالته اليوم، وحالته بالأمس، وسيحسّ بالفراغ النفسي والفكري. سيقول بماذا أقضي هذه العطلة؟.
ولكن الشباب المتطلع إلى المجد والعلا، يستطيع أن يستغل هذه العطلة بما يعود عليه وعلى أمته بالخير. يمكن أن يستغل وقت العطلة بمذاكرة العلم، ومراجعة دروسه الرسمية الماضية أو المستقبلية، أوفي دروس أخرى يتثقف بها ثقافة عامة. أو يذهب إلى مدرسة من مدارس تحفيظ القرآن، فيحفظ ما شاء الله له أن يحفظ، فمن شغله القرآن فقد فاز فوزا عظيما. قال صلى الله عليه و سلم فيما رواه البخاري و مسلم: "خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه".
وإذا لم يتمكن من استغلال العطلة بالقراءة، فإنه يمكنه أن يستغلها بالعمل البدني، يكون مع أبيه أو أخيه في دكانه، أو مصنعه، أو أية مهنة مباحة يمارسها، ليكسب من ذلك ويفيد غيره، ويسلم من خمول الذهن وتبلبل الفكر واضطراب المنهج والسلوك.
وإذا لم يتمكن من هذا أو ذاك، فإنه يمكنه أن يقضي وقته في رحلة يكسب بها استطلاعا على بلده ووطنه، ويتعرف على إخوانه، شريطة أن يحافظ على دينه وخلقه، فيصلّي الصلاة لوقتها ويؤديها على الوجه المطلوب، ويتجنب كل رذيلة وخلق سافل، ويستصحب القرناء الصالحين، الذين يذكّرونه إذا نسي، ويقومونه إذا أعوجّ.
     عباد الله: إننا نتحدث عن الشباب، لأنهم جيل المستقبل، ورجال الغد، وأمانة في أعناق من فوقهم، وفي أعناق أوليائهم بالذات، ولقد كان للمدرسة العبء الثقيل، والآن المسؤولية على أولياء أمورهم من الآباء والأمهات.
       فعليكم – أيها المسلمون- مراعاة أولادكم، وحمايتهم من ضياع الوقت، وانحراف العمل والسلوك، وامنعوهم من معاشرة أهل الفساد.
                    فإن الأفاعي وإن لانت ملامسها     عند التقلب في أنيابها العطب
وفق الله أبناءنا وبناتنا إلى الخير والصلاح، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم، آمين.
الخطبة الثانية 
      الحمد لله رب العلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد، فيا أيها المسلمون: إننا لا ننكر حق الشباب في الراحة والترفيه البريء عن النفس، فهذا أمر دعا إليه الدين، وتتطلبه الطبيعة البشرية القائمة على التوازن والإعتدال بين الروح والجسد، فقد جاء في الأثر : "روّحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت ملّت". ولكننا نشفق على من يبدّدون أوقاتهم، ويضيعون أعمارهم فيما لا يفيد.
     إلى هؤلاء أذكر هذه القصة : "قام رحّالة في أحد العصور القديمة برحلة إلى مدينة نائية، وأثناء جولته في منطقة تضم المقابر، استرعى انتباهه أنه مسجل عليها أعمار الموتى، وقد تجاوز كثير منهم المائة عام، إلا أن حياتهم تراوحت ما بين سنوات قليلة، أو أيام معدودة، مثلا: كتب على قبر فلان بن فلان عاش سبعين سنة وعمره عشر سنوات. فاستغرب الرحالة لحال هؤلاء القوم، فسأل أحدهم عن حقيقة الأمر، فأجابه: بأن العمر الحقيقية عندنا إنما تقدّر بالأعمال العظيمة التي قام بها كل واحد منا. فصمت السائل برهة، ثم قال له: "إذا وافتني المنية في بلدكم، فاكتبوا على قبري، هذا الرجل مات قبل أن يولد".
     فاعتبروا بهذا أيها المسلمون: وتدبروا قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ما ندمت على شيء، ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي".
فاللهم وقفنا لصالح الأعمال والأقوال، واجعل خير أعمالنا خواتمها ، وخير أيامنا يوم نلقاك، ووفق شبابنا إلى العمل بما يرضيك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تنصرنا على أنفسنا حتى نستقيم على أمرك، وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام، وأدخلنا الجنة دار السلام، اللهم واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين. ووفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى وخذ بناصيته إلى البر والتقوى، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.

02 يوليو 2012


 الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
أما بعد، فلقد عاشت الجزائر 132 سنة من الإستيطان والإستعمار الإستدماري الوحشي الذي مارسته فرنسا، والذي نتج عنه أكثر من عشرة ملايين شهيد، ضحوا بأرواحهم كي ننعم بالحرية جيلاً بعد جيل، منهم مليون ونصف مليون شهيد في الثورة المباركة التي دامت 7 سنوات ونصف، والتي اندلعت يوم الإثنين الفاتح من نوفمبر 1954،وانتهت بالإعلان عن الإستقلال والحرية لهذا البلد العظيم في 5 جويلية 1962. وهو نفس تاريخ الإعلان عن استعمار الجزائر إذ هو يوم احتلالها– يوم وقع فيه "الدّاي حسين" على وثيقة الاحتلال– وكان ممكنا أن تحتفل الجزائر باستقلالها قبل هذا اليوم. لأن قرار توقيف إطلاق النار، كان يوم 19 مارس. كما أن القوات الفرنسية انسحبت من نفس مكان دخولها شاطئ سيدي فرج بالعاصمة. وهذا لغاية نعلمها. وهو أن الرجال الأحرار والمجاهدين الأبطال، أبوا إلا أن يثأروا لكل يوم موتور من تاريخ الجزائر، حتى يحققوا للحرية نصاعتها وقدسيتها.
   ذلك في الماضي أما في الحاضر فها هو رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة حفظه الله يشرف على الاحتفالات الرسمية المخلدة للذكرى بميناء سيدي فرج في الضاحية الغربية للعاصمة لإعلان الاحتفالية في خطوة رمزية من الموقع الذي شهد تدفق أول قوافل الاحتلال الفرنسي.
    وها نحن اليوم وبعد 50 سنة نقف وقفة إجلال وإكبار ونحيي أبطالنا على ما قدموه لنا ولأرضنا المباركة الطيبة، فرحم الله شهداءنا الأبرار وأسكنهم الفردوس الأعلى، أولئك الذين كانوا يتنافسون في الجهاد، ويتسابقون إلى النضال، وعدّتهم في ذلك الصبر والثبات. وشعارهم: "أحرص على الموت توهب لك الحياة"، وغايتهم الدفاع عن أنفسهم، وصيانة أوطانهم، وحماية دينهم وعقيدتهم.
أيها السادة الكرام: هذا يوم ليس كباقي الأيام, يوم يزهو فيه الجزائريون بوطنهم. ويحتفلون فيه باستقلالهم، ويباهون به أهل الدنيا. يذكرون أبطالهم الأوفياء الذين قامت الجزائر على أكتافهم، ونهضت بهمتهم، وعلت بعزيمتهم, ويترحمون على من قضى نحبه من شهدائهم، ويدعون الله بالعمر المديد والصحة والعافية لمن ما زال على العهد ثابتا.
فلنرفع الرأس عاليا بوطننا، ونشد من عزم أبنائه، ونترحم على شهدائه، ولا نصغي ابدا الى مثبطي العزائم والمحبطين والموتورين الذين يحاولون تقزيم كل جهد جزائري., ولكن الله يحبط كيدهم دائما. فوطننا حقق الكثير وما زال يطمح بأن يحقق الأكثر بهمة أبنائه وبعزمهم, ولن يخذل الجزائريون وطنهم ابدا, ولن ندعي الكمال، لأن الكمال لله وحده.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل درجاتهم في عليين ... واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم أدم عليه الفتح والنصر، ودمّر من أراده بسوء يا رب العالمين، اللهم ألف بين قلوبنا، ووحد صفوفنا، وأصلح قادتنا، واجمع كلمتنا على الحق يا رحيم. اللهم وفّق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى وخذ بناصيته إلى البر والتقوى يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.