11 مايو 2018


الموضوع: شهر رمضان، الحبيب الذي طال انتظاره.. 
 
الخطبة الأولى
      الحمد لله يمنُّ على عباده بمواسم الخير أفراحًا، ويدفع عنهم بلطفه أسباب الردى شرورًا وأتراحًا، أحمده تعالى وأشكره شكرًا يتجدد ويتألق غدوًا ورواحًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مبدع الكائنات أرواحًا وأشباحًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله رافع لواء الدين دعوة وإصلاحًا، والهادي إلى طريق الرشاد سعادة وفلاحًا.  صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خيار هذه الأمة تقىً وصلاحًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام مساءً وصباحًا، وسلم تسليمًا كثيرًا.
       أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله -جل وعلا-، فهي العدّة العتيدة لمن رام خيرًا وصلاحًا، ونَشَد عزًا وفلاحًا، وقَصد برًّا وتوفيقًا ونجاحًا.
    أيها المسلمون، قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ". البقرة:183. فـ"اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال خير ورشد".
      عباد الله: بهذه المعاني كان عليه الصلاة والسلام يستقبل رمضان، إيذانا منه للبشرية جمعاء وللمسلمين خاصة، بأن دين الله عزّ وجل إنما جاء لتطهير العقائد وتربية النفوس وصقل الأفكار الهائجة التي تمرّدت على فطرة خالقها، وسلكت دون الإسلام سبيلا، ورمضان بالمفهوم الذي في ـ استشرافه: أمن وإيمان، سلامة وإسلام، مناسبة لتجديد الولاء لمثل هذه المعاني، ومحطّة للتذكر والتذكار.
     فالواجب يملي علينا ونحن نستقبل هذا الشهر المبارك، أن نقف مرة أخرى لمراجعة ذواتنا بصدق، لأن ذلك هو الكفيل باسترجاع أمجاد زمان، وتدارك ما فات، يوم أن كانت الشمس لا تغرب على دولة الإسلام، ويوم أن كان ولي أمر المسلمين يخاطب السحاب قائلا: سيأتينا خراجك أينما كنت.. فإذا ما كان رمضان فرصة للإنتصار على شهوات النفس ورغباتها، فلننتصر نحن على أنانيتنا، ولنحقق معنى التقوى لننال العزة والإكرم.
         أيها المسلمون: إن شهر رمضان هو الحبيب الذي طال انتظاره، واستبدّ الشوق بالقلوب للقياه، وإن لقدوم الحبيب الغائب لفرحة ما أروعها من فرحة، فيا با غي الخير أبشر، ويا با غي الشر أقصر..
       لقد كان سلفنا الصالح من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان يهتمّون بشهر رمضان، ويفرحون بقدومه. وأيّ فرح أعظم من الإخبار بقرب رمضان موسم الخيرات والمغفرة وتنزل الرحمات.. ها هو ذا صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه ويبشرنا، فيقول: "أتاكم رمضان، شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبوب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم".  رواه النسائي والبيهقي. قال ابن رجب رحمه الله: هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضُهم بعضاً بشهر رمضان.
وكيف لا يُـبشَّر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟
وكيف لا يـبشر المذنب بغلق أبواب النيران؟
وكيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان؟
    إنها البشارة التي عمل لها العاملون.. وشمر لها المشمّرون.. وفرح بقدومها المؤمنون .. فيا عبد الله: أين فرحتك؟ وأين شوقك؟!. 
إذا رمضان أتى مقبلاً ** فأقبل فبالخير يستقبلُ
لعـــــــلك تخطـــــئه قابلاً ** وتأتي بعـذر فلا يقـــبلُ
          إن شهر رمضان هو شهر الطاعات بكل أنواعها، صيام وقيام جود وقرآن وصلوات وإحسان وتهجد وتراويح وأذكار وتسابيح..  وبلوغه نعمة كبرى يقدّرها الصالحون المشمّرون، وإن الواجب علينا هو استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة، وإنها لئن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة، فأيّ خسارة أعظم من أن يدخل المرء فيمن عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه على منبره في مساءلة بينه وبين الأمين جبريل عليه السلام فقال: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله فقل آمين، فقلت آمين".  صحيح ابن حبان.  
       أيها المسلمون: هذا الشهر العظيم له في نفوس الصالحين بهجة، فأوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، والنفوس الطاهرة تعلو حين تغتنم الفرصة الذهبية والهدية الإلهية، فتترك كثيرا من اللذائذ وتنفطم عن كثير من الرغائب، لأن الراحة لا تنال أبدا بالراحة، ولأن سلعة الله غالية، أما عبّاد المادة وعبّاد الشهوات وأرباب الهوى فإنهم يعيشون لغرائزهم وأهوائهم، وهم الذين أخبر عنهم المولى في قوله: "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون".
      نعم.. للأسف انعكست المفاهيم عند البعض، وأصبح استقبالهم لهذا الشهر الكريم استقبالاً واستعدادًا للمأكولات والمشروبات والمقليات والمعجنات، مبالغة في إعطاء نفوسهم ما تشتهيه، وكأنه موسم البطون، ومضمار تتنافس فيه الموائد الزاخرة بصنوف الأطعمة وألوان الأشربة، فتراهم يفزعون إلى الأسواق من كل فج عميق، يكيلون من الأطعمة ويتزودون من الكماليات، وكأن رمضان حفلة زفاف أو وليمة نجاح تبسط فيها الموائد العريضة، وتنشر الأطعمة المتنوعة، ثم ترمى في النفايات..
      فهل ترون يا إخوة الإيمان أضعف همة وأنجس بضاعة، ممن أنعم الله عليه بإدراك شهر المغفرة ثم لم يتعرض فيه للنفحات؟..
جاء شهر الخيرات بالبركات ** فأكرم به من زائرٍ هو آت
    فيا أمة الصيام ويا أمة القيام: اتقوا الله وأكرموا هذا الزائر، فإنه أحق بالإكرام، جاهدوا النفوس بالطاعات، وتقربوا إلى ربكم وابذلوا الفضل من أموالكم في البر والصلات، وجدّدوا العهد مع الله، وشدوا العزم على الاستقامة، واتقوا الله فإن تقوى الله أقوى وأقوم.
إذا هلّ الهلال على العبادة ** فسارع يا أخيّ لجمع الزاد
فإن الشـــــــــــهر أيام ستـــــمـــــــضي ** وتبقى حســــرة لذوي الرقــــاد
    جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاكم شهر رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه برحمته، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم رحمة الله".
فاللهم أهله علينا بالخير والإيمان، والسلامة والإسلام، والفراغ من الشغل والسلامة من الأسقام، برحمتك وفضلك يا أرحم الراحمين.. هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية
    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.
     أما بعد، فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، أن رجلين من بُلَىٍّ (حي من قبيلة قُضَاعَة) قدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامهما جميعا، فكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفّى. قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فأذِن للذي توفّي الآخِر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد، فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدّثوه الحديث، فقال: من أيّ ذلك تعجبون؟. فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدّ الرجلين اجتهاداً، ثم استُشهد، ودخل هذا الآخِرُ الجنةَ قبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض.
   الله أكبر، إن بلوغَ رمضانَ نعمةٌ عظيمة، وفضلٌ كبير من الله تعالى، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان.
   ألا فاقدروا لهذا الشهر قدره ـ أيها المسلمون ـ وإياكم أن تفَرِّطوا في لحظاته، فضلا عن أيامه ولياليه. إياكم أن تجعلوا أيام رمضان كأيامكم العادية، بل اجعلوها غرةً بيضاءَ في جبين أيام أعماركم. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك، عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك، ويوم فطرك سواء".
