12 أبريل 2018

الموضوع: حول شهداء مأساة تحطم الطائرة العسكرية.

الخطبة الأولى
    الحمد لله المنفرد بالبقاء والقهر، الواحد الأحد ذي العزة والستر، لا ندّ له فيبارى، ولا شريك له فيدارى، كتب الفناء على أهل هذه الدار، وجعل الجنة عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار، قدر مقادير الخلائق وأقسامها، وبعث أمراضها وأسقامها، وخلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، جعل للمحسنين الدرجات، وللمسيئين الدركات. وأشهد أن لا إله إلا هو مفرج الهموم ومنفس الكروب ومبدد الأشجان والأحزان والغموم، جعل بعد الشدة فرجاً وبعد الضر والضيق سعة ومخرجاً، لم يُخلِ محنة من منحة ولا نقمة من نعمة ولا نكبة ورزية من هبة وعطية، نحمده على حلو القضاء ومرّه، ونعوذ به من سطواته ومكره ونشكره على ما أنفذ من أمره، وعلى كل حال نحمده. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، دعانا إلى الجنة وأرشدنا إلى إتباع السنة، وأخبر أن أعلانا منزلة أعظمنا صبراً، من استرجع واحتسب مصيبته كانت له ذخراً ومنزلة عالية وقدراً، وكان مقتفياً هدياً ومتبعاً أثراً. صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأزواجه وذرياته الأخيار وسلم تسليماً كثيراً متصلاً مستمراً.
    أما بعد، فاتقوا الله عباد الله واستغفروه واعلموا أنكم إليه راجعون، واعلموا أن أقدامكم على النار لا تقوى، وأن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم، فـ "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني ".
إن الحبيب من الأحباب مختلس   لا يمنع الموت بوّاب ولا حرس
وكيف يفرح بالدنيا ولذَّتــــــــــــــها     فتًى يعدُّ عليه اللفظ والنفس
  أيها المسلمون: من تأمل في أحوال الخلائق علم علم اليقين أنه ما من مخلوق إلا وكان له نصيب من آلام الدنيا وأحزانها، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " لكل فرحةٍ ترحة، وما مُلئ بيت فرحاً إلا وملئ ترحاً".
حكم المنية في البرية جاري * ما هذه الدنيا بدار قرار
بينما يرى الإنسان فيها مخبرا * ألفيته خبرا من الأخبار
   ذكر ابن الجوزي بإسناده عن عبد الله بن زياد قال: حدثني بعض من قرأ في الكتب أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها وبلغ أرض بابل مرض مرضاً شديداً، فعلم أنه مرض الموت وأشفق على نفسه فكتب لأمه معزياً في ذكاء قائلاً: يا أماه، إذا جاءك كتابي فاصنعي طعاماً واجمعي من قدرت من الناس ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة، وتسألي هل وجدت لشيء قراراً. إني لأرجو أن الذي أذهب إليه خيراً مما أنا فيه. فلما وصل كتابه صنعت طعاماً عظيماً وجمعت الناس وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة. فلم يتقدم أحد من هذا الطعام، فعلمت مراد ابنها فقالت: بني، من مبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت وعزيتني فتعزيت فعليك السلام حياً وميتاً. (تسلية أهل المصائب صـ20،21(.
فيا من ابتليتم بفقد قريب أو حميم، أو بفقد ابن أو وبنت، أو زوج أو زوجة، أو ولد أو والد في مأساة تحطم الطائرة العسكرية "أليوشين" المخصصة للنقل والإمداد صباح يوم الأربعاء 11أبريل 2018 ببني مرّاد قرب مطار بوفاريك العسكري بالبليدة، اعلموا أن ذلك ليس في الموت ببديع ولكن نحسبهم شهداء، فاصبروا وأبشروا، فقد بشّر الله أصحاب المصائب إنْ هم صبروا بالأجر العظيم والكبير، فلله الحمد على فضله وجزيل عطائه، قال تعالى: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" الزمر:10
روى الشيخان البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله". وزاد أحمد فيما رواه بسند صحيح على هذه الخمس "صاحب ذات الجنب، والمرآة تموت بجمع شهيدة". قال الحافظ ابن حجر: وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة. وذكر منهم: اللديغ، والشريق، والذي يفترسه السبع، والخار عن دابته، والمائد في البحر الذي يصيبه القيء، ومن تردّى من رؤوس الجبال. قال النووي: قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادة يتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها. اهـ. قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء. اهـ
    فمن جمعت له هذه الأوصاف أو وصف منها فهو شهيد في الجزائر أو في أي بلد من البلاد متى كان مسلما موحداً للمولى تبارك وتعالى. فهؤلاء الذين قضوا في الطائرة المذكورة ـ وكما ذهب جمهور الفقهاءـ لهم وصف الشهادة في الدنيا، ونحسبهم كذلك في الآخرة دون قطع أو إيجاب على الله تعالى إلا إنهم يغسلون ويصلى عليهم. ولقد سئل ابن تيمية: عن رجل ركب البحر للتجارة فغرق فهل مات شهيدًا؟ أجاب: نعم مات شهيدًا إذا لم يكن عاصيًّا بركوبه. اهـ
أيها المسلمون: والموتُ إذا أقبلَ هيَّأَ اللهُ سبحانه له الأسباب، فمنهم من يموت بمرض من الأمراض، ومنهم من يموت بالقتل، ومنهم من يموت بالخنق أو التردي من شواهق الجبال أو غيرها ومنهم من يموت في حوادث السيارات وما شابهها، قال ابن نُباتة السعدي -بضم النون توفي سنة خمس وأربعمائة-:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره * تعددت الأسباب والموت واحدُ
   ومنهم من يموت مِيتة مشرِّفة، كمن يموت في سبيلٍ من سُبُل الخير؛ يموت غاديا إلى المسجد أو رائحا، أو ساعيا على أهله، أو يموت شهيدا في سبيل الله، فيُذكر على إثرها بالخير، ويورث الثناءَ الحسن، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، (أي مدحوا صاحبها) فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، (أي ذموا صاحبها) فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْت: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ". رواه البخاري، ومسلم واللفظ له.
   أيها المسلمون: ونهاية المطاف، وثمر القطاف أن رجال الجزائر الذين قضوا في هذه المأساة، لا نحسبهم إلا من الشهداء والله حسيبهم، ذهب كل واحد منهم إلى ربه ومعه تفاصيل حياته، أحسن الرحمن وفادتهم وطيب ثراهم وأكرم مثواهم. وجعل أرواحهم في اجواف طير خضر تسرح من الجنة حيث شاءت.
    وفي فترات المحن والمصائب تختبر المبادئ والشعارات المرفوعة، وتوضع معاني الأخوة والتضامن على المحك فيظهر الصادقون من الكاذبين، ويتميز الأوفياء عن المتنكرين، ولقد اختُبر الجزائريون في هذا المصاب فتضامنوا حتى لكأنما بلاياهم أعياد، لأن مثل هذه الأحوال تواجه بالصبر والاحتساب، والتحرك السريع لتضميد الجراح والتضامن والمواساة، ولقد كان الجزائريون كذلك، فاللهم زدهم ولا تنقصهم وأكرمهم ولا تهنهم. اللهم وتقبل شهداءنا في الصالحين، واجعل درجاتهم في عليين، في مقعد صدق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم آمين..
  أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
  
الخطبة الثانية
       الحمد لله الولي الحميد الفعال لما يريد، أحمده سبحانه، خضعت له الرقاب، وذلت له العبيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نديد، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صاحب القول السديد، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الوعيد.
     أما بعد: أيّها المسلمون، إنكم في دارٍ ليست للبقاء وإن تراخى العمر وامتدَّ المدى. أيّامُها مراحل، وساعاتها قلائل، والمرءُ لا شكَّ عنها راحِل. شبابُها هرَم، وراحتُها سَقَم، ولذّاتُها نَدَم. الدنيا قنطرةٌ لمن عَبَر وعبرةٌ لمن استبصَر واعتبر، "وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ". آل عمران:185 .
     فاستبقوا الخيرات، وبادِروا قبل أن تتمنّوا المهلةَ وهيهاتَ هيهات، ولا تغترّوا بحياةٍ تقود إلى الممَات، لا يُرى في حُشودِها إلاّ الشتات، ولا يُسمَع في ربوعِها إلا "فلان مرِض" و"فلان مات".
     وإذا كان الموت مصير كل حي ونهاية كل شيء ألا يتعظ العاقل وينزجر الغافل من الغفلة عن المصير، والسؤال عن الكبير والصغير؟ "قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ". الجمعة:8
اليوم تُعزِّي وغدا يعزى فيك، واليوم تبكي وغدا يبكى عليك، وإذا حَملتَ إلى القبور جنازة فاعلم بأنك بعدها محمول ،أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ".   آل عمران: 185.
تزود من التقوى فإنك لا تدري * إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجـر
فكـم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا * وقد نسجت أكفانه وهو لا يـدري
وكم من صغار يرتجى لهم طول العمر * وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبـر
وكـم من عروس زينوها لعرسـها * وقد قبضت أرواحهم ليلـة القـدر
وكـم من صحيح مات من غير علة * وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
فـمن عـاش ألفـا وألفيـن إنـه * لابـد من يـوم يسـير إلى القبر
     اللهم أيقضنا من سنة الغفلة، ووفقنا للتزود ليوم النقلة، اللهم ارحم غربتنا في القبور، وآمنا يوم البعث والنشور، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم وإنا نسألك في هذه اللحظات المباركات بقلوب خاشعة ونفوس موقنة مطمئنة أن تغفر لمن فقدناهم في هذه المأساة، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم، واغسلهم بماء وثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اشكر حسناتهم واغفر سيئاتهم، وأعذهم من عذاب القبر، واجمع لهم برحمتك الأمن من عذابك، واكفهم كل هول دون الجنة، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم. واغفر لنا ولهم، اللهم وصُبّ على أهليهم وذويهم من الرحمات عدد ما سكبوا من العبرات وكظموا من الأنات، واجعل مصابهم من الباقيات الصالحات، اللهم بارك فِي الجزائر أَرْضها وسمائها وأكثر خيرها في بَرِّها ومائِها واحفظ أمنها وعقيدتها من كيد الأعداء ودسائس المغرضين واجعلها آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين..  

24 يناير 2018



الموضوع: ظاهرة انتشار الطلاق

الخطبة الأولى
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا". "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما". وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله.
  أما بعد: فيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق التقوى، وتمسّكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي، فإن أقدامكم على النار لا تقوى. واعلموا أن الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
      عباد الله: يحكي واقع كثير من الناس اليوم صورا شتّى من اللامبالاة بقيم الألفاظ ودلالات الكلام وثمراته، ترى الكلمة تخرج من فم المرء لا يلقى لها بالا، ربما أهوت به في مسالك الضياع والرذيلة، استحقر بعضهم حجم الكلمات، واستنكف عن معانيها، وما علم أولئك أن الحرب مبدأها الكلام!.
  أيها الناس: أيستغرب أحدكم لو قيل له إن كلمة من الكلمات تكون معولا صلبا يهدم به صرح أسر وبيوتات؟.
 أيستغرب أحدكم لو قيل له إن كلمة من الكلمات تحرك أفراد وجماعات، وتنشئ تزلفا وشفاعات، لرأب ما صدعت، وجمع ما فرقت؟.
  إنها: كلمة الطلاق.. وما أدراك ما الطلاق؟. كلمة أبكت عيونا، وأجهشت قلوبا، وروّعت أفئدة، قطّعت أواصر، وهدّمت بيوتا !.
     أيها المسلمون: الطلاق كلمة لا ينازع أحد في جدواها، وحاجة الزوجين إليها حينما يتعذر العيش تحت ظل سقف واحد، فإذا بلغ النفور مبلغا يصعب معه التودد. فالواجب أن يفترقا بالمعروف والإحسان، كما اجتمعا بهذا القصد، قال تعالى: "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته، وكان الله واسعا حكيما ". النساء: 130.
   عباد الله: إن الله لم يخلق الزوجين بطباع واحدة، والزوجان اللذان يظنّان أنهما مخلوق واحد، يعيشان في أوهام، إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكّر برأسه، وكيف تريد منه هي أن يحس بقلبها؟ .
إن النسيم لا يهب عليلا داخل البيت على الدوام، فقد يتعكّر الجو، وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة نوع وهم، ومن العقل توطين النفوس على قبول بعض المناقشات، قال تعالى: "فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا". وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي آخر". رواه مسلم.
    وإن المتأمل في الشريعة الإلهية، وكيف عالجت المشكلات الزوجية بين المرء وزوجه لَينبهر بدقة التشريع الإسلامي في هذا الشأن، فلقد أغلقت جميع المنافذ التي تؤدي للطلاق وتأخيرها وإعطاء أكثر من فرصة للزوجين ليراجعا نفسيهما قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة..  
