01 فبراير 2017



الموضوع: تربية الأبناء والحرص على متابعة تحصيلهم العلمي.


الخطبة الأولى
     الحمد لله الذي أمرنا أن نأتي البيوت من أبوابها، وأن نسير في طريق مصالحنا بتعرف مناهجنا وأسبابها. وأشهد أن لا إله إلا الله الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم من العلوم قليلاً ولا كثيراً، وجعل لنا الأسماع والأبصار والأفئدة لنشكره بصرفها إلى المعارف النافعة، وكان ربك قديراً.  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي أرسل إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً كاملاً كثيراً.
      أما بعد، فأوصيكم بتقوى الله، فهي المنجية من العذاب الأليم، والموصلة لرضوان الرحمن الرحيم، فاتقوا الله أيها العباد، فالتقوى سيبل الرشاد للحاضر والباد. قال تعالى: "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ". البقرة: 197.
      أيها المسلون: إن أبناءنا هم ثمار قلوبنا وفلذات أكبادنا، غرس الله تعالى حبهم في فطرتنا وجعلهم زينةً في حياتنا، قال سبحانه: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا". ولقد أكّد صلى الله عليه وسلم في أكثر من وصية بضرورة العناية بهم وبتربيتهم وتعليمهم. قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم". وروى الطبراني عن على كرم الله وجهه مرفوعا: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وتلاوة القرآن". إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا الشأن.
     والتربية الصالحة للطفل هي التي تُنشئ الشاب الصالح الذي يخدم دينه وأمته ووطنه، ولقد وضع لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم مادة أساسية مفادها أن الإبن يشبّ على دين والديه. أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال، قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم: "ما من مولود إِلا يولد على الْفطرة فأَبواه يُهَوِّدَانه أو َيُنصِّرَانه أو يُمجِّسَانه".
    ألا وإن ما نرى عليه بعض الأبناء داخل المجتمع من انحرافات وما نسمع من المظاهر السلبية عليهم، كتعاطي السجائر بل والمخدرات وتدني المستوى التعليمي ومحاولة ضرب المعلمين والمعلمات، وما إلى ذلك من الزيغ وفساد الأخلاق، إنما ذلك صادرٌ عن اللامبالاة والتساهل والغفلة من طرف الوالدين وتخلّيهم وانشغالهم عن التوجيه والتربية، ولله در الشاعر حين قال:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من * همّ الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتــــــــــيم الــذي تـــــــــــــــلقى له * أمًّا تخلت أو أبا مشغولا
       فالأسرة ـ أيها المسلمون ـ هي المحضن الأول الذي ينشأ فيه الأبناء، ورب الأسرة وزوجته كلاهما شريك الآخر في تلك المؤسسة الاجتماعية التي أمر الإسلام برعايتها والحفاظ عليها، ولا يمكن أن يتحقق النجاح للأسرة إلا إذا تعاون كل من الرجل والمرأة في تربية الأولاد، والولد يتأثر بوالديه في أخلاقه وسلوكه وتصرفاته واتجاهاته الدينية والعقائدية.
    فالواجب الأكبر في تربية الأبناء وتشجيعهم على التحصيل العلمي يقع على عاتق قطبي الأسرة: الأب والأم؛ فهما المظلة الحقيقية التي يخرج من تحت عباءتها العلماء، وهما البلد الذي يخرج نباته كما يُسقى ويُغذَّى.  ولا نجد تصويرًا أبلغَ في التعبير عن ذلك من قوله تعالى: "وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ". الأعراف: 58، فما أشبهَ الأسرةَ بالأرض الخصبة الطيبة التي تنبت أطفالاً ذوي طباعٍ خيِّرة نقية وسلوكٍ نبيل، وما أشبه الأسرةَ المنهارةَ في أخلاقها وسلوكِها بالأرض الخبيثة التي لا تنبت إلا نباتًا قليلاً حجمُه ونفعُه، فتخرج أطفالها بطباعٍ قاسية وسلوك سيِّئٍ.
   فعليكم ـ أيها الآباء والأمهات ـ مراعاةِ أولادكم وحمايتَهم من ضياع الوقت وانحراف العمل والسلوك، تفقّدوهم في كل وقت وامنعوهم من معاشرة ومصاحبة من يُخشى عليهم منه الشر والفساد، فإنكم عنهم مسئولون، وعلى إهمال رعايتهم وتأديبهم معاقبون. قال صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
    هذا واعلموا أن الأمور لا تؤتى غِلابًا كما قال الشاعر، وإنما التدرّج مطلوب في التقويم؛ فقد نقل الحافظ عن سعيد بن جبير الحث على التدرج في أخذ الطفل بالجد، وهذا يتمشى مع الحكمة التي جاءت بها الشريعة، وطبيعة النفس الإنسانية التي تستثقل أخذها بالعزيمة بلا تدرج. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع لنا منهجا نبويا خالدا مؤسِّسا لأساليب التربية الصحيحة للفرد، ابتداء من مرحلة الطفولة المبكرة، وذلك في مواقف كثيرة منها موقفه مع سَلَمة ابن أم سلمة وكان ربيبه، نشأ في حجره صلى الله عليه وسلم بعدما تزوج بأمه، جلس سلمة إلى طعامه وهو بعدُ صبيا فأخذت يده تطيش في الصحفة، فأمسك بها رسول الله قائلا له: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك".  إنه تدخُّلٌ فوريٌ سريعٌ لإيقاف السلوك الخاطئ حتى مع الصغير الذي لا يعي ما يفعل، وعدم تأخير التوجيه عن وقته، إنه تعويد وترويض منذ الصغر. وللأسف إن كثيرا من الآباء والأمهات تركوا المجال لأبنائهم وبناتهم، وأهملوا تأديبهم بمعاني الأخلاق وفرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا، فلم ينفعوا أنفسهم ولم ينتفعوا بهم كبارا.
     أيها المسلمون: إن الرجال لا يولدون بل يُصنون، يقول أساتذة علم النفس: "أعطونا السنوات السبع الأولى للأبناء، نعطيكم التشكيل الذي سيكون عليه الأبناء بقية حياتهم"، وما أجمل مقولة عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "الصلاح من الله والأدب من الآباء"، وعن ذلك عبر الشاعر بقوله:
وينشأُ ناشئُ الفتيانِ مِنا * على ما كان عَوَّدَهُ أبُوهُ
وَما دان الفتى بحجىً ولكن * يعوِّدهُ التديّنَ أقربـوه
    قال الإمام الغزالي رحمه الله في رسالته أنجع الرسائل: "الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعلمه؛ نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدِّب، وإن عوِّد الشر وأُهْمِلَ إهمال البهائم؛ شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه والوالي له".
     ولهذا كان السلف الصالح يحرصون أشد الحرص على التحصيل العلمي والخلقي للخلف. يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن الكريم". وقال مالك بن أنس: "كانت أمي تجهز عمامتي وأنا صغير قبل ذهابي لحلق العلم، فتقول: يا مالك خذ من شيخك الأدب قبل العلم"!. (ترتيب المدارك ـ عياض 1/130). بل إنهم كانوا يعطون أبناءهم مكافآت على حفظ الأحاديث النبوية، والمكافآت حقيقة أمر تربوي في التشجيع على التعليم. قال إبراهيم بن أدهم: قال لي أبي: "يا بني اطلب الحديث، كلما سمعت حديثا وحفظته فلك درهم، فطلبت الحديث على هذا".
   بل بلغ من اعتنائهم بأبنائهم أنهم كانوا حريصين على متانة الرابطة بينهم وبين معلّميهم، فكانوا يحزنون إذا غابوا عن الأولاد فترة بسبب من الأسباب لخوفهم على الأولاد أن لا يُؤدبوا على ما يريدون ويشتهون. ذكر الراغب الأصفهاني أن المنصور بعث إلى مَن في الحبس من بني أمية من يقول لهم: "ما أشد ما مرّ بكم في هذا الحبس؟ فقالوا: "ما فقدنا من تربية أولادنا". ورحم الله مالك بن نبي وقد جاءه رجل يسترشده لتربية مولود له، فسأله: كم عمره؟ قال: شهر، قال: فاتك القطار. ا.هـ
    أيها المؤمنون: إن الأبناء هم حديث اليوم وحديث كل يوم، بهم تقر عيون الآباء والأمهات، وبهم يزدان الكون والحياة، وقد علمنا القرآن الكريم في الدعاء أن نقول: "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً". الفرقان:74. فعليكم تقديم أقصى ما تستطيعون لأبنائكم، أغرسوا فيهم الجد والمثابرة. ربّوهم على حب العلم والسعي لأجله، اجعلوا منهم مبدعين حقيقيين؛ فقدراتهم كبيرةٌ، ومواهبهم متميزة، ادفعوهم إلى الإبداع دفعاً، كونوا معهم في كل شؤون حياتهم. وكم يحكي لنا التاريخ، صورا من حياة أطفال أحسن أهلوهم تربيتهم فأفلحوا، وصاروا رموزا على جبين التاريخ.
      فهذا سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ العالم المشهور يُروى أن والده توفى وهو صغير وله إخوة، فرأى أن يترك العلم والدراسة ليطلب العيش والرزق، فقالت له أمه جزاها الله خيرًا: أي بني، اطلب العلم أكْفِك بمغزلي، فانطلقت الأم تغزل وتكافح، وانطلق سفيان يتعلم العلم حتى أصبح سفيان من أعلام المسلمين الكبار، وكل ذلك في ميزان تلك المرأة الصالحة.
   عباد الله: هذا قليل من كثير من معالم تطبيقية في منهج تربية الأطفال، رسم معالمها وطبقها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسار على نهجه السلف الصالح من بعده. وليتذكر كل أب وأم أن كل جهد يبذلانه في تأديب أبنائهما هين -مهما صعب-لأن ثمرته أبناءٌ صالحون يمتد بهم عمل أبويهما بعد موتهما. عن أبي هريرة -رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم

   نسأل الله لهذه الأمة أن تعود لسابق عزها ومجدها، وتنهل من موردها العذب حتى تسعد في الدارين، اللهمَّ وأقر أعيننا بصلاحِ أولادِنا وأزواجنا وأقاربنا وإخواننا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميعِ المسلمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

       الـحمد لله رب العالمـين، سبّحت الكائنات بحمده، وعنت الوجوه لعـظـمته ومـجده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
        أما بعد: فإن الناظر لواقعِ الأمة اليوم يجدُ وضعاً سيئاً لم يمرّ عليها طوالَ الأزمنةِ المتقدمة، لقد أوشكت أن تُعدم كثيرٌ من المبادئِ، وللأسف نحن في وقت يغالبنا فيه المجتمع على أبنائنا بمغرياته البراقة ووسائله اللماعة؛ لملء فراغهم بما لا ينفع ولا يغني عنهم من الجدِّ شيئاً، ولا يحبّب إليهم العلم ولا يبني لهم مستقبلاً ولا يشدهم إلى عزائم الأمور ومطامح ذوي الرشاد، فعليكم أن تزاحموا الشر الذي يحيط بأبنائنا، ومن أخلص نيته لله وعلم الله منه الإخلاص والرغبة الصادقة في الخير فإن الله يؤيده ويسدده.
  رُوي عن الأمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال: "علموا أولادكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم". وفي رواية ثانية: "أدبوا أولادكم". فكأنه رضي الله عنه بفكره الثاقب يعني شباب عصرنا الحاضر، ليتسلح بسلاح العلم والأدب الإسلامي الرفيع، وهذا هو الذي يجب أن نزرعه في أعماق صغارنا – شباب الغد-. فلا تجعل أيها الأب ابنك يغتر بثروتك، ويتّكل عليك في مستقبل أيامه، فلا يأخذ نفسه بالجد والتعب في تحصيل العلم، ضانّا –خطا أو غرورا-أن المال هو كل شيء في الحياة. نعم إن المال بلا شك له قيمته في حياتنا، ولكن العلم هو الذي يرسم الطريق الصحيح لاستغلال المال. ولا ينكر أحد ما للعلم من منافع كثيرة في شؤون الحياة كلها، ولكن هذه المنافع تكون أشدّ وأكثر نفعا للبشر لو صحب العلم الإيمان، لأن ثمرة الإيمان حسن الخلق، وهو غاية ما يتطلّبه المجتمع الإسلامي، وإليه أشار شوقي بقوله:
رأيت العـلم لا يبني رجالا * ولا يغني عـن الأخلاق شيئا
   وأخيرا – أقول – أيها المسلمون: إن الأسرة والمدرسة وجهان لعملة واحدة، فلا يكفي بأي حال من الأحوال أن يزجّ الأب بابنه أو ابنته في المدرسة ثم يتركه هملا بلا ملاحظة ولا مراقبة ولا توجيه، بل عليه أن يشارك المدرسة أو أية مؤسسة تعليمية في تربية ولده، وأن يتعهّده بالرعاية والتوجيه، وأن يلاحظ سلوكه داخل المدرسة وخارجها، وأن يبيّن له بصفة مستمرة الصواب وأن يبعده عن الخطأ برفق ولين. وأن يعينه على مشاقّ العلم ومتاعبه، قال ابن القيم -رحمه الله في التحفة صفحة 146: "وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء".  
   فلا تظنوا ـ أيها الآباء والأمهات ـ أن واجب التربية ينتهي عند حدود التنشئة الجسدية، أو يقتصر على تسجيلهم في المدارس فحسب، بل أنتم معنيون أيضاً بتنمية قدراتهم العقلية ومداركهم المعرفية وبتوجيه صفاتهم النفسية وسلوكهم الاجتماعي، وأنتم عن ذلك يوم القيامة مسؤولون. قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله سائل كل رجل عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيّعه؟، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته".  رواه ابن حبان.
    وإنها لمسئوليةٌ جسيمة وأمانةٌ عظيمة؛ فالواجب على كل والد أن يتقي الله في أولاده، وأن يعمل على تأديبهم وتربيتهم وتنشئتهم على عقائد الدين وأعمال الإسلام وآدابه العظيمة، وعليه تقديم أقصى ما يستطيع لهم، يغرس فيهم الجد والمثابرة، يربّيهم على حب العلم والسعي لأجله. يجعل منهم مبدعين حقيقيين؛ فقدراتهم كبيرةٌ ومواهبهم متميزة. يدفعهم إلى الإبداع دفعاً، يكُنْ معهم في كل شؤون حياتهم، يتواصل مع مدارسهم ومعلّميهم حتى يكون على بيّنة من مستواهم الدراسي ومسيرتهم الأخلاقية؛ فإنه لم تتدنّ مستويات كثير من أبنائنا الطلبة إلا بعد أن أهملنا متابعتهم دراسياً، ولم تنحرف أخلاقهم إلا بعد أن تركنا الحبل على الغارب حتى ابتعدوا عن الرقابة الأسرية. وليكن نصب أعيننا جميعاً قول الله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
    وأخيرا، أيها المسلمون: هذه إيماءة أو إشارة ارتأيت أن أقدها لكم ولها ما وراءها، وكل قُفل له مفتاحه، وكل عقل له ما يثير اهتمامه..  أطفالنا فلذات أكبادنا تمشي على الأرض، فلنحسن تربيتهم والتعاملَ معهم...
     نسأل الله الذي حمّلنا هذه المسؤولية أن يعيننا عليها، وأن يصلح لنا نياتِنا وذرياتِنا، اللهمَّ اجعلهم وأبناءنا وبناتنا هداة مهتدين، اللهمَّ اكفنا وإياهم شرَّ الأشرار وكيد الفجار يا عزيزُ يا غفَّار. اللهم ارفع عن أمتنا الغلاء والوباء وقها الزلازل والمحن وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفّق من قلدته أمرنا واجعل عمله في رضاك، وارزقه البطانة الصالحة التي ترشده إلى الخير وتعينه عليه، واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.

25 يناير 2017



الموضوع : شكر الله على نعمة نزول الغيث، والدعوة إلى مواساة الفقراء والمحتاجين..  

الخطبة الأولى
     إنَّ الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. 
    أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه؛ إذ بها المعتَصَم، ومنها الرِّبحُ والمغنَم، وبسبَبِها يدفع الله البلاءَ والمغرم، قال تعالى: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ". الطلاق:2، 3، وقال أيضا: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا". الطلاق:4.
     فلنتق الله عز وجل ولنتبصر في هذه الأيام والليالي، فإنها مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة حتى ننتهي إلى آخر سفرنا، وإن كل يوم يمر بنا، بل كل ساعة، بل كل لحظة تبعدنا من الدنيا وتقربنا من الآخرة، وإن هذه الأيام والليالي خزائن لأعمالنا ومحفوظة لنا شاهدة علينا بما عملنا فيها من خير أو شر.
       عباد الله: إن مِنْ نِعَمِ اللهِ سبحانه وتعالى على عباده أن جعل لهم فصولاً أربعة يتقلب فيها الزمان، على حرّ مصيف، ويبس خريف، وبرد شتاء، وحسن ربيع، تبعًا لحكمته البالغة ومشيئته النافذة وقدرته الباهرة، "حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ". القمر:5. فأما المؤمن فيتذكر ويعتبر ويزداد إيمانًا إلى إيمانه.
     يأتي فصل الصيف بحرارته وشدته، فيتذكر حرّ النار وسموم جهنم، ويتذكر قوله تعالى: "قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا" التوبة:81، فيزداد يقينًا إلى يقينه، ويسارع إلى طاعة ربه وإلى مرضاة مولاه، وإلى أعمال صالحة مباعدة عن النار.
     ويأتي فصل الشتاء ببرده وقساوته فيتذكر زمهرير جهنم، ويعلم أنه في موسم من مواسم الإقبال على الله، فيتزوّد للقاء الله سبحانه وتعالى، كما قال أحد السلف: "الشتاء جنة المؤمن؛ طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه". هذا هو حال المؤمن، وأما الغافل فلا تذكّر ولا اعتبار، وإنما لهو ولعب وغفلة وبعد عن الله سبحانه وتعالى، حاله كحال القائل:
إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لِي متى؟.
    هكذا المعرض عن الله يبدّد حياته ويضيّع عمره في كل معصية ولهو، حتى يأتيه الأجل وهو على هذه الحالة، فيندم ولات حين مندَم، ويتمنى الرجوع إلى هذه الدنيا ليعمل، ولكن هيهات هيهات، قال تعالى: "وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ" سبأ:54، وقال سبحانه: "أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ". فاطر:37.
    أيها المسلمون: إننا في هذه الأيام نتقلب في نعمة من نعم الله وافرة، فسماؤنا تمطر، وأشجارنا تثمر، وأرضنا تخضرّ، وما هذا إلا نعمة ورحمة من المنعم الرحمن المنان. فوالله، ثم والله، لولا الله ما سقينا، ولا تنعّمنا بما أوتينا. قال تعالى: "أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ". الواقعة:68-70، أجاج أي: شديد الملوحة.   
    فكيف لا نشكر الله؟. وقد كنا بالأمس القريب فقط نشكو الجدب والقحط وقلة المياه، فنزلت رحمة الله الواسعة، فرويت الأرض، وجرت الوديان، وامتلأت الآبار، وسالت العيون، وفاضت السدود برحمة من الله وفضله. ألا إن رحمة الله بنا عظيمة، ونعمه علينا كثيرة، فالواجب علينا أن نشكر الله على هذه النعمة، وأن ننسب الفضل له، فما مطرنا إلا بفضل الله ورحمته. جاء في صحيح البخاري ومسلم عن زيد الجهني أنه قال: صلى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت بليل، أي: بعد ليلة ممطرة، فلما انصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا أو كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". فاللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله..
   أيها المسلمون: وإننا في نعمة لا تقدر بثمن، نلبس ونُغيّر في كل وقت وحين، ونقتني كل واقٍ يقينا من الأمطار وشدة البرد، فننام متلحفين، ونخرج إلى أعمالنا ومساجدنا مثل ذلك، ويعيش بعضنا وكأنه في وسط الصيف ليس ذلك إلا من نعمة الخالق سبحانه عزّ وجل. فلله الحمد والمنة، لله الشكر والحمد، وهذه ـ والله ـ نعمة جليلة ومنحة جسيمة لا يشعر بها إلا من ذاق لسع البرد وسهر الليالي من شدة الصقيع والجوع، قال تعالى: "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ".  النحل: 80، 81. 
   اللهم لك الشكر على آلائك التي لا تعد ولا تحصى، اللهم لو شئت لجعلت ماءنا أجاجاً، ولكن رحمتك أدركتنا فجعلته عذباً زلالاً، فلك الشكر لا نحصي ثناءً عليك، فما بنا من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد أنت رب العالمين، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه..


الخطبة الثانية
    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
       أيها المسلمون: إننا نعيش الآن في فصل الشتاء، نحُسُّ بنفثات برْدِه، نستنشق نسمات هوائه اللاذع، نتأمل في كيفية تدرج برودته على بني البشر، يجعلنا نتأمل ونتفكر، آيات تترا، وحكم لا تعد ولا تحصى، وما يشعر به الناس من شدة البرد باختلاف مناطقهم ومناخهم هو نفسٌ من أنفاس نار جهنم، ومصداق ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عندما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فجعل لها نفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها}. [رواه البخاري ومسلم]. 
    وهذا التعاقب ـ عباد الله ـ ما بين الحر ارة والبرودة يذكِّر الإنسان في كل فترة من عامه، كيف أحواله مع ذهاب أيامه وأعوامه، وهو في غفلة عن الموت، قد انغمس في شهوات الدنيا وملذاتها.
مضى الدهر والأيام والذنب حاصل وجاء رسول الموت والقلب غافل
نعيمك في الدنيا غرور وحسرة         وعيشك في الدنيا محال وباطل
   أيها المؤمنون: وممّا لا شك فيه أن الإنسان مجبول على طلب ما ينفعه، والبعد والتجافي عما يضره ويزعجه، وهذه فطرة بشرية، أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ). (العاديات:8). فها نحن قد أخذنا بالاستعداد لتهيئة بيوتنا بالمدافئ والملابس الشتوية وأجود أنواع الفرش، لكن في الوقت نفسه فإن كثيرا من جيراننا وأقاربنا وإخواننا المسلمين مَن يجلسون جلستهم العائلية بلا مدافئ، وترتعد أجسادهم في جنح الليالي من شدة البرد، ويذهب أطفالهم إلى مدارسهم من غير الكساء الذي يلبسه أبناؤنا وإخواننا، فيخترق البرد عظامهم، وليس ذلك إلا من قلّة ذات اليد وقلّة المحسنين. ونحن المسلمين كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. 
     فيا أيها المؤمنون: إننا نعيش هذا البرد، ويعيش معنا إخوان لنا قُدِرْت عليهم أرزاقهم، وقصرت بهم النفقة، وهم بأمس الحاجة إلى العون والمساعدة في برد الشتاء، فقدموا لأنفسكم وتفقدوا إخوانكم المحتاجين، وابدؤوا بأقاربكم وذوي أرحامكم ثم جيرانكم وأهل بلدكم ثم الأقرب منكم فالأقرب، ولا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتق النار ولو بشق تمرةّ.
     فاتقوا الله عباد الله، واذكروا في هذا الشتاء إخوانا لكم في الله، عضّهم الفقر، وأثقلت كواهلهم متاعب الحياة، واسوهم بالقليل من أموالكم، وأسعفوهم بالعيش الرخي، والثوب الرضي، وكونوا لهم عونا في الشدة، وعضدا في المحنة، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
    اللهم اجعل ما أنزلته صيبا نافعا، واجعله عطاء مشفوعاً برحمة، تصلح بها حالنا وتستقيم بها قوبنا، اللهم وبارك لنا في أسماعنا وأبصرنا وأزواجنا وذريتنا وأموالنا واجعلنا مباركين أينما كنا، اللهم ارحم المنكوبين والجوعى والخائفين والمظلومين في كل مكان، اللهم اجعل لنا مع كل قطرة مطر تفريجا وسعادة ورزقا وعافية واستجابة لكل دعاء وتيسيرا لكل عسير ورحمة لكل ميت وشفاء لكل مريض وعافية من كل بلاء ومن كل ذنب مغفرة ورحمة، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك الصالحين، برحمتك يا أرحم الراحمين، واجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم اغفر لنا ذنبنا كله، دقّه وجلّه، أولّه وآخره، سرّه وعلنه، واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك أنت الغفور الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..