      فيا عبد الله: إذا كنت قبل رمضان كسولاً عن شهود الصلوات في المساجد، فاعقِدِ العزم في رمضان على عمارة بيوت الله، عسى الله تعالى أن يوفقك لذلك حتى الممات، وإذا كنت شحيحاً بالمال فاجعل رمضان موسماً للبذل والجود، فهو شهر الجود والإحسان. وإذا كنت غافلاً عن ذكر الله تعالى فاجعل رمضان أيام ذكر ودعاء وتلاوة لكتاب ربك تعالى، فهو شهر القرآن.
أتى رمضان مزرعــــــــــة العـــــباد * لتطهـــــــــــــــــير القلوب من الفساد
فأدّ حقــــــوقه قــــــــــولا وفــــــــعــــلا * وزادك فاتّخِـــــــــــــــــذه إلى المعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها * تــــــــــــــــأوّه نادما يـــــــــوم الحصــــــــاد
      فيا أيها المسلمون ـ أروا الله من أنفسكم خيرًا، افتحوا صفحة جديدة من حياتكم، مسطرة بأحرف الخير والبر والتقوى والعمل الصالح.
      فاللهم بلغنا بمنك وكرمك شهر رمضان، اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام والفراغ من الأشغال والسلامة من الأسقام والتوفيق لما تحبه وترضاه يا ذا الجلال والإكرام، واغفر اللهم لنا ما سلف وكان، من الذنوب والخطايا والعصيان، اللهم اجعله شهر عزٍّ ونصرٍ للإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم وأعنا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانًا واحتسابًا، إنك خير مسؤول وأكرم مرتجى مأمول. برحمتك يا أرحم الراحمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

12 أبريل 2018

الموضوع: حول شهداء مأساة تحطم الطائرة العسكرية.

الخطبة الأولى
    الحمد لله المنفرد بالبقاء والقهر، الواحد الأحد ذي العزة والستر، لا ندّ له فيبارى، ولا شريك له فيدارى، كتب الفناء على أهل هذه الدار، وجعل الجنة عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار، قدر مقادير الخلائق وأقسامها، وبعث أمراضها وأسقامها، وخلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، جعل للمحسنين الدرجات، وللمسيئين الدركات. وأشهد أن لا إله إلا هو مفرج الهموم ومنفس الكروب ومبدد الأشجان والأحزان والغموم، جعل بعد الشدة فرجاً وبعد الضر والضيق سعة ومخرجاً، لم يُخلِ محنة من منحة ولا نقمة من نعمة ولا نكبة ورزية من هبة وعطية، نحمده على حلو القضاء ومرّه، ونعوذ به من سطواته ومكره ونشكره على ما أنفذ من أمره، وعلى كل حال نحمده. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، دعانا إلى الجنة وأرشدنا إلى إتباع السنة، وأخبر أن أعلانا منزلة أعظمنا صبراً، من استرجع واحتسب مصيبته كانت له ذخراً ومنزلة عالية وقدراً، وكان مقتفياً هدياً ومتبعاً أثراً. صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأزواجه وذرياته الأخيار وسلم تسليماً كثيراً متصلاً مستمراً.
    أما بعد، فاتقوا الله عباد الله واستغفروه واعلموا أنكم إليه راجعون، واعلموا أن أقدامكم على النار لا تقوى، وأن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم، فـ "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني ".
إن الحبيب من الأحباب مختلس   لا يمنع الموت بوّاب ولا حرس
وكيف يفرح بالدنيا ولذَّتــــــــــــــها     فتًى يعدُّ عليه اللفظ والنفس
  أيها المسلمون: من تأمل في أحوال الخلائق علم علم اليقين أنه ما من مخلوق إلا وكان له نصيب من آلام الدنيا وأحزانها، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " لكل فرحةٍ ترحة، وما مُلئ بيت فرحاً إلا وملئ ترحاً".