   ولكن للأسف ..تهاونَ كثير من الناس في أمر الطّلاق وجعلوه أمرًا ميسورًا، وإنها لأرقام مفزعة كشف عنها معالي وزير العدل حافظ الأختام يوم الخميس حيث ذكر أنه تمّ تسجيل 68284حالة طلاق في الجزائر ، وبعملية حسابية بسيطة تعد ما يزيد على 187حالة طلاق في اليوم الواحد تقريبا، بمعنى ما معدله 8 حالات طلاق في الساعة الواحدة، (جريدة أخبار اليوم العدد: 3241 يوم: 06 يناير 2018)، وإن بلوغ المجتمعِ هذه الأرقام في حالات الطلاق مخيف ومرعب قد يخلطُ الأوراق لإعادة النظر في حلول مجدية.  
فهلّأ تساءلنا لماذا كثر الطلاق في أيامنا هذه؟  
* نعم كثر الطلاق.. لأن كثيرا من الأسر تعاني افتقارا حادا في الحنان الزوجي، نظرا لطبيعة حياتهم التي تعتمد على كثرة المشاغل والبروتوكولات التي أضفت علاقة رسمية آلية بين الزوجين.  
   * نعم كثر الطلاق.. بسبب الذهنيات الخاطئة للزوجين عن الأسرة والزواج بتماديهم في الأحلام المزيفة وتقليدهم للأفلام المدبلجة فيسقطون عند أول مشكل..  
* نعم كثر الطلاق... بسبب موضة مواقع التواصل الاجتماعي فتجد الزوج يغازل مئات الفتيات ويكوّن علاقات افتراضية مع النساء، وكذلك الأمر بالنسبة للزوجة وهذا ما يتسبب في غالب الأحيان في الخيانات الإلكترونية التي تتطور إلى خيانات واقعية فتحدث بعد ذلك الفضيحة وينشأ الطلاق..  
  * نعم كثر الطلاق.. لأن المرأة باتت أكثر جرأة باعتقادها أنها قادرة على تسيير حياتها ورعاية أبنائها دون الحاجة إلى رجل، فعند أي خلاف زوجي تجد المرأة في كثير من الأحيان هي من تطلب الخلع أو الطلاق دون اعتبار لأي أحد، لأن عملها وشهادت يعتبران بالنسبة إليها بمثابة الأمان..  
  * نعم كثر الطلاق.. بسبب التعديلات التي مست قانون الأسرة لسنة 2005، فلقد كانت المرأة الجزائرية في وقت سابق لا تلجأ لطلب الخلع "التطليق" إلا إذا بلغت أقسى مراحل المعاناة، وكانت تصبر في أحلك الفترات خوفا من الوقوع في أبغض الحلال، أما اليوم فحتى عجوز في عقدها السادس تستجمع قواها وتقررت تطليق زوجها وبأي حجة زينها لها شيطانها..  
   * نعم كثر الطلاق... لكثرة الحسّاد والوشاة، فنكّسوا الطّباع وعكسوا الأوضاع، وصيروا أسباب المودة والإلتئام عللا للتباغض والإنقسام.. وكثيرا ما يكون. لأهل الزوجين مواقف ظاهرة بدت سببا مباشرا في كثير من الخلافات، فقد يتدخل الأب أو الأم أو الأخ، فيحتار الزوج من يقدّم، والديه وقد عرفاه وليدا وربياه صغيرا، أم زوجته التي هجرت أهلها وفارقت عشّها من أجله؟.
     إن هذه لمرتقات صعبة، أهونها أصعب الصعاب، وأحلاها أمرّ من المرّ. لقد سئل الإمام أحمد رحمة الله عليه عن ذلك، قال له رجل: إن أبي يأمرني بطلاق امرأتي؟. قال: لا تطلقها. قال: أليس عمر – رضي الله عنه أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته؟ قال: "حتى يكون أبوك مثل عمر رضي الله عنه"!. فمثل مثل هذه التدخلات في الحياة الزوجية لهي مكمن الخطر لدى كثير من الأسر، ما بالهم يهجمون على البيوت، فيأتونها من ظهورها، ويمزقون ستارها؟. إنه لا يغيب عن فهم عاقل إن شرّ هؤلاء مستطير وإن ما يفعلونه فتنة وفساد كبير!.
* نعم كثر الطلاق.. لأن معظم الشرور والنكبات التي أصابت الأسر، والبلايا التي حلت بها، كانت بسبب ضعف التدين، لأنه متى كان الدّين بين كل زوج زوجته، فمهما اختلفا وتدابرا وتعقدت نفساهما، فإن كل عقدة لا تجيء إلا ومعها الحل: "ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه". وهو اليسر والمساهلة والرحمة والمودة..  
* نعم كثر الطلاق وذلك لأن بيوتات كثيرة فقدت روح التديّن، فهي تتنفس في جو من الشراسة والنكد، واكتنفتها أزمات عقلية وخلقية  واجتماعية، فقد تطلق المرأة  في رطل لحم علق الرجل به طلاقها إن قامت بشرائه، أو كونها لم تهيئ له طعاما، أولم تغسل  له ثوبا، أو قد تأخذه حماقة وسفاهة أثناء مغالطة في بيع أو شراء أو أخذ أو عطاء، أو منازعة في بعض الأمور التافهة التي لا تهدف إلى شيء، فيطلق زوجته وهي غافلة من غير ما سبب ولا ذنب، ربما طلق ثلاثا -طلاقا محرما نهى الله ورسوله عنه - جمع الطلاق بلفظ واحد في آن واحد– لم يترك للصلح موضعا، خالف أمر الله، وعصى رسول الله، وأطاع الشيطان فيما يحبه ويتمناه. وبعد ذلك يسعى بكل جهده لمحاولة الإرتجاع، فيذهب إلى ذلك الإمام، ويعود إلى هذا المفتي، لعله يجد مخرجا، وهو لم يتق الله. لقد كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا، قال: "لو اتقيت الله، جعل لك مخرجا ". لا يزيده على ذلك.

  ** وبعد، أيها المسلمون: فأسباب الطلاق في مجتمعنا كثيرة ومتعدة، ولكن هذا ما سمحت به هذه المساحة المحدودة هنا وبعضها على الصورة المصاحبة، للتنبيه على العلاج والدواء فإن المرض إذا عرف سببه أمكن علاجه بإذن الله. والبعدُ عن هذه الأسباب واجتنابها والتحلي بما يضادها مما يوافق الشرع الخلق الكريم كفيل إن شاء الله باستمرار الحياة الزوجية السعيدة وتجاوز ما يعترض طريقها من العقبات التي لا يكاد يخلو منها عش الزوجية، فإن كل عقدة لا تجيء إلا ومعها الحل: "ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه".  وهو اليسر والمساهلة والرحمة والمودة.
قال صلـى الله عليه وسلم: "خيـركم خيركم لأهله، وأنـا خيركم لأهلي". وقال: "أظفر بذات الدين تربت يداك"، وثمرة الدين تظهر في مثل ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، قول عائشة رضي الله عنها: "يا معشر النساء لو تعلمنّ بحق أزواجكنّ لجعلت المرأة منكنّ تمسح الغبار عن وجه زوجها بنحر وجهها". ألا ما أحمق المرأة تسيء معاملة زوجها، وما أجهل الرجل يسيء معاشرة امرأته !.
     فتذكروا – هذا عباد الله – واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه .

الخطبة الثانية
   الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله.
     أما بعد: فيا عباد الله، إن العلاقات الزوجية عميقة الجذور. بعيدة الآماد. فرحم الله رجلا محمود السيرة، طيب السريرة، سهلا رفيقا لينا رؤوفا رحيما بأهله، لا يكلف زوجته من الأمر شططا، وبارك الله في امرأة لا تطلب من زوجها غلطا، ولا تحدث عنده لغطا. قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان: "إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، دخلت المن أي أبواب الجنة شاءت".
وزوجة المرء عون يستعين به * على الحياة ونور في دياجيها
مسلاة فكرته إن بات في كـــدرٍ * مدّت له تواسه أياديـــها
في الحزن فرحته تحنو فتجعــــله
* ينسى آلاماً قد كان يعافيها
وزوجها يدأب في تحصيل عيشه
* دأباً ويُجهد منه النفس يشقيها
إن عاد للبيت وجد ثغر زوجــــته
* يَفْتُرُ عمّا يسُّر النفس يُشفيها
وزوجُــــها مَلِكٌ، والبيت مملكةٌ *والحب عطر يسري في نواحيها
   اللهم إنا نسألك أن تهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، اللهم ألف بين كل أخ وأخيه، وكل زوج وزوجته، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، اللهم ووفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى يا ذا الجلال والإكرام، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين..