04 يوليو 2016



 الموضوع: هنيئاً لكم بذكر عيد الاستقلال يا أهل عيد الفطر المبارك..

الخطبة الأولى

      الله أكبر - 6  مرات- الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تحصل الدرجات، وبكرمه تبدل الخطيئات، الحمد لله على تمام الشهر وكمال الفضل، فالفضل لك وحدك لا شريك لك يا ألله؛ فتقبل منا وأعفُ عنا وتجاوز عن تقصيرنا وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها.
إنه العيدُ جاءَ ضيفًا عزيزًا  * فاكتُبُوا بالمِدادِ فيضَ التهاني
كبّرُوا اللهَ، عَلَّ تكبيرةَ العيدِ* تضخّ الضميرَ في الشريانِ
زلزلَتْ في القديمِ إيوانَ كسرَى* هلْ تهزُّ الغداةَ كِسرَى الزمانِ

 ها هي صفحات الأيام تُطوَى، وساعات الزمن تنقضِي. بالأمس القريب استقبلنا حبيبا واليوم نودعه، وقبل أيام هلّ هلالُ رمضان واليوم تصرمت أيامه، ولئن فاخرتِ الأمم ـ من حولنا ـ بأيامها وأعيادها فإنما هي تضرب في تيهٍ وتسعى في ضلال، ويبقى الحق والهدى طريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
    فالحمد لله الذي هدى أمة الإسلام سبيلها وألهمها رشدها، وخصها بفضلٍ لم يكن لمن قبلها. أطلِق بصرَك لترى هذه الأمة المرحومة مع إشراقة هذا اليوم تتعبّدُ الله - عز وجل – بالفطر، كما تعبّدته من قبل بالصيام، هذا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام..
     أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، وأبشروا برحمة من الله وأجر كريم، فإن الله يقول: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما". الأحزاب:41ـ43.  الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
    معاشر المسلمين: إن يومكم هذا يومٌ عظيمٌ، وعيدٌ كريمٌ، إنه يومُ شكرٍ لله على إكمال عدة رمضان، ويوم ذكرٍ لله على أن هدانا للإيمان، قال تعالى: "ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون". البقرة: 18.
    هذا يومٌ يوفي الصابرون فيه أجورهم بأحسن ما كانوا يعملون، ويُكْرِم اللهُ فيه عباده بالفضل العظيم على ما كانوا يصنعون. عن أبي سعيد بن أوسٍ الأنصاري عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادوا: أغدوا معشر المسلمين إلى ربٍّ كريم، يَمُنُّ بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا، نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة". رواه الطبراني في المعجم الكبير.
     فبشرى لكم – أيها الصائمون – إيمانا واحتسابا، عاقبةٌ حميدةٌ وقدومٌ على الله مفرح. قال صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه". رواه البخاري. فيا ربَّنا قد أذقتنا فرحة الفطر وتفضّلت علينا بالصيام، فجد علينا وتفضل بمحبة لقاءك والفرح برؤيتك .
   أيها المسلمون: وأنا في صباح يوم العيد، أؤكِّد على كلمة (فرحة)؛ لأنَّ العيد في الإسلام هو اليومُ الذي يعودُ ويَفرح به المسلمون، فها هو العيد قد عاد، فينبغي للمسلمين أن يفرحوا؛ لأنَّهم أدَّوْا ما عليهم من طاعة لله ربِّ العالمين، فهنيئًا لكم بهذا اليوم المبارك، هنيئًا لكم بحلول هذا العيد السعيد، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن السعادة في العيد لا تكمن في المظاهر والشكليات، وإنما تتجسد في المعنويات وعمل الصالحات، ويومكم هذا يومٌ أنور أزهر ويومٌ محجَّلٌ أغر، اجتمع لكم فيه عيدٌ وذكرى. أمَّا العيد فهو عيد الفطر، وأمَّا الذكرى التي توافقت مع هذا العيد، فهي ذكرى استقلال الجزائر، والجزائر قطعة من أرض الإسلام، فيها نبتنا، وعلى حبِّها ثبتنا، جعلها الله إثمدا في عين الودود، وعلقما في حلق الحسود. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
    أيها المسلمون: "والإستقلال نعمة تستوجب شكر الله تعالى، ولا يشكر الله عليها حقَّ شكره، إلاَّ من عرف مخازيَ الاستعمار، وذاق مرارة الذلِّ والاستعباد، وعانى حياة البؤس والشقاء في ظلِّ الإستعمار، أو تواترت إليه بذلك الأخبار. فإلى الله نتوجَّه بالشكر على ما أنعم به علينا من تخليصنا من أنياب شيطان الاستعمار، وأعاد أرض الإسلام إلى أمَّة الإسلام، وأحال كنائس التثليث إلى مساجد للتوحيد".
    ألا فاذكروا في يوم عيدكم نعمة الله عليكم مما تنعمون به من حلول العيد المبارك في أمن وأمان وصحة وخير وسلام وإيمان، فهذه النعم سلبها كثير من الناس.
 اذكروا ذلكم الإستدمار الطويل الذي كاد ت جزائريةُ الجزائري أن تضيع خلاله إلى أبد الآبدين، لولا أن قيّض الله لها رجالا يحملونها على أكتافهم ويفدونها بالدم الغزير، أجل بالدم الغزير. فرحم الله أولئك الأبطال الذين رفعوا رأس الجزائر عاليا بعون من الله وتوفيق، وتبوأت مكانها العظيم بين الأمم وتبدّل حالها من ذل إلى عز، ومن احتلال إلى استقلال بعد ثورة الأحرار في فاتح نوفمبر الخالدة، وخرج حاديهم معلنا عن فرحته بالإستقلال ينشد: "يا محمد مبروك عليك، الجزائر رجعت ليك"!
كان ذلك في مطلع شهر جويلية من عام 1962، العام الذي افتكّت الجزائر فيه استقلالها بالقوة، وبالحديد والنار وبالدماء الغزيرة وبملايين الملايين من أشكال العذاب الذي صبّته الجحافل الفرنسية على الشعب الجزائري. الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
   الله أكبر من كل شيء يعارض منهجه ويخالف شريعته، الله أكبر من كل مخلوق يعارض به الناس ربوبيته، الله أكبر كلمة دوّت في بيوتنا وعلى أرضنا، وقبل ذلك دوّت بكل ما فيها من قوة في قلوبنا عقيدةً صلبةً وتوحيدًا خالصًا وتوجّهًا صادقًا.
   ألا فهنيئاً لكم بذكر عيد الاستقلال يا أهل عيد الفطر المبارك، وأدام الله عليكم أيام الفرح، وسقاكم سلسبيل الحب والإخاء، فاستقيموا على الطاعة، وتزودوا من العبادة، وابذلوا المعروف، وقوموا بأوامر الدين، وساهموا في بناء مجتمعكم وأمتكم ونشر الخير والأمن والمحبة والتآلف فيما بينكم، تسعدوا في دنياكم وأخراكم .. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
   أيها المسلمون: وحريٌّ بنا جميعاً ونحن نعيش فرحة العيد تحت ظل الأمن والإيمان في بلدنا المحروس بعين الرحمن ولله الحمد والمنّة، أن نتذكر أموراً مهمة لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا في يومنا المبارك هذا.
    فتذكروا ـ رحمكم الله ـ إخواناً لكم في العالم الإسلامي أهلكتهم الحروب، وأرَّقتهم الخطوب، وأقلقتهم الفتن؛ فُأُرِيقت فيهم الدماء، ورُمِّلت النساء، ويُتِّم الأطفال، ونُهبت الأموال، وخاصة وأنتم ترون بينكم صبحا وعشيا إخوانكم الأفارقة وأهل الشام وغيرهم، وقد تفرقت بهم السبل، يعيشون حياة التشرد ويتذوقون طعم فراق الأهل والأصدقاء يتسولون في الطرقات برفقة أطفالهم الصغار ويبحثون عن قوت يومهم، قد تناسوا أبسط حقوقهم، وتخلوا عن أحلامهم وعن دراستهم وطموح أطفالهم بعد أن فروا من ويلات الفتن والحروب نحو المجهول. فاحمدوا الله على ما أنتم فيه من نعمةٍ وخير، ولا تنسوهم من دعوات صالحة بأن يغني الله فقيرهم ويُشبع جائعهم ويكسوَ عاريهم ويسدَّ حاجتهم ويكشف فاقتهم، وأن ينفّس الله كربهم ويفرج همهم ويبدلهم من بعد خوفهم امنا، ولا تنسوهم كذلك من مدَّ يد المساعدة لهم، إمَّا بمال أو لباس أو طعام، "وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا". المزمل:20. 
    ألا وتذكروا ـ رحمكم الله ـ أيضا إخواناً لكم أقعدهم المرض في البيوت، أو همُ في المستشفيات على الأسِرَّة البيضاء يرقدون، منهم من أمضى الشهور الطويلة، لا يغمَض لهم جفن ولا يهدأ لهم بال، فهم في آلامٍ متعبة وأوجاعٍ مؤلمة، فلا تنسوهم من دعوة صالحة، أن يشفي الله مريضهم، ويزيل بأسهم، ويفرج همَّهم، ويكشف كربتهم.
   لأنه ـ أيها المسلمون ـ إذا كانت أيام العيد مِدعاةٌ للفرح بفضل الله تبارك وتعالى، فإنما هي في الوقت نفسه أيام تتجلى فيها ظاهرة المساواة والحس الإجتماعي في الأمة الإسلامية، فالذين لفّهم ذلك الإطار النوراني إمساكا عن الطعام والشراب من الفجر إلى الغروب خلال شهر رمضان، هم الذين يشاركون بعضهم البعض الفرحة بهذه الشرعة المباركة. فما العيد في نظر الإسلام إلا لمسة حنان ورحمة، يمنحها المسلم فيمسح بها الدموع من العيون، ويزيح الكآبة من النفوس، ومن أولى بالمسلمين بأن يكونوا متضامنين متعاونين متحابين، ونبيهم صلى الله عليه وسلم يقول: "والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، افشوا السلام بينكم تحابوا".؟ رواه أبو داود وغيره.
    فعلينا أيها المؤمنون أن نصفي أنفسنا ونطهر قلوبنا من الحقد والغِلِّ والحسد، فإن أناساً بلغوا أعلى المنازل لا بكثرة صلاة وصيام وقيام، وإنما بصفاء صدورهم، وسلامة قلوبهم. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
   نسأل اله أن يجعل لنا ولكم مواسم الخيرات مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات إلى رحمة الله طريقا وسلما، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
الخطبة الثانية

     الله أكبر -6- الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. الحمد لله الذي علا بحوله، خلق فسوّى وقدّر فهدى، سهّل لعباده طرق العبادة ويسّر، وتابع لهم مواسم الخيرات لتزدان أوقاتهم بالطاعات. أنعم علينا بتيسير الصيام والقيام، وجعل ثواب من فعل ذلك تكفير الخطايا والآثام، ودخول الجنة دار السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأوليــن والآخرين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
    أما بعد، فيا أيها المسلمون: هذا يوم مبارك، جمعكم الله فيه على طهارة وتقوى، تودّعون شهر رمضان الذي انصرم وصعد إلى ربه ومعه صحائف أعمالنا، وسوف نحاسب عليها، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.  والله تبارك وتعالى إذا قبل عمل العبد وفّقه للعمل الصالح بعده، فقد قيل: "ثواب الحسنة الحسنة بعدها"، فمن عمل حسنة ثم أتبعها سيئة، كان ذلك دليلا على عدم قبولها، لقد سئل بعض الصالحين عن رأيه فيمن يعبدون الله في رمضان ثم يعودون بعده إلى العصيان؟، فقال: "هم بئس القوم، لا يعرفون الله حقا إلا في رمضان".
    فيا رعاكـم الله: تابعوا فعل الحسنات، يمح الله لكم بهنّ الخطيئات، قال تعالى: "وإني لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى".  طه:82. الله أكبر.
     وقد آن لكم أن ترجعوا راشدين إلى بيوتكم على غير الطريق التي أتيتم منها، فاعلموا أنكم في الدين إخوة، فحققوا هذه الإخوة بالتآلف والتحابّ بينكم. فتصافحوا وتزاوروا وتبادلوا التهاني، وليسلم بعضكم على بعض، فالسلام يغرس المحبة والألفة، والهجر يوجب البغضاء والوحشة، وتذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا هجرة فوق ثلاث، فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار". رواه الإمام أحمد. وليست المحبة قولا باللسان، ولا تعبيرا بالأركان، وإنما هي ميل القلب واطمئنانه إلى الأخ المسلم، فلتتصافحِ القلوب قبل أن تتصافح الأيدي، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
  هنيئاً لكم، ومبارك عليكم عيدكم، ووصيتي لنفسي ولكم استمرار عبوديتنا لله وطاعتنا له وتقوانا وخشيتنا، حتى يُختمَ لنا بالخير والإيمان، ونسعد في الدنيا والآخرة، وكل عام وأنتم بخير، والأمةُ الإسلاميةُ في عزة ورفعة وتأييد ..
  اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واحشرنا في زمرة خير الأنام. اللهم اجعل شهرنا شاهدا لنا بأداء فرضك، ولا تجعلنا ممن جد واجتهد ولم يرضك، اللهم ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك ونسأل تمامها في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا. اللهم أعد علينا من بركات هذا اليوم وأعد أمثاله علينا ونحن نتمتع بالإيمان والأمن والعافية، واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم وانصر المسلمين في كل مكان واجعلهم في الخير متعاونين، وأيّد بروح منك إخواننا في فلسطين وأهلك عدوهم، واستخلفهم في أرضهم وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا إنك على كل شيء قدير، اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، وأقض الدين عن المدينين، ويسر أمور المسلمين أجمعين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، اللهم واحفظ بناتنا ونساءنا وقهن التبرج والسفور وثبتهن على الهدى والطريق المستقيم. اللهم ارحم المنكوبين والجوعى والخائفين والمظلومين، اللهم واغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا، برحمتك يا أرحم الراحمين. وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. اللهم واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين. 

10 يونيو 2016



   الموضوع: الصوم في الصيف جزاؤه الريّ والسُّقيا يوم العطش.

الخطبة الأولى

     الحمد لله الذي فضل أوقات رمضان على غيره من الأزمان، وأنزل فيه القرآن هدى وبينات من الهدى والفرقان، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، الذي كان يخص رمضان بما لم يخص به غيره من صلاة وتلاوة وصدقة وبر وإحسان، اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه الطاهرين، الذين آثروا رضا الله على شهوات نفوسهم فخرجوا من الدنيا مأجورين، وعلى سعيهم مشكورين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
   أما بعد، عباد الله: إن الله سبحانه وتعالى قد أنعم علينا بمواسم وأزمنة لمضاعفة أجور الطاعات، ومن هذه المواسم الفاضلة شهر رمضان، الذي جعل فيه من جلائل الأعمال وفضائل العبادات، وخصه عن غيره من الشهور بكثير من الخصائص والفضل، زد على ذلك أن كان من قدر الله علينا أن جعل رمضان هذا العام في شهر الصيف وقت اشتداد الحر، وطول النهار وقصر الليل، وشدة الظمإ، ومعروف أنه كلما وُجدت مشقةٌ في العبادة كلما كان أرفع للدرجات وأحط للخطيئات، فالأجر المترتب على العبادة يزداد بازدياد المشقة الطارئة على العمل غير المقصودة لذاتها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها في الحج: "أجرك على قدر نَصَبك" أي تعبك.
     ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من السلف الصالح يبادرون إلى الطاعات، ويسارعون إلى جنة عرضها الأرض والسماوات، بصيام النفل في زمن المشاق. فأما إذا كان الصيام صيام فرض وصاحَبَه الإخلاص وحسن العمل والاحتساب، وابتعد عن الرياء والشكوى، كان الأجر أكبر. نعم كانوا -رضوان الله عنهم-، يفرحون بطول النهار ليصوموا رغم العطش الشديد، والظمأ في الهواجر، فينالوا بذلك درجة الصبر، التي قال الله عنها سبحانه: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب".ٍ  الزمر:10 .
     ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: "لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في اليوم الحارّ الشديد الحرّ، وإنّ الرجل ليضع يده على رأسه من شدّة الحرّ، وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة". وفي رواية أن ذلك كان في شهر رمضان. وعَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ، لَمَّا حَضَرَه الموت قَالَ: مَا آسَى عَلَى شَيْءٍ إِلَّا عَلَى قِيَامِ الشِّتَاءِ، وَظَمَأِ الْهَوَاجِرِ.  وَلما حضرت حُذَيْفَةَ بن الْيَمَان الْوَفَاةُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي كنت أخافك، وَأَنا الْيَوْم أرجوك، اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي لم أكن أحب الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا لجري الْأَنْهَار، وَلَا لغرس الْأَشْجَار، وَلَكِن لظمأ الهواجر، وَقيام اللَّيْل، ومكابدة السَّاعَات. وَمثل هَذَا يرْوى عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر -رَضِي الله عَنهُ- أَنه لما نزل بِهِ الْمَوْت بَكَى، فَقيل لَهُ مَا يبكيك؟ فَقَالَ: مَا أبْكِي حرصا على الدُّنْيَا، وَلَا جزعا من الْمَوْت، وَلَكِن أبْكِي على مَا يفوتني من ظمأ الهواجر، وَقيام ليَالِي الشتَاء.
   أيها المسلمون: الصوم في الصيف جزاؤه الريّ والسُّقيا يوم العطش، لمّا صبر الصائمون لله في الحرّ على شدّة العطش والظمأ، أفرد لهم باباً من أبواب الجنة، وهو باب الريان، من دخله شرب، ومن شرب لم يظمأ بعدها أبداً، فإذا دخلوا أُغلق على من بعدهم فلا يدخله غيرهم، هذه أُولى فوائد اجتماع الصيف برمضان، أعني: عظم الثواب والأجر. عن سهل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد".
   قال ابن رجب رحمه الله في اللطائف: "كانت بعض الصالحات تتوخى أشدّ الأيام حرّاً فتصومه، فيقال لها في ذلك، فتقول: إنّ السِّعر إذا رخص اشتراه كل أحد، تشير إلى أنها لا تُؤثِر إلا العمل الذي لا يقدر عليه إلا قليل من الناس، لشدته عليهم، وهذا من علوّ الهمة"..، ونقل أيضا رحمه الله عن بعض السلف أنه قال: "بلغنا أنه يوضع للصُّوَّام مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون: يا رب نحن نُحَاسَب وهم يأكلون، فيقال: إنهم طالما صاموا وأفطرتم، وقاموا ونمتم".
   روي أنه لما مرض معاذ بن جبل رضي الله عنه مَرَضَ وفاته قال في الليلة التي تُوفي فيها: أعوذ بالله من ليلةٍ صباحها إلى النار، مرحبًا بالموت، حبيبًا جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الليل ومزاحمة العلماء بالركب عند حِلَقِ الذكر. لم يتأسف – رضي الله عنه - على مال ولا ولد، ولم يبك على فراق نعيم الدنيا، ولكنه تأسف على قيام الليل ومزاحمة العلماء بالركب وعلى ظمأ الهواجر بالصيام في أيام الحر الشديد..
  أسأل الله العلي القدير أن يجعلني وإياكم ممن وُفّق فأحسن العمل والقصد، وجنا من الدنيا خير زاد ليوم المعاد، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.. أقول قولي هذا..

الخطبة الثانية
  الحمد لله الذي هدانا للإسلام ووفقنا لإدراك شهر الصيام والقيام، أحمده سبحانه وله الحمد في البدء والختام والصلاة والسلام على خير من صلى وصام وعلى آله وصحبه الكرام.
     أما بعد: عباد الله، اتقوا الله وتزودوا في هذه الحياة، فكم في المقابر من أناس صاموا معنا رمضان في أعوام ماضية، وهم الآن تحت الثرى رهناء الأعمال فاحمدوا الله أن أمهلكم لتدركوا هذا الموسم العظيم، فلله الحمد والمنة..
   أيها المسلمون: وعليكم أن تستشعروا في هذا الفصل عظيم نعمة الله عليكم، حين يسّر لكم من وسائل التبريد والتكييف المختلفة ما تطمئن به النفوس، وتتّقون بها أذى الشمس وسمومها، فهذه أجهزة تقلبُ الصيفَ شتاءً، وتخففُ من لأواءِ الهجير وتطفئُ لهبَ القيظ في المنزل والمسجد والسيارة والعمل.
    هل تأملنا ذلك فشكرنا ربنا على ذلك ؟!.
    هل تأملنا فيمن يسكنون بيوت القصدير والخيام والقش، فحمدنا ربنا وعبدناه حق عبادته؟.
        ألا إن هذا يدعونا لأن نتذكر أسراً تعيش بيننا لا يملكون ما نملك من هذه الوسائل الحديثة، وإن ملكوها فلا يستطيعون دفع ما يترتب على عملها من أموال فأعينوهم - عباد الله - واحتسبوا الأجر من الله ، قال تعالى: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً" ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النارَ ولو بشق تمرة"، وقال أيضاً: "والمؤمن في ظل صدقته يوم القيامة". يروى أن امرأة من الأعراب كانت جوادة مفرطة، ولا سيما على الفقراء، حتى تضرر أهلها منها، فحبسوها ومنعوها الطعام والشراب أياما متتابعة ظنا منهم أن الجوع يجعلها تعرف قيمة المال فتحافظ عليه ولا تضيعه، ولكن تجربتهم أخفقت، ودرسهم العملي أحدث عكس المطلوب منه، إذ بعد أن وثقوا من تأديب الجوع لها أخرجوها وناولوها كيسا من الدراهم، وما إن رات أول سائل حتى ناولته الكيس جميعه قائلة: إني أبذل ما أبذل وأنا لا أعرف ما يقاسيه المعدمون من بلاء، أما الآن وقد ذقت طعم الجوع وتجرعت مرارته فإني أعاهد الله أن لا أجد شيئا إلا أسرعت ببذله في الحال.
   ألا فخذوا أروع الدروس، في السموّ بالنفوس، من سموّ هذه النفوس. واغتنموا رحمكم الله هذه الشهر، وعرفوا قدره، وقدروا له قيمته، واحترموه واشغلوا أوقاته بالطاعات والقربات فإن الفرص لا تدوم، ولا يبقى إلا الحي القيوم.
   فاللهم أعنا على أنفسنا وقوّنا حتى نستقيم على أمرك، وقنا شرّ أنفسنا والشيطان، وتقبل من الصيام والقيام واحشرنا في زمرة خير الأنام، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نعوذ بك من تحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك، اللهم نبهنا من رقدة الغافلين، ومن علينا بعفوك يا أرحم الراحمين. اللهم آمنا في الأوطان والدور وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واعصمنا من الفتن والشرور، اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة والنجاة من النار، برحمتك يا أرحم الراحمين!، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات انك سميع قريب مجيب الدعوات. اللهم صلّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.