26 ديسمبر 2012



الموضوع: ظاهرة انتشار الطلاق
الخطبة الأولى
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا". "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما". وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله.
   أما بعد: فيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق التقوى، وتمسّكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي، فإن أقدامكم على النار لا تقوى. واعلموا أن الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
      عباد الله: يحكي واقع كثير من الناس اليوم صورا شتّى من اللامبالاة بقيم الألفاظ ودلالات الكلام وثمراته، ترى الكلمة تخرج من فم المرء لا يلقى لها بالا، ربما أهوت به في مسالك الضياع والرذيلة، استحقر بعضهم حجم الكلمات، واستنكف عن معانيها، وما علم أولئك أن الحرب مبدأها الكلام!.
  أيها الناس: أيستغرب أحدكم لو قيل له إن كلمة من الكلمات تكون معولا صلبا يهدم به صرح أسر وبيوتات؟.
 أيستغرب أحدكم لو قيل له إن كلمة من الكلمات تحرك أفراد وجماعات، وتنشئ تزلفا وشفاعات، لرأب ما صدعت، وجمع ما فرقت؟.
  إنها: كلمة الطلاق.. وما أدراك ما الطلاق؟. كلمة أبكت عيونا، وأجهشت قلوبا، وروّعت أفئدة، قطّعت أواصر، وهدّمت بيوتا !.
     أيها المسلمون: الطلاق كلمة لا ينازع أحد في جدواها، وحاجة الزوجين إليها حينما يتعذر العيش تحت ظل سقف واحد، فإذا بلغ النفور مبلغا يصعب معه التودد. فالواجب أن يفترقا بالمعروف والإحسان، كما اجتمعا بهذا القصد، قال تعالى: "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته، وكان الله واسعا حكيما ". النساء: 130.
   عباد الله: إن الله لم يخلق الزوجين بطباع واحدة، والزوجان اللذان يظنّان أنهما مخلوق واحد، يعيشان في أوهام، إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكّر برأسه، وكيف تريد منه هي أن يحس بقلبها؟ .
إن النسيم لا يهب عليلا داخل البيت على الدوام، فقد يتعكّر الجو، وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة نوع وهم، ومن العقل توطين النفوس على قبول بعض المناقشات، قال تعالى: "فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا". وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي آخر". رواه مسلم.
    وإن المتأمل في الشريعة الإلهية، وكيف عالجت المشكلات الزوجية بين المرء وزوجه لَينبهر بدقة التشريع الإسلامي في هذا الشأن، فلقد أغلقت جميع المنافذ التي تؤدي للطلاق وتأخيرها وإعطاء أكثر من فرصة للزوجين ليراجعا نفسيهما قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة..  
   ولكن للأسف ..تهاونَ كثير من الناس في أمر الطّلاق وجعلوه أمرًا ميسورًا، وإنها لأرقام مفزعة كشف عنها معالي وزير العدل حافظ الأختام يوم الخميس حيث ذكر أنه تمّ تسجيل 68284حالة طلاق في الجزائر ، وبعملية حسابية بسيطة تعد ما يزيد على 187حالة طلاق في اليوم الواحد تقريبا، بمعنى ما معدله 8 حالات طلاق في الساعة الواحدة، (جريدة أخبار اليوم العدد: 3241 يوم: 06 يناير 2018)، وإن بلوغ المجتمعِ هذه الأرقام في حالات الطلاق مخيف ومرعب قد يخلطُ الأوراق لإعادة النظر في حلول مجدية.  
فهلّأ تساءلنا لماذا كثر الطلاق في أيامنا هذه؟  
* نعم كثر الطلاق.. لأن كثيرا من الأسر تعاني افتقارا حادا في الحنان الزوجي، نظرا لطبيعة حياتهم التي تعتمد على كثرة المشاغل والبروتوكولات التي أضفت علاقة رسمية آلية بين الزوجين.  
   * نعم كثر الطلاق.. بسبب الذهنيات الخاطئة للزوجين عن الأسرة والزواج بتماديهم في الأحلام المزيفة وتقليدهم للأفلام المدبلجة فيسقطون عند أول مشكل..  
* نعم كثر الطلاق... بسبب موضة مواقع التواصل الاجتماعي فتجد الزوج يغازل مئات الفتيات ويكوّن علاقات افتراضية مع النساء، وكذلك الأمر بالنسبة للزوجة وهذا ما يتسبب في غالب الأحيان في الخيانات الإلكترونية التي تتطور إلى خيانات واقعية فتحدث بعد ذلك الفضيحة وينشأ الطلاق..  
  * نعم كثر الطلاق.. لأن المرأة باتت أكثر جرأة باعتقادها أنها قادرة على تسيير حياتها ورعاية أبنائها دون الحاجة إلى رجل، فعند أي خلاف زوجي تجد المرأة في كثير من الأحيان هي من تطلب الخلع أو الطلاق دون اعتبار لأي أحد، لأن عملها وشهادت يعتبران بالنسبة إليها بمثابة الأمان..  
  * نعم كثر الطلاق.. بسبب التعديلات التي مست قانون الأسرة لسنة 2005، فلقد كانت المرأة الجزائرية في وقت سابق لا تلجأ لطلب الخلع "التطليق" إلا إذا بلغت أقسى مراحل المعاناة، وكانت تصبر في أحلك الفترات خوفا من الوقوع في أبغض الحلال، أما اليوم فحتى عجوز في عقدها السادس تستجمع قواها وتقررت تطليق زوجها وبأي حجة زينها لها شيطانها..  
   * نعم كثر الطلاق... لكثرة الحسّاد والوشاة، فنكّسوا الطّباع وعكسوا الأوضاع، وصيروا أسباب المودة والإلتئام عللا للتباغض والإنقسام.. وكثيرا ما يكون. لأهل الزوجين مواقف ظاهرة بدت سببا مباشرا في كثير من الخلافات، فقد يتدخل الأب أو الأم أو الأخ، فيحتار الزوج من يقدّم، والديه وقد عرفاه وليدا وربياه صغيرا، أم زوجته التي هجرت أهلها وفارقت عشّها من أجله؟.
     إن هذه لمرتقات صعبة، أهونها أصعب الصعاب، وأحلاها أمرّ من المرّ. لقد سئل الإمام أحمد رحمة الله عليه عن ذلك، قال له رجل: إن أبي يأمرني بطلاق امرأتي؟. قال: لا تطلقها. قال: أليس عمر – رضي الله عنه أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته؟ قال: "حتى يكون أبوك مثل عمر رضي الله عنه"!. فمثل مثل هذه التدخلات في الحياة الزوجية لهي مكمن الخطر لدى كثير من الأسر، ما بالهم يهجمون على البيوت، فيأتونها من ظهورها، ويمزقون ستارها؟. إنه لا يغيب عن فهم عاقل إن شرّ هؤلاء مستطير وإن ما يفعلونه فتنة وفساد كبير!.
* نعم كثر الطلاق.. لأن معظم الشرور والنكبات التي أصابت الأسر، والبلايا التي حلت بها، كانت بسبب ضعف التدين، لأنه متى كان الدّين بين كل زوج زوجته، فمهما اختلفا وتدابرا وتعقدت نفساهما، فإن كل عقدة لا تجيء إلا ومعها الحل: "ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه". وهو اليسر والمساهلة والرحمة والمودة..  
* نعم كثر الطلاق وذلك لأن بيوتات كثيرة فقدت روح التديّن، فهي تتنفس في جو من الشراسة والنكد، واكتنفتها أزمات عقلية وخلقية  واجتماعية، فقد تطلق المرأة  في رطل لحم علق الرجل به طلاقها إن قامت بشرائه، أو كونها لم تهيئ له طعاما، أولم تغسل  له ثوبا، أو قد تأخذه حماقة وسفاهة أثناء مغالطة في بيع أو شراء أو أخذ أو عطاء، أو منازعة في بعض الأمور التافهة التي لا تهدف إلى شيء، فيطلق زوجته وهي غافلة من غير ما سبب ولا ذنب، ربما طلق ثلاثا -طلاقا محرما نهى الله ورسوله عنه - جمع الطلاق بلفظ واحد في آن واحد– لم يترك للصلح موضعا، خالف أمر الله، وعصى رسول الله، وأطاع الشيطان فيما يحبه ويتمناه. وبعد ذلك يسعى بكل جهده لمحاولة الإرتجاع، فيذهب إلى ذلك الإمام، ويعود إلى هذا المفتي، لعله يجد مخرجا، وهو لم يتق الله. لقد كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا، قال: "لو اتقيت الله، جعل لك مخرجا ". لا يزيده على ذلك.
  ** وبعد، أيها المسلمون: فأسباب الطلاق في مجتمعنا كثيرة ومتعدة، ولكن هذا ما سمحت به هذه المساحة المحدودة هنا وبعضها على الصورة المصاحبة، للتنبيه على العلاج والدواء فإن المرض إذا عرف سببه أمكن علاجه بإذن الله. والبعدُ عن هذه الأسباب واجتنابها والتحلي بما يضادها مما يوافق الشرع الخلق الكريم كفيل إن شاء الله باستمرار الحياة الزوجية السعيدة وتجاوز ما يعترض طريقها من العقبات التي لا يكاد يخلو منها عش الزوجية، فإن كل عقدة لا تجيء إلا ومعها الحل: "ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه".  وهو اليسر والمساهلة والرحمة والمودة.
قال صلـى الله عليه وسلم: "خيـركم خيركم لأهله، وأنـا خيركم لأهلي". وقال: "أظفر بذات الدين تربت يداك"، وثمرة الدين تظهر في مثل ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، قول عائشة رضي الله عنها: "يا معشر النساء لو تعلمنّ بحق أزواجكنّ لجعلت المرأة منكنّ تمسح الغبار عن وجه زوجها بنحر وجهها". ألا ما أحمق المرأة تسيء معاملة زوجها، وما أجهل الرجل يسيء معاشرة امرأته !.
     فتذكروا – هذا عباد الله – واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه .

الخطبة الثانية
   الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله.
     أما بعد: فيا عباد الله، إن العلاقات الزوجية عميقة الجذور. بعيدة الآماد. فرحم الله رجلا محمود السيرة، طيب السريرة، سهلا رفيقا لينا رؤوفا رحيما بأهله، لا يكلف زوجته من الأمر شططا، وبارك الله في امرأة لا تطلب من زوجها غلطا، ولا تحدث عنده لغطا. قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان: "إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، دخلت المن أي أبواب الجنة شاءت".
وزوجة المرء عون يستعين به * على الحياة ونور في دياجيها
مسلاة فكرته إن بات في كـــدرٍ * مدّت له تواسه أياديـــها
في الحزن فرحته تحنو فتجعــــله
* ينسى آلاماً قد كان يعافيها
وزوجها يدأب في تحصيل عيشه
* دأباً ويُجهد منه النفس يشقيها
إن عاد للبيت وجد ثغر زوجــــته
* يَفْتُرُ عمّا يسُّر النفس يُشفيها
وزوجُــــها مَلِكٌ، والبيت مملكةٌ *والحب عطر يسري في نواحيها
   اللهم إنا نسألك أن تهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، اللهم ألف بين كل أخ وأخيه، وكل زوج وزوجته، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، اللهم ووفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى يا ذا الجلال والإكرام، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين..

25 ديسمبر 2012





الموضوع: زكاة الزروع والثمار

الخطبة الأولى
  الحمد لله الذي منّ على عباده بما أخرج لهم من الزروع والثمار، وأنعم عليهم بمشروعية صرفها فيما يرضيه عنهم من غير إسراف ولا إقتار. وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العزة والإقتدار. وأشهد أن محمدا عبدا عبده ورسوله المختار، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه آناء اليل وأطراف النهار، وسلم تسليما.
    أما بعد، فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واعلموا أن من أجلّ نعم الله على الإنسان أن مهّد له هذه الأرض، وجعلها صالحة للإنبات والإثمار، وأجرى سنّته الكونية بذلك، فجعلها المصدر الأول لرزق الإنسان ومعيشته وقوام بدنه. وهذا لمن تأمّله بعين بصيرته محض فضل الله تعالى، فهو الذي سخّرها وجعلها ذلولا وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها وجعل فيها معايش. قال تعالى: "ولَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ". 10الأعراف.
   إن الله هو الذي صنع هذا كله، وقدّره فأحسن التقدير، ودبّره فأحسن التدبير. ولا غرو أن امتنّ بذلك على عباده في آيات كثيرة من كتابه، وردّ الفضل إلى أهله، مثل قوله تعالى: "أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ   أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ" 63ـ67 الواقعة. وقوله تعالى: "وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ"19ـ22 الحجر. وقوله تعالى: "وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُون لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ":33-35يس.
     أجل ـ يا عباد الله ـ: إن ما أخرجته الأرض من زرع وثمر إنما هو من فضل الله ومن عمل يده، لا من عمل أيدينا القاصرة، هو الزارع المنبت حقيقة لا نحن، فلا عجب أن يطالبنا سبحانه بالشكر على هذه النعمة السابغة التي جاءتنا عفوا صفوا، وأكلنا منها هنيئا مريئا. قال تعالى: "ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون".
    ألا وإنّ أول مظاهر هذا الشكر، هو أداء الزكاة  مما خرج من الأرض وفاء ببعض حقّه سبحانه، ومواساة المحتاجين من خلقه، وهذه الزكاة هي المعروفة في الفقه الإسلامي باسم "العشر أو زكاة الزروع".
    أيها المسلمون: عما قريب يبدأ موسم الحصاد، أسأل الله أن يكون موسم خير وبركة، وبهذه المناسبة أقول لإخواني الفلاحين، إن العلماء منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم نبّهوا إلى أمر جدير بالذكر، وهو أن سنّة القرآن أن يقرن الصلاة والزكاة، وقلّما تنفرد إحداهما عن الأخرى. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "أمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له". رواه الطبراني في المعجم الصغير. وجاء في تفسير الخازن: "وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً لم يفرق بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه! يعني بذلك ما ذكره أبو بكر في حق منع الزكاة، وهو قوله: "والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما". يعني: الصلاة والزكاة. فيما ما رواه أبو هريرة قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل" فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها. وفي رواية، عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق". اهـ 2/232.
    أيها المسلمون: الزكاة هي ثالثة دعائم الإسلام، لقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم فرضيتها وبيّن مكانتها في دين الله، وأنها أحد الأركان الأساسية لهذا الدين، ورغّب في أدائها ورهّب من منعها بأحاديث شتى وأساليب متنوعة، نقرأ في حديث جبريل المشهور الذي رواه البخاري حين جاء يعلم المسلمين أمر دينهم بحسن السؤال، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، ما الإسلام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم، الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إلى ذلك سبيلا". وفي حديث ابن عمر المشهور: "بني الإسلام على خمس..." وغير ذلك من الأحاديث. وأنذر في أحاديث أخرى مانعي الزكاة بالعذاب الشديد في الآخرة، لينبه القلوب الغافلة، ويحرك النفوس الشحيحة. من ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني شدقيه ـ ثم يقول أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية: "وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ .." الآية .
   ولم تقف السنة النبوية عند الوعيد بالعذاب الأخروي بل هدّدت بالعقوبة الدنيوية، شرعية وقدرية.  فالعقوبة الشرعية القانونية هي التي يتولاها الحاكم، أو وليّ الأمر. جاء قوله صلى الله عليه وسلم في الزكاة: "من أعطاها مؤتجرا فله أجره، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا". رواه أبو داود وغيره. وإن أفلت مانع الزكاة من هذا، فإن هناك عقوبة قدرية، يتولاها القدر الأعلى سبحانه. يقول عليه الصلاة والسلام: "ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين". رواه الطبراني. السنين: جمع سنة، وهي المجاعة والقحط. وقال أيضا: "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا". رواه ابن ماجه. وقال أيضا: "ما خالطت الصدقة ـ أو قال الزكاة ـ مالا إلا أفسدته". رواه البيهقي. وهذا الحديث ـ عباد الله ـ يحتمل معنيين كما قال الحافظ المنذري، المعنى الأول: أن الزكاة ما تركت في مال ولم تخرج منه إلا كانت سببا في هلاكه وفساده. ويشهد لهذا المعنى ما روي من حديث آخر: "ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة". رواه الطبراني. أما المعنى الثاني: إن الرجل إذا أخذ الزكاة وهو غني عنها ووضعها مع ماله أهلكته.        
   ألا فاتقوا الله ـ عباد الله ـ وأدوا زكاة زروعكم وثماركم، واشكروا الله على أن أمدّكم بما تعلمون، أمدّكم بأنعام وبنين وجنّات وعيون. اشكروا الله على هذه النعمة بإخراج ما أوجب عليكم فيها من زكاة. تدفعوا عن أنفسكم وأموالكم النقمة، وحاسبوا أنفسكم في ذلك محاسبة شديدة، فإن أهل الزكاة شركاء لكم فيها. لهم العشر إن كانت الزروع أو الثمار تشرب سيحا، ونصف العشر إن كانت تشرب بالمكائن والآلات. عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر". رواه الترمذي وغيره. المراد بالعثري ما يشرب بعروقه من غير سقي. وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وفيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالساقية نصف العشور". رواه الإمام مسلم وغيره.
   فاتقوا الله ـ عباد الله ـ وحاسبوا أنفسكم، وراعوا العدل، ولا تظنوا أن الزكاة غرامة وخسارة، فإنما هي ـ والله ـ ربح وغنيمة. وفقني الله وإيكم لمعرفة الحق واتباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه، وهدانا وإياكم صراطه المستقيم. آمين.

الخطبة الثانية
   الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد، قال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ". الآية:141 الأنعام.
   أيها المسلمون: إنكم ستحصدون زروعكم وتجنون ثماركم ـ إن شاء الله ـ فالواجب عليكم أن تخرجوا ما أوجبه الله عليكم. حاسبوا أنفسكم في الدنيا قبل أن تحاسبوا في الآخرة. ولقد علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأمته ما يجب عليهم من زكاة زروعهم وثمارهم بيانا ظاهرا لا إشكال فيه، بيانا تزول به الشبهة وتقوم به الحجة. واسألوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. واعلموا أن الزكاة لا تنفع ولا تبرأ بها الذمة حتى توضع في الموضع الذي وضعها الله فيه، مثل ذوي الحاجة من الفقراء والمساكين، فأدوا زكاة زروعكم وثماركم، واحمدوا الله الذي أبقاكم حتى أدركتم حصادها وجناها، واشكروه على أن شرع لكم من الإنفاق منها على ما يرضيه وزكاها. أدوا ما أوجب الله عليكم من زكاة، لتفوزوا بالخلف العاجل والثواب الجزيل من جزيل العطايا والمواهب.
 روى الإمام القرطبي في تفسيره، أن في التوراة: "عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة". وفى القرآن مصداقه، وهو قوله: "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين".
    وفقني الله وإياكم لأداء ما يجب علينا من مال وعمل على الوجه الذي يرضاه بدون عجز ولا كسل. وزادنا من فضله ما نزداد به قربة إلى ربنا، ورفعة في درجاتنا إنه جواد كريم، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولوليّ أمرنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.