17 أكتوبر 2017

 
الموضوع: خطبة صلاة الإستسقاء..

الخطبة الأولى
      أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.
      الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. لا إله إلا الله، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. لا إله إلا الله، الولي الحميد. لا إله إلا الله الواسع المجيد، لا إله إلا الله المؤمل لكشف كل كرب شديد. لا إله إلا الله المرجو للإحسان والإفضال والمزيد. لا إله إلا الله، لا راحم ولا نافع سواه للعبيد. لا إله إلا الله ولا ملجأ منه إلا إليه، ولا مفر ولا محيد.
     فسبحانه من إله عظيم، لا يماثَل ولا يضاهَى، لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب. وأشكره على نعم تفوق العد والحساب. كاشف الغم ومجيب دعوة المضطر، فما سأله سائل فخاب. يبتلي ويمتحن ليُدعَا، فإذا دُعي أجاب. سبحانه منزل الكتاب وهازم الأحزاب ومنشئ السحاب.
      أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادتين تصعدان القول وترفعان العمل، لا يخَفُّ ميزان توضعان فيه، ولا يرجح ميزان ترفعان عنه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأتقياء البررة، وعلى من سار على طريقهم واقتفى أثرهم إلى يوم المعاد.
    أما بعد: فأوصيكم –عباد الله-ونفسي بتقوى الله عز وجل، التي هي الزاد وبها المعاد، زاد مبلغ، ومعاد منجح، دعا إليها أسمع داع، ووعاها أفقه واع، فأسمع داعيها وفاز واعيها.
     أيها المسلمون: إن نزول الغيث على الأرض لا يكون كما نعلم إلا على حسب مشيئة الله، وعلى حسب حاجة الخلق إليه، قال الله تعالى: "وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه وما ننزلهُ إلا بقدر معلوم". كما أنه ليس عام أكثر غيثاً من عامٍ، ولكن الله يقسمه كيف يشاء، فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء، وهذا معنى قوله تعالى: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء". فالله جل وتعالى هو الخازن للماء ينزله إذا شاء، ويمسكه إذا شاء، قال سبحانه: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه"،  وقال: "وأنزلنا من السماء ماءً فأسقَيناكُمُوه وما أنتم له بخازنين"، أي ليست خزائنُه عندكم، كما قال في الآية الأخرى: "وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناهُ في الأرض وإنَّا على ذهاب به لقادرون".  
      وإذا تأخّر نزول الأمطار ضجّ العباد، وسقِمتْ المواشي، وهلكت الزروع والأشجار، وجفَّت العيون والآبار، وفي هذه الحال شرعَ لنا نبينا صلى الله عليه وسلم صلاةَ الاستسقاء، والاستسقاء هو طلب السقيا وسؤال الغيث من المغيث جل وعلا، فالنفوس البشرية مجبولةٌ على طلب الغيث ممن يغيثها، وإقالةِ العثرة ممن يقيلها ولا يغيث ولا يرحم ولا يقيل العثراتِ ولا يجبر الكسر إلا اللهُ وحده سبحانه وتعالى. قال تعالى: "قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماءٍ معين"، وقال تعالى: "قل ما يعبؤ بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً".
    فقد روى أبو داود عن عائشة عن رضي الله عنها، قالت: شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، متواضعاً، متبذلاً، متخشعاً، مترسلاً، متضرعاً فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَدْعُوَهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ، وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ من السماء، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتْ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إلَى الْكُنِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ".
   وهـا أنتم – عباد الله – قد حضرتم إلى هذا المكان الطاهر بين يدي ربكم، تشكون جدب دياركم وتبوحون إليه بحاجاتكم، وذلكم الجدبُ وتلكم الحاجة بلاءٌ من ربكم لتقبلوا عليه بالتوبة والإنابة، وتتقربوا بصالح العمل لديه، فاستكينوا لربكم وارفعوا أكف الضراعة إليه، ابتهلوا وتضرعوا واستغفروا، فالاستغفار مربوطٌ بما في السماء من استدرار ، قال تعالى: "فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ، يرسل السماء عليكم مدراراً ، ويمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً"، ومن لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب. أريقوا ماء الأسف على أدران الذنوب تغسلها، اخلصوا التوبة لله يقبلها، وأصلحوا الأعمال لله يضاعفها، واتبعوا الحسنة السيئة تمحها، ذلكم ـ وربي ـ هو مفتاحُ القطر من السماء، وسببُ دفعِ البلاء، ووعدُ الله لا يُخلَفُ، حيث قال تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض". حريٌ بنا أن نستقيمَ على الحق ليرحمنا ربنا قال تعالى: "وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً". وإذا استسقى العباد فلم يُسقوا، وسألوا فلم يُعطوا، أسفرَ ذلك على هبوطِ مستوى الإيمان، وخللٍ في الأعمال، وإصابتهِمِ بموانعِ إجابة الدعاء.
     وعلينا ـ عباد الله ـ أن نتسآل: هل رَويت قلوبنا من هذا الغيث أَم هي ظامئة؟ وأَن ننظر إلى صحائفنا هل هي ربيعٌ بهذا الوحي أم هي مجدبة؟ يجب علينا أن نصلح ما فسد، وأن نطهّر قلوبنا من الغل والحقد والحسد، علينا أن نقوم بأداء الصلاة وإيتاء الزكاة، وإصلاح الأهل والبنين والبنات. فلا قيمة للاستغفار إذا كان مجرَّد لفظ يُرَدَّدُ على اللسان، ولا أثر لصلاة الاستسقاء إذا كانت مُجَرَّدَ عادَةٍ تفعل. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ : كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن ، وأعوذ بالله أن تدركوهُنَّ: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قطُ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاعُ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذُوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائمُ لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أَيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أَنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم". أخرجه ابنُ ماجه وهو صحيح.
 ألا فاتقوا الله -عباد الله-واعلموا أن الأرض التي تحملكم، والسماء التي تُظلكم، مطيعة لربكم، فلا تمسكان بخلاً عليكم، ولا رجاء ما عندكم، ولا تجودان توجعاً لكم، ولا زلفى لديكم، ولكن أمرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود الله مصالحكم فقامتا: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ". فصلت:11
    وإن ذنوبنا ـ يا عباد الله ـ لكثيرة، وإن معاصينا لعظيمة، وإن شؤم المعاصي جسيم وخطير، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: وهل في الدنيا شر وبلاء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟، الذنوب ما حلت في ديار إلا أهلكتها، ولا في مجتمعات إلا دمرتها، ولا في نفوس إلا أفسدتها، ولا في قلوب إلا أعمتها، ولا في أجساد إلا عذبتها، ولا في أمة إلا ألَمَّتْها، فاحذروا غضب الله عليكم، واعلموا أن ما عند الله لا يُسْتَنْزَل إلا بالتوبة النصوح، يقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: "ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، وما رُفع إلا بتوبة".  
    وإنكم ـ يا عباد الله ـ لقد شكوتم إلى ربكم جدب دياركم، وتأخر المطر عن إبَّان نزوله عن بلادكم، فما أحرى ذلك أن يدفعكم إلى محاسبة أنفسكم ومراجعة دينكم، فإن الله يقول: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ". الرعد:11. ويقول سبحانه: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ". آل عمران:165. ويقول أيضا: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ". الروم:41    
          وما ابتلي المسلمون اليوم بقلة الأمطار، وغور المياه، وانتشار الجدب والقحط، وغلبة الجفاف والمجاعة والفقر في بقاع كثيرة من العالم إلا بسبب الذنوب والمعاصي.  
   فلنتقِ الله ـ عباد الله ـ ونتوب إليه ونستغفره، والإستغفار سبب عظيم في اسْتِنْزال المطر من السماء. يقول تعالى عن نوح عليه السلام: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً". نوح:10-12. وقال سبحانه عن هود عليه السلام: "وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ". هود:52. واستسقى عمر رضي الله عنه فلم يزد على الاستغفار، فقيل له في ذلك، قال: "لقد طلبتُ الغيث بمجاديح السماء التي يُسْتَنْزَل بها المطر". 
       نعم الاستغفار -يا عباد الله-هو الدواء الناجع في حصول الغيث النافع، ولا بد في الاستغفار أن يكون صادقاً، فقد قال بعض السلف: "استغفارنا يحتاج إلى استغفار".
   فلنتقِ الله، ولنعلم أنه ليس طلب الغيث بمجرد القلوب الغافلة والعقول اللاهية، وإنما يتطلب تجديد العهد مع الله، وصدق العمل بشريعة الله، وفتح صفحة جديدة من حياة الاستقامة، وإصلاحاً شاملاً في كل مرافق الحياة، ومع هذا كله، ففضل الله واسع، ورحمتُه وسعت كل شيء، وعفوه عَمَّ كلَّ التائبين، فما ضاق أمرٌ إلا جعل الله منه مخرجاً، ولا عَظُم خطبٌ إلا جعل الله معه فرجاً، فمنه يكون الخوف، وفيه يكون الرجاء. فأحسنوا الظن بربكم، وتوبوا إليه، وتسامحوا وتراحموا، ولا تقنطوا من رحمة الله، ومتى علم الله إخلاصكم وصدقكم وتضرعكم أغاث قلوبكم بالتوبة إليه، وبلدكم بإنزال المطر عليه.
   لا إله إلا الله، سبحانه غياث المستغيثين، وراحم المستضعفين، وجابر كسر المنكسرين، لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله. نستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه. اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك. سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، أقول قولي هذا، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية
      الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مغيث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، وجابر كسر المنكسرين، ورافع البلاء عن المستغفرين. لا إله إلا الله، مجيب الدعوات، وغافر الزلات، وفارج الكربات، ومنزل البركات، وغادق الخيرات، سبحانه مِن إله كريم، ورب رحيم، عمّ بفضله وكرمه جميع المخلوقات. لا إله إلا الله الولي الحميد، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، سبحان مَن يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويصل ويقطع، إ"ِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". هود:56.
   اللهم لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وإليك يُرجع الأمر كله، علانيته وسره، فأهلٌ أنت أن تُحمد، وأهلٌ أنت أن تُعبد، وأنت على كل شيء قدير. لك الحمدُ كلُّ الحمد لا مبدا له ولا منتهىً، والله بالحمد أعلمُ. وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.
    أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، واستغفروه وتوبوا إليه، فالكرامة كرامةُ التقوى، والعزُّ عزّ الطاعة، والوحشةُ وحشة الذنوب، والأنسُ أُنس الإيمان والعمل الصالح، من لم يعتزَّ بطاعة الله لم يزل ذليلاً، ومن لم يستشفِ بكتاب الله لم يزل عليلاً، ومن لم يستغنِ بالله ظلَّ طولَ دهره فقيراً.
   قال الله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ".  الشورى: 28. جاء في تفسير ابن كثير رحمه الله: قوله: "وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا"، أي: من بعد إياس الناس من نزول المطر، ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، كقوله: "وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين".  الروم: 49.  وقوله: "وينشر رحمته"، أي: يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية.  قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، قحط المطر وقنط الناس؟ فقال عمر، رضي الله عنه: مطرتم، ثم قرأ: "وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته"، "وهو الولي الحميد"، أي: هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله. اهـ.
   روي الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن سليمان عليه السلام خرج يستسقي فرأى نملة مستلقية، وهي تقول: "اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم"، هذا مخلوق صغير من أصغر مخلوقات الله، هذه نملة تتضرع إلى الله وتشتكي إلى الله، فاستجاب الله دعاءها، فماذا فعلت أنت أيها الإنسان؟، أنت الذي خلقك الله في أحسن تقويم، وسواك فعدلك، وكرمك وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلا. فهذا أنت، وأنتم يا عبادَ الله، قد خَرجتُم تستغيثونَ وتستَسقون فأظهِروا الحاجةَ والافتقارَ، واعقِدوا العزم والإصرار على اجتنابِ المآثِم والأوزارِ، وقد رُوَي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، "خرج للاستسقاءِ متذلِّلاً متواضِعًا متخشِّعًا متضرِّعًا"، والله تعالى أمر بالدعاءِ ووعَد بالإجابة وهو غنيٌّ كريم سبحانه القائل: "وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"، فاستغفِروا وادعوا، وأبشِروا وأمِّلوا، وارفعوا أكفَّ الضّراعة إلى ربكم..
عباد الله: اعلموا أنه يُسن في مثل هذا الموطن: أن تقلبوا أرديتكم، اقتداءً بفعل نبيكم صلى الله عليه وسلم، فقد حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه تفاؤلاً بتحويل الحال عما هي عليه من الشدة إلى الرخاء ونزول الغيث .. وادعوا ربكم وأنتم موقنون بالإجابة.
   نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه، نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه، نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه.
    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت.. أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
    اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا خرجنا إليك من تحت البيوت والدور، وبعد انقطاع البهائم وجدب المراعي، راغبين في رحمتك، وراجين فضل نعمتك، اللهم قد انصاحت جبالنا، واغبرت أرضنا، اللهم فارحم أنين الآنَّة وحنين الحانَّة، اللهم اسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين.. اللهم إنا خرجنا إليك حين اعتركت على إخواننا مواقع القطر، وأغلبتهم مخايل الجوع، فكنت رجاء المبتئس والمجير للملتمس، اللهم انشر علينا وعليهم رحمتك من السحاب، سحاً وابلاً، غدقاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً مجللاً، نافعاً غير ضار.. اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، وتحيي به ما قد مات، وترد به ما قد فات، وتأنس به الضعيف من عبادك، وتحيي به الميت من بلادك.. اللهم سقيا هنيئة، تروى بها القيعان، وتسيل البطان، وتستورق الأشجار، وترخص الأسعار. اللهم إنا نسألك ألا تردنا خائبين، ولا تقلبنا واجمين، فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك، وأنت الولي الحميد، نستغفرك ونتوب إليك.. وصلوا وسلموا على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين.

12 أكتوبر 2017

 الموضوع: يوم17 أكتوبر 1961، محطة من تاريخ الجزائر كتبت بباريس  

 الخطبة الأولى

     الحمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهَد أنَّ نبيَّنا وسيِّدنا محمّدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلّى الله وسلّم تسليما كثيرا عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه..
    أما بعد، فإنّ من سنن الله التي تجري عليها الوقائع والحوادث، المسماة في القرآن بأيام الله تحتاج إلى من يستخرجها ويذكِّر الناس بها، وهي تجري على البر والفاجر والمؤمن والكافر، قال تعالى عن نبيه موسى على نبينا وعليه السلام: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ". إبراهيم:5. 
 ففي هذه الآية الكريمة توجيهٌ إلهي لنبي الله موسى على نبينا وعليه السلام أن يذكّر قومه بِـ "أيام الله".
    فما المقصود بهذه الأيام؟
     الأيام من الناحية الزمنية كلها أيام الله، فهو سبحانه خالق الزمان والمكان، وخالق كل ما يحيط بنا في هذا الكون الفسيح، إنما المقصود بالأيام، تلك الأزمنة التي انتصر الله تعالى فيها لأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وتحقّقت فيها العزّة لدين الله والنصر لأوليائه ولقيم الحق، وعلى هذا يكون معنى الآية: ذكّرهم بأيام انتصارات الأنبياء والمؤمنين على أولئك الظالمين المعاندين.
     فكل يوم حصل فيه حدثٌ مصيري في تاريخ البشرية أو تاريخ مجتمع من المجتمعات، فإن ذلك اليوم يُعدُّ من أيام الله، لما فيه من عِبَر ودروس ومواعظ يتعلّم منها الإنسان، وتتعظ منها الشعوب والمجتمعات..
   عباد الله: وإن في تاريخ وطننا لأياما خالدة، ترسّخت في ذاكرة هذه الأمة وافترشت قلوب أبنائها، تروي مسيرة هذا الوطن الغالي على امتداد  التاريخ. إنها محطاتٌ ناصعةٌ ومنعطفاتٌ تشكّل لحظات مصيرية تؤرّخ لهذا البلد العظيم الذي ارتوت أرضه بدماء من ضحّوا بحياتهم في سبيل أن ننعم بالحرية والاستقلال.    ..
   وما يوم 17 أكتوبر 1961م إلا محطّة من أهم المحطات في تاريخ الجزائر التي تستحق كل الاهتمام والتقدير لاستلهام الأسلوب الفريد من نوعه في ثورة التحرير الجزائرية، وذلك في قهر المستحيل وجعله ممكنا!..
   أيها الأعزاء: في الخامس من أكتوبر 1961 أصدر محافظ شرطة باريس "موريس بابون" أمرا بحظر تَجوال الجزائريين من الساعة الثامنة مساء وحتى الخامسة والنصف صباحا، واعتبر المهاجرون الجزائريون وقتها هذا الحظر إجراء عنصريا وتعسفيا.
   في مثل هذا يومنا هذا، وفي قلب باريس خرج الآلاف من المهاجرين الجزائريين عزّلا امتثالاً لأوامر قادة الثورة الجزائرية في مظاهرات سلمية، قدموا من عدّة مدن فرنسية مختلفة، من أجل الدفاع عن حريتهم وكرامتهم، مندّدين بقرار الحظر، ثم ليبلّغوا السلطاتِ الفرنسية بمطالب عبّرت عنها شعاراتهم، كان أهمّها "فليسقط حظر التَّجوال، تفاوضوا مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، الإستقلال للجزائر، تحيا جبهة التحرير".
   وهذه المظاهرات لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت تعبيرا صادقا على مدى الوعي الذي وصل إليه الشعب الجزائري في ظل الهيمنة الاستعمارية التي حاولت بكل ما أوتيت من قوة طمس مقوّماته وإخماد وطنيته، لكنهالم تفلح في ذلك، نظرا لإيمان هذا الشعب بقضيته العادلة التي كانت تتطلّب منه نضالا مستميتا وشجاعة نادرة..
    ولكن أيدي السفاحين واجهتهم بالحديد والنار والقتل، وإلقاء العديد منهم من جسر "سان ميشال" إلى "نهر السين" وهم أحياء، وزجّ بآخرين في السجون والتفنن في تعذيبهم.
    ما كان ذنبهم إلا أنهم خرجوا في مسيرة سلمية احتجاجا على إصدار مرسوم حظر التجوّل الذي فرضه السفاح "موريس بابون"على الجزائريين في ظل ديمقراطية غربية؟
     وكانت نتيجة الجريمة في هذا اليوم والأيام الثلاثة الموالية: أكثر من 300 قتيل، ومئات المفقودين وأكثر من 1000 جريح، و14.094 جزائري في مخافر الشرطة الفرنسية تحت التعذيب.
     فعلا.. كانت مظاهرات 17 أكتوبر 1961 حلقة مهمّة في تاريخ الثورة التحريرية، فلقد هزّت فرنسا من الداخل، لأنها كانت تعبيرا صادقا عن قوة وإيمان الجالية المهاجرة بحتمية ثورة نوفمبر وتحدّيا كبيرا لأعتى قوة استعمارية وتحسيسها بأن إرادة الشعوب لا تقهر.
   أيها الأعزاء: إن يوم 17 أكتوبر 1961 محطّة من تاريخ الجزائر كتبت بباريس، وستبقى راسخة في أذهاننا، تخليدا لذكرى الشهداء الذين كانوا يدافعون عن حقهم في المساواة، وحقهم في الاستقلال، وحق الشعوب في تقرير مصيرها..
    واليوم مثل الأمس، يوجد شباب قادرون على رفع كلّ التّحديّات مهما كانت صعبة؛ لأنه لا مستحيل مع الأمل، والجزائر تستحق كل التضحيات من أبنائها الذين لا يمكنهم أبدا أن يخذلوها؛ فهم خير خلَف لخير سلَف.
    ألا فكونوا ـ رحمكم الله ـ كذلك، ولتحيا في نفوسكم المعاني التي كانوا يجسدها أولئك، ولتتعمق في قلوبكم المبادئ التي وهبوا حياتهم من أجلها، فتاريخ وطننا تاريخ عميق، ووطننا وطن عزيز، ترفرف حوله أرواح شهدائنا الأبرار الذين سالت دماؤهم الزكية مرددين: الله أكبر، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين..
     اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل درجاتهم في عليين، وارزقنا السير على طريقهم يا رب العالمين، هذا ما قلت، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وصلاة الله وسلامه على أشرف المرسلين.
      أما بعد: فإن مظاهرات 17 أكتوبر 1961 صفحة هامّة في تاريخ كفاح الجالية الجزائرية المقيمة بالمهجر، كانت تعبيرا صريحا للجزائريين على رفضهم للمستعمر سواء كانوا داخل الوطن أو خارجه، تحدّوا بذلك جميع أنواع الممنوعات، وأظهروا للسلطة الاستعمارية أنهم مع إخوانهم في الجزائر ملتزمون بكل عزمٍ بالكفاح الذي يخوضه الشعب الجزائري برمّته من أجل استعادة سيادته المسلوبة واسترجاع قيمه الوطنية..
    ولقد كانت هذه المظاهرات بمثابة دفع قوي للثورة الجزائرية خارج حدودها الإقليمية، حيث نقل المهاجرون الرعب والإضطراب إلى قلب عاصمة المستعمر، مما فرض عليه تسريع وتيرة المفاوضات التي انتهت بخضوع فرنسا لإرادة التحرّر التي تمسّك بها الجزائريون إلى آخر رمق رغم الآلام والتضحيات الجسام ، وها هو هذا اليوم يخلّد في الذاكرة التاريخية للجزائريين باسم: يوم الهجرة، تخليدا لتلك الأحداث الراسخة على صفحات التاريخ الجزائري.
    ولكن ـ أيها الأحبة ـ ما قيمة التاريخ إذا كان قراءة للأحداث دون استيعاب، ولَوْكًا للماضي دون عبرة، وتغنّياً به من غير استخلاصِ الـموجب الخلاقِ لإثراء الحاضر بالتجارب العظيمة، ومــدِّه جسرا إلى الـمستقبل بمزيد من التصميم والحماســة والإقبال.
   فإن في تاريخ هذا اليوم درسا يهزّ منا السواكن، ويَشحَذ فينا الإرادة، ويُهيئ لنا ولكم أيها الشباب السّبل القويمة للإتعاظ بعبَر الأسلاف..
    ألا فليعلم الجميع أنّ الأمنَ واللحمةَ الوطنية وتماسكَ المجتمع وحمايةَ المُقدَّسات هي أعلى وأغلى ما نملِك بعد عزِّ الإسلام وحفظ الدين، وأن هذا الوطن ـ بعون من  الله ـ شارك في صنعه آباؤنا وأجدادنا، ويسهر عليه ـ بتوفيق من الله ـ رجال من أبناء هذا الوطن، يحفظون أمننا ومقدَّساتنا وسعادتنا وأحوالنا وأموالنا وأنفسنا وأهلينا.
     والسّاحة للصادقين المخلصين، والانتماء الوطني هو الأغلى، وتيّار الحقّ والكرامة هو الأقوى، في عدالة سائدة وحرية منضبطة وشعور جماعيّ بالحفاظ على الوطن والممتلكات والمكتسبات، والبعد والتصدّي لكلّ فتنة أو مسلك أو دعوة تهدّد الوطن ووحدته والمجتمع وعيشه.
    ألا فكونوا صفّا واحدا في كتيبة واحدة متراصّة لمواصلة الطريق، متعاونين على البرِ والتّقوى لا على الإثم والعُدوان، وحافظوا على تراثكم المجيد، ومجدكم العظيم، الذي ورثتموه عن أسلافكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون.
      نسأل اللهَ سبحانه أن يغمر أرواح شهدائنا ـ الذين عبدوا لنا طريق العزة والكرامة ـ برحمته، وأن يمتّع المجاهدين الباقين بالصحة والعافية، وأن يمكّن لناشئتنا من أسباب الرقي والسؤدد ما يجعلهم خير خلف لخير سلف..

     اللهم بارك في الجزائر، أرضِها وسمائها وأكثر خيرها في بَرِّها ومائها، واجعلها بلدا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

04 أكتوبر 2017



الموضوع: الشأن في الزكاة أن يأخذها آخذ، ويردها رادّ..

الخطبة الأولى
    الحمد لله مستوجب الحمد برزقه المبسوط، وكاشف الضرّ بعد القنوط، الذي خلق الخلق وبسط الرزق. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أفاض على العالمين أصناف الأموال، وابتلاهم فيها بتقلب الأحوال، أحمده سبحانه وأشكره، والشكر واجب له على كل حال. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وضع أسس التكافل بين الجماعة الإسلامية، فوثق الروابط وشد الإخاء. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
  أما بعد: فأوصيكم ـ عباد الله ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، فمن اتقى الله كفاه، ومن اتقى الناس لن يغنوا عنه من الله شيئًا. أوصيكم بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، الواعظون بها كثير، والعاملون بها قليل، جعلنا الله وإياكم من المتقين.  
     أيها المسلمون: إن الزكاة من أكبر آيات الإيمان، وموجبات الثواب والرضوان، إنها تبوئ غرف الجنان. وهي زكاة بما تحمله من اسم طيّب، تزكي الأنفس والأبدان والأموال. قال تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم". التوبة:153.
   وإننّي في هذا المقام، لا أريد أن أتحدث فرضية الزكاة، ولا عن من تجب عليهم، ولا عن وعائها ومقاديرها ومصارفها، فإن ذلك له وقت آخر، ولكن أريد أن أقف اليوم لتعلموا:
    أن الزكاة ليست منحة من القادرين للمعوزين، أو نحلة من الموسرين للمحتاجين، وإنما هي حق للفقير والمحتاج، أُودع لدى الغني الموسر أمانة عنده، يقوم على حفظها ورعايتها. وعليه أن يردّ الوديعة والأمانة إلى صاحبها. وهذا هو الأسلوب الذي أدبنا به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث استخدم لفظ إعادة الحق إلى أهله الفقراء والمحتاجين. لقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن قائلا: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هـم أطـاعـوا لذلك، فأعلمهم أن الله عز وجل افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تأخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".  رواه الجماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
     ثم لتعلموا-أيها المسلمون ـ: كذلك أنّ الزكاة هي أرفع أركان الإسلام شأنا. وأكثر أوامره ذكرا، وأوفر مقاصده عناية، ولو ذهبنا نستقصي ما نزل في القرآن الكريم من الآيات في العبادات، لوجدنا أن آي الصوم في القرآن أربع آيات، وأي الحج بضع عشرة آية، وآي الصلاة لا تبلغ الثلاثين، أما آي الزكاة والصدقة فإنها تربو على خمسين. لذا أكد النبي صلى الله عليه وسلم فرضيتها وبين مكانتها في دين الله، ورغّب في أدائها ورهّب من منعها بأحاديث شتى وأساليب متنوعة. أذكر منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني بشدقيه– ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية: "ولا تحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة".
     لعلكم–عباد الله–من ذكر هذا الحديث تدركون أهمية الزكاة في الإسلام، فهي ليست فرعا ولا نافلة، ولا بالقدر الذي يخفي أثره في حياة الفرد والمجتمع.
   ذلكـم أيهـا المسلمون: إن الزكاة ليس حقا موكولا للأفراد، يؤدّيه منهم من يرجو الله والدار الآخرة، ويَدَعه من ضعف يقينه بالله والدار الآخرة، كلا!. إنها ليست إحسانا فرديا، وإنما هو تنظيم اجتماعي تشرف عليه الدولة، وهو من واجباتها الأساسية. قال تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور". الحج 41 .
     ولقد كان صلى الله عليه وسلم يوجّه ولاّته وسعاتـه إلى الأقاليم والبلدان لجمع الزكاة، ويأمرهم أن يأخذوا الزكاة من أغنياء البلد ثم يردونها على فقرائه، ولقد سمعتم آنـفا حديـث معاذ بن جبل المتفق عليه. وشاهدنا منه قوله صلى الله عليه وسلم: "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم...". فبين الحديث: أن الشأن في الزكاة أن يأخذها آخذ، ويردها رادّ، لا أن تترك لاختيار من وجبت عليه.
     قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر:"… استُدِل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منهم أخذت منه قهرا". فتح الباري 5/123. هذا هو الذي جاءت به السنة القولية، وأكدته السنة العلمية، والواقع التاريخي الذي جرى عليه العمل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده.
      وبهذه المناسبة فإني أدعو أولئك الذين آتاهم الله من فضله، أن يخرجوا زكاة أموالهم طيبة بها أنفسهم، واضعيها في الحساب البنكي لهيئة الزكاة. لتقوم نيابة عنهم بتوزيعها وصولا إلى أصحاب الحاجة، خاصّة الذين لا يسألون الناس إلحافا، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.
    ولقد جُبل الجزائريون- مثل إخوانهم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها- على فعل الخير وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حيث الأفراد يتولون إخراج زكواتهم، ويقومون بأنـفـسهم بالسؤال عن المحتاجين، وتفقد الفقراء وإيصال الزكاة إليهم لسد حاجتهم ويعانون في ذلك مشقة في إخراجها والبحث عن مستحقيها،  والحال هذه، فإن الزكاة لا تؤتي ثمارها، لذا ارتأى الخيّرون من هذه الأمة– بارك الله جهودهم– على إيجاد نظام حديث ومتقدم، يرعى شؤون الزكاة – يتولى جمعها وتوزيعها في أبواب الزكاة المشروعة، وكان بحمد الله صدور القانون بإنشاء هيئة الزكاة .  
   فاتقوا الله عباد الله: وأدُّوا زكاة أمولكم طيبة بها أنفسكم. ضعوها في صندوق الزكاة، أدّوها من ولاه الله أمركم، فمن برّ فلنفسه، ومن أثم فعليها، قـال تـعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله .... ما كنتم تكنزون". التوبة: 34.
     أقول قولي هذا....

الخطبة الثانية
   الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمد عبده ورسوله الأمين، صلى الله عـلـيـه وعـلـى آلـه وصحـبـه أجمعين.
     أما بعد: فقد روى مسلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدّي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، كلما مضى عليه أخراها رُدّت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدون. ثم يرى سبيله إما إلى الجنة أو النار".
   فاتقوا الله، عباد الله: وأدّوا زكاة مالكم طيبة بها أنفسكم، مبرهنين على إنسانيتكم وإيمانكم، كفكفوا دموع اليتامى والأيامى من إخوانكم وأخواتكم، وانهضوا بهذا المشروع. وأدّوها إلى لجنة الزكاة التي تعمل على سعادتكم، "وأنـفـقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".
    اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم أكفنا بحلالك عن حرامك واغننا بفضلك عمن سواك يا رب العالمين، اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبيل السلام. واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، ووفق– اللهم- ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى يا ذا الجلال والإكرام. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.