حكم المنية في البرية جاري * ما هذه الدنيا بدار قرار
بينما يرى الإنسان فيها مخبرا * ألفيته خبرا من الأخبار
   ذكر ابن الجوزي بإسناده عن عبد الله بن زياد قال: حدثني بعض من قرأ في الكتب أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها وبلغ أرض بابل مرض مرضاً شديداً، فعلم أنه مرض الموت وأشفق على نفسه فكتب لأمه معزياً في ذكاء قائلاً: يا أماه، إذا جاءك كتابي فاصنعي طعاماً واجمعي من قدرت من الناس ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة، وتسألي هل وجدت لشيء قراراً. إني لأرجو أن الذي أذهب إليه خيراً مما أنا فيه. فلما وصل كتابه صنعت طعاماً عظيماً وجمعت الناس وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة. فلم يتقدم أحد من هذا الطعام، فعلمت مراد ابنها فقالت: بني، من مبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت وعزيتني فتعزيت فعليك السلام حياً وميتاً. (تسلية أهل المصائب صـ20،21(.
فيا من ابتليتم بفقد قريب أو حميم، أو بفقد ابن أو وبنت، أو زوج أو زوجة، أو ولد أو والد في مأساة تحطم الطائرة العسكرية "أليوشين" المخصصة للنقل والإمداد صباح يوم الأربعاء 11أبريل 2018 ببني مرّاد قرب مطار بوفاريك العسكري بالبليدة، اعلموا أن ذلك ليس في الموت ببديع ولكن نحسبهم شهداء، فاصبروا وأبشروا، فقد بشّر الله أصحاب المصائب إنْ هم صبروا بالأجر العظيم والكبير، فلله الحمد على فضله وجزيل عطائه، قال تعالى: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" الزمر:10
روى الشيخان البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله". وزاد أحمد فيما رواه بسند صحيح على هذه الخمس "صاحب ذات الجنب، والمرآة تموت بجمع شهيدة". قال الحافظ ابن حجر: وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة. وذكر منهم: اللديغ، والشريق، والذي يفترسه السبع، والخار عن دابته، والمائد في البحر الذي يصيبه القيء، ومن تردّى من رؤوس الجبال. قال النووي: قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادة يتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها. اهـ. قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء. اهـ
    فمن جمعت له هذه الأوصاف أو وصف منها فهو شهيد في الجزائر أو في أي بلد من البلاد متى كان مسلما موحداً للمولى تبارك وتعالى. فهؤلاء الذين قضوا في الطائرة المذكورة ـ وكما ذهب جمهور الفقهاءـ لهم وصف الشهادة في الدنيا، ونحسبهم كذلك في الآخرة دون قطع أو إيجاب على الله تعالى إلا إنهم يغسلون ويصلى عليهم. ولقد سئل ابن تيمية: عن رجل ركب البحر للتجارة فغرق فهل مات شهيدًا؟ أجاب: نعم مات شهيدًا إذا لم يكن عاصيًّا بركوبه. اهـ
أيها المسلمون: والموتُ إذا أقبلَ هيَّأَ اللهُ سبحانه له الأسباب، فمنهم من يموت بمرض من الأمراض، ومنهم من يموت بالقتل، ومنهم من يموت بالخنق أو التردي من شواهق الجبال أو غيرها ومنهم من يموت في حوادث السيارات وما شابهها، قال ابن نُباتة السعدي -بضم النون توفي سنة خمس وأربعمائة-:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره * تعددت الأسباب والموت واحدُ
   ومنهم من يموت مِيتة مشرِّفة، كمن يموت في سبيلٍ من سُبُل الخير؛ يموت غاديا إلى المسجد أو رائحا، أو ساعيا على أهله، أو يموت شهيدا في سبيل الله، فيُذكر على إثرها بالخير، ويورث الثناءَ الحسن، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، (أي مدحوا صاحبها) فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، (أي ذموا صاحبها) فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْت: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ". رواه البخاري، ومسلم واللفظ له.
   أيها المسلمون: ونهاية المطاف، وثمر القطاف أن رجال الجزائر الذين قضوا في هذه المأساة، لا نحسبهم إلا من الشهداء والله حسيبهم، ذهب كل واحد منهم إلى ربه ومعه تفاصيل حياته، أحسن الرحمن وفادتهم وطيب ثراهم وأكرم مثواهم. وجعل أرواحهم في اجواف طير خضر تسرح من الجنة حيث شاءت.
    وفي فترات المحن والمصائب تختبر المبادئ والشعارات المرفوعة، وتوضع معاني الأخوة والتضامن على المحك فيظهر الصادقون من الكاذبين، ويتميز الأوفياء عن المتنكرين، ولقد اختُبر الجزائريون في هذا المصاب فتضامنوا حتى لكأنما بلاياهم أعياد، لأن مثل هذه الأحوال تواجه بالصبر والاحتساب، والتحرك السريع لتضميد الجراح والتضامن والمواساة، ولقد كان الجزائريون كذلك، فاللهم زدهم ولا تنقصهم وأكرمهم ولا تهنهم. اللهم وتقبل شهداءنا في الصالحين، واجعل درجاتهم في عليين، في مقعد صدق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم آمين..
  أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
  
الخطبة الثانية
       الحمد لله الولي الحميد الفعال لما يريد، أحمده سبحانه، خضعت له الرقاب، وذلت له العبيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نديد، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صاحب القول السديد، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الوعيد.
     أما بعد: أيّها المسلمون، إنكم في دارٍ ليست للبقاء وإن تراخى العمر وامتدَّ المدى. أيّامُها مراحل، وساعاتها قلائل، والمرءُ لا شكَّ عنها راحِل. شبابُها هرَم، وراحتُها سَقَم، ولذّاتُها نَدَم. الدنيا قنطرةٌ لمن عَبَر وعبرةٌ لمن استبصَر واعتبر، "وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ". آل عمران:185 .
     فاستبقوا الخيرات، وبادِروا قبل أن تتمنّوا المهلةَ وهيهاتَ هيهات، ولا تغترّوا بحياةٍ تقود إلى الممَات، لا يُرى في حُشودِها إلاّ الشتات، ولا يُسمَع في ربوعِها إلا "فلان مرِض" و"فلان مات".
     وإذا كان الموت مصير كل حي ونهاية كل شيء ألا يتعظ العاقل وينزجر الغافل من الغفلة عن المصير، والسؤال عن الكبير والصغير؟ "قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ". الجمعة:8
اليوم تُعزِّي وغدا يعزى فيك، واليوم تبكي وغدا يبكى عليك، وإذا حَملتَ إلى القبور جنازة فاعلم بأنك بعدها محمول ،أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ".   آل عمران: 185.
تزود من التقوى فإنك لا تدري * إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجـر
فكـم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا * وقد نسجت أكفانه وهو لا يـدري
وكم من صغار يرتجى لهم طول العمر * وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبـر
وكـم من عروس زينوها لعرسـها * وقد قبضت أرواحهم ليلـة القـدر
وكـم من صحيح مات من غير علة * وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
فـمن عـاش ألفـا وألفيـن إنـه * لابـد من يـوم يسـير إلى القبر
     اللهم أيقضنا من سنة الغفلة، ووفقنا للتزود ليوم النقلة، اللهم ارحم غربتنا في القبور، وآمنا يوم البعث والنشور، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم وإنا نسألك في هذه اللحظات المباركات بقلوب خاشعة ونفوس موقنة مطمئنة أن تغفر لمن فقدناهم في هذه المأساة، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم، واغسلهم بماء وثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اشكر حسناتهم واغفر سيئاتهم، وأعذهم من عذاب القبر، واجمع لهم برحمتك الأمن من عذابك، واكفهم كل هول دون الجنة، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم. واغفر لنا ولهم، اللهم وصُبّ على أهليهم وذويهم من الرحمات عدد ما سكبوا من العبرات وكظموا من الأنات، واجعل مصابهم من الباقيات الصالحات، اللهم بارك فِي الجزائر أَرْضها وسمائها وأكثر خيرها في بَرِّها ومائِها واحفظ أمنها وعقيدتها من كيد الأعداء ودسائس المغرضين واجعلها آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين..