16 أغسطس 2018


الموضوع: وقفة مع خطبة حجة الوداع..
الخطبة الأولى

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. مَنْ يهدِ الله فلا مُضلَّ له ومن يُضْلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. أُوصيكم عباد الله بتقوى الله وأَحُثُّكُم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير..
      وبعد، أيها المسلمون: تعود بِنا الذّكرى تتراآى لعينِ القلبِ المُحِبّ المُشتاقِ المُلَبِّي، وإن حَبَسَهُ حابسٌ وحالَ دونَ سيره حائِل .. فنعيش معا في ظلال صورة وارفة ومشهد مهيب، زمناً نستقطعهُ من زمننا هذا..
    نعم أيها الأفاضل: عمّا قليل.. وفي أطهر البقاع، في منى وعرفات يلتقي البشر من مختلف أنحاء العالم، ينصهرون جميعا في بوتقة الإيمان والتعبد والتضرع إلى الله عز وجل، يتوافدون رجالا وركبانا من كل فج عميق، في أعظم رحلة يقوم بها المسلم في حياته لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام..
     ونحن هنا.. وأعناقنا تشرئب إلى المسجد الحرام، ونتابع في خشوع ما يدور هناك، وما سيكون في منى وعرفات، وتكتحل عيوننا برؤية جموع الطائفين والقائمين والركع السجود، وتصل إلى أسماعنا هتافاتهم بالتلبية حتى أعماق قلوبنا. لبيك اللهم لبييك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك..
   وإننا لنسعد والحجيج زوار بيت الله الحرام، تترى أخبارهم وهم يقومون بهذه الشعيرة بكل حبّ وإيمان وتجرّد، بما تنقله لنا وسائل الإعلام في رسائلها المبثوثة والمصوّرة، وإننا لنمدّ أبصارنا وأفكارنا لنستعيد الكثير الكثير من الصور المتعلقة بهذا الركن.. وأهمّها وأجلّها وأعظمها على الإطلاق صورة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي سعدت به الدنيا ثلاثا وستين سنة، وها هو يحج حجة الوداع، تلك الحجة التي قام بها صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، فعلّم الناس مناسكهم وبيّن لهم سنن حجهم، وألقى خطبته الجامعة في عموم المسلمين..
      إنه اليوم يلمّح بالرحيل بعد أن بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة، وغرس الإيمان في قلوب من آمن به لينشروا دين الله بعده، إنها كلمات مضيئة، وعبارات جامعة، وبنود معدودة، يلقي بها إلى سمع الدنيا، وعليها أن تسمع، لقد استنصت الناس، وأمر واحدا من الذين كانوا يقفون إلى جواره أن يردّد ما يقول، وليردّد ثالث ورابع، حتى يصل كلامه إلى أبعد الحجيج مكانا، وكانوا مائة ألف أو يزيدون، وقف الجميع وكأنما على رؤوسهم الطير، ما بين معجب ومشرئب بعنقه وواجم، وخاصة عند ما قال: "أيها الناس: اسمعوا أبين لكم، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا...". أنصت الناسُ طويلا، وفكّروا مليّا، وجذبتهم بقوة هذه العبارة، وساد الصمت والقلق ودمعت العيون، لكنه صلى الله عليه وسلم كان يتحدّث كعهده دائما بكل الحبّ والصدق والإخلاص..
   وما أسعدني اليوم.. وأنا أكرّر هذه الخطبة، كما كرّرها يومئذ ربيعة بن أمية بن خلف وراءه، وكما جاءت في كتاب سيرة ابن هشام رحمه الله في الجزء الرابع صفحة 250 وما بعدها..
  قال ابن إسحاق: وخطب النّاس خطبته الّتي بيَّن للنّاس فيها ما بيّن، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
"
أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ. فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ؛ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ وَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لا رِبًا وَإِنَّ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ بَنُو هُذَيْلٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَقِّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ " إنما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ"، (سورة التوبة آية36ـ37 )، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا؛ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَلا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنِ انْتَهَيْنَ ؛ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ لا يَمْلِكْنَ لأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَاسْمَعُوا قَوْلِي؛ فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَتَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ وَاعْقِلُوهُ؛ تَعْلَمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخُو الْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِخْوَةٌ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ أَخِيهِ إِلا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَلا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟"، قَالَ: فَذُكِرَ أَنَّهُمْ قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ".
    ألا ما أعظم السؤال! وما أعظم المَقام! ثلاثة وعشرون عاماً قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ والدعوة والصبر والمصابرة والجهد والجهاد، ومع ذلك يَسأل ويَستشهِد على بلاغه لأمته، فأجابته الجموع بفمٍ واحد: نشهد أنك قد بلَّغت ونصحت وأديت الذي عليك، فرفع صلى الله عليه وسلم إصبعه الشريفة إلى السماء، وجعل ينكتها إلى الناس وهو يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد .  
    وإنا نشهد يا نبي الله أنك قد بلغت وأديت، ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك، ما تركت أمراً يقرب من جنة الله إلا وأرشدتنا إليه، وما تركت جرماً يبعدنا عن الله إلا وحذرتنا منه..
صلَّى عليك الله يا خيرَ الورى * تعداد حبات الرمال وأكثرا
صلَّى عليك الله ما غيثٌ همى * فوق السهول وبالجبال وبالقرى
يا خير مبعوث بخير رسالةٍ * للناس يا خير الأنام وأطهرا
صلى عليك الله في عليائه * ما صاح داع للأذان و كبرا
صلوا على المختار أحمد إنه * أزكى الأنام وخير من وطئ الثرى
   اللهم صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى أله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً كما أمر، والشكر له وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، والصلاة والسلام على خير من حج واعتمر، ووقف بعرفة والمشعر، وعلى آله وأصحابه السادة الغرر، وسلم تسليماً كثيراً .
    أما بعد، أيها المسلمون: لقد كانت خطبة الوداع والتي تخللت شعائر الحج لقاءً بين أمة ورسولها؛ كان لقاء توصية ووداع، توصيةَ رسول لأمته، لخّص لهم فيه أحكام دينهم ومقاصده الأساسية في كلمة جامعة مانعة، خاطب بها صحابته والأجيال من بعدهم، بل خاطب البشرية عامة، بعد أن أدى الأمانة وبلَّغ الرسالة ونصح للأمة في أمر دينها ودنياها.
والعالم الإسلامي يمر بالمرحلة التي تعرفون، فإن الإيمان والعقل والوعي والخلق القويم، يفرض علينا أن نستفيد من هذه الخطبة.. فيا لو عمل المسلمون بهذه التوجيهات الكريمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لسادوا ولأصبحوا أقوى الشعوب قوة، ولكن.. يا أسفاه..
    ليتهم يدركون عند تأملّهم قوله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس"، ولم يقل: "يا أيها الذين آمنوا"، فإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدل على يقضته صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي على الناس يوما يتّهم الإسلام بما ليس فيه، وأكّد ذلك في أول بند من بنود هذه الخطبة.. وذكر شريعته في المال والدماء، "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم"، وكان البند الثاني والقرار الصارم، هو إماتة الروح الجاهلية في نفوس المؤمنين، فلا فخر ولا استعباد ولا ظلم، فأبعدهم عن ربا الجاهلية والدم، وحذّرهم من التشبيه بالجاهليين، وأعلن في قرار ثالث، وصيته بالنساء خيرا، فأثبت لهنّ ضمانات حقوقهنّ وكرامتهن. وفي البند الرابع وضع صلى الله عليه وسلم القانون الإلهي الذي إن تمسّك به المسلمون نجوا ونجحوا، وكانوا خير أمة أخرجت للناس..
      خطبة افتتحها صلى الله عليه وسلم بما افتتحت به، وألقاها في مثل أيامكم هذه من السنة العاشرة للهجرة، وأشهد عليها آباءكم وأسلافكم حين قال كما جاء في رواية صحيح مسلم: "وأنتم مسؤولون عنّي فما أنتم قائلون؟.
   وفي هذه الكلمة وحدها ـ أيها المسلمون ـ ما يدلّ دلالة واضحة على أهمية شأن هذه الخطبة، وأهمية العناية بها، وأن الحاجة ماسة إلى معرفتها في حق كل مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى، لتكون تثبيتاً للمؤمنين وتذكرة للغافلين وإرشاداً للذين ابتعدوا عن الصراط المستقيم..
    رزقنا الله البصيرة بسنته والاهتداء بهديه، وجعلنا من ينال رضاه وشفاعته، اللهم اجعل لنا مواسم الخيرات مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات إلى رحمتك طريقا وسلما، اللهم تدارَك أمةَ نبيِّك الأمين، وانصرهم على عدوّك وعدوهم يا قوي يا متين، اللهم انشُر بينهم الأمن والإيمانَ والتقوى، وجنِّبنا وإياهم الآفات في السر والنجوى، يا كاشف كلِّ بلوى، لا إله إلا أنت يا رب العرش العظيم، اكفِنا ما أهمَّنا وما لا نهتمُّ به، وما أنت أعلمُ به منا، وكن هَمَّنا أنت وحدَك يا أكرم الأكرمين. اللهم يا محوِّل الأحوال حوِّل حالنا وحال المسلمين أجمعين إلى أحسن حال، وعافِنا من أحوال أهل الضلال وفِعل الجهال يا رب العالمين، اللهم وإن لنا إخوانا هم حجاج بيتك نغبطهم على ما يسرت لهم، لكن نسألك أن تتقبّل منهم، وأن تيسّر أمورهم، وأن تجعل حجهم مبرورا وذنبهم مغفورا، وأن تعيدهم إلى بلدانهم سالمين وبالأجر غانمين. وتقسم لنا ما قسمت لهم من الرحمة والمغفرة، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. وصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، والحمد لله رب العالمين..

13 يونيو 2018

الموضوع:  بأي حال عدت يا عيد؟.

الخطبة الأولى

      الله أكبر - 6  مرات- الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تحصل الدرجات، وبكرمه تبدل الخطيئات، الحمد لله على تمام الشهر وكمال الفضل، فالفضل لك وحدك لا شريك لك يا ألله؛ فتقبل منا وأعفُ عنا وتجاوز عن تقصيرنا وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها.
إنه العيدُ جاءَ ضيفًا عزيزًا * فاكتُبُوا بالمِدادِ فيضَ التهاني
كبّرُوا اللهَ، عَلَّ تكبيرةَ العيدِ* تَضَخُّ الضميرَ في الشريانِ
     ها هي صفحات الأيام تُطوَى، وساعات الزمن تنقضِي. بالأمس القريب استقبلنا حبيبا واليوم نودعه، ولئن فاخرتِ الأمم مَن حولنا بأيامها وأعيادها فإنما هي تضرب في تيهٍ وتسعى في ضلال، ويبقى الحق والهدى طريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فالحمد لله الذي هدى أمة الإسلام سبيلها وألهمها رشدها، وخصها بفضلٍ لم يكن لمن قبلها.
      أطلِق بصرَك لترى هذه الأمة المرحومة مع إشراقة هذا اليوم تتعبّدُ الله - عز وجل – بالفطر، كما تعبّدته من قبل بالصيام، فلله الحمد والمنة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام..
     أما بعد، فيا معاشر المسلمين: إن يومكم هذا يومٌ عظيمٌ، وعيدٌ كريمٌ، إنه يومُ شكرٍ لله على إكمال عدة رمضان، ويوم ذكرٍ لله على أن هدانا للإيمان، قال تعالى: "ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون". البقرة: 18.
    هذا يومٌ يوفي الصابرون فيه أجورهم بأحسن ما كانوا يعملون، ويُكْرِم اللهُ فيه عباده بالفضل العظيم على ما كانوا يصنعون. عن أبي سعيد بن أوسٍ الأنصاري عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادوا: أغدوا معشر المسلمين إلى ربٍّ كريم، يَمُنُّ بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا، نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة". رواه الطبراني في المعجم الكبير.
     فبشرى لكم – أيها الصائمون – إيمانا واحتسابا، عاقبةٌ حميدةٌ وقدومٌ على الله مفرح. قال صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه". رواه البخاري. فيا ربَّنا قد أذقتنا فرحة الفطر وتفضّلت علينا بالصيام، فجد علينا وتفضل بمحبة لقائك والفرح برؤيتك .
   أيها المسلمون: العيد في الإسلام هو اليومُ الذي يعودُ ويَفرح به المسلمون، فها هو العيد قد عاد، فينبغي للمسلمين أن يفرحوا؛ لأنَّهم أدَّوْا ما عليهم من طاعة لله ربِّ العالمين، فهنيئًا لكم بهذا اليوم المبارك، هنيئًا لكم بحلول هذا العيد السعيد، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن السعادة في العيد لا تكمن في المظاهر والشكليات، وإنما تتجسد في المعنويات وعمل الصالحات، ويومكم هذا يومٌ أنور أزهر ويومٌ محجَّلٌ أغر. فالله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..  
    فاشكروا الله على ما من به عليكم من إكمال شهر الصيام، واسألوه أن يتقبل منكم ما قدمتموه فيه من الصيام والقيام، واذكروا في يوم عيدكم نعمة الله عليكم مما تنعمون به من حلول العيد المبارك في أمن وأمان وصحة وخير وسلام وإيمان، فهذه النعم سلبها كثير من الناس. فاستقيموا على الطاعة، وتزودوا من العبادة، وابذلوا المعروف، وقوموا بأوامر الدين، وساهموا في بناء مجتمعكم وأمتكم ونشر الخير والأمن والمحبة والتآلف فيما بينكم، تسعدوا في دنياكم وأخراكم .. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
    عباد الله: إن الذاكرةَ ملكةٌ مستبدة، قد تفرض على المرء أمورًا لم يكن يريدها ولا يريد أن يريدها. فلَست أدري وأنا أعدّ خطبة العيد لماذا يُدَوي في مسمعي دَويَّ الطبل قول أبى الطيب المتنبي وقد ترك مصر في مثل هذا اليوم، وهو يُنشد:
عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ  * بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيه تجْديدُ
    فقلت لعل أبا الطيب المتبني عندما كتب هذه القصيدة كان يدرك ما سيحدث في الأمة العربية من أزمات، ونكبات تضعفها وترهقها، فهذه (العراق وسوريا وليبيا واليمن)، وغيرها من الدول التي يعيش أهلها أحداثا جميعها تفوح برائحة الدم والدمار والقتل. وتلك دولٌ أخرى يحيا أهلها على فتن كالنار تحت الدخان، والله المستعان.
     في يوم العيد نقلب أنظارنا في حال الأمة يمنة ويسرة، وجراحات المسلمين ضاربة أطنابها شرقاً وغرباً، فنذكر قصيدة المعتمد بن عباد (1040 – 1095)  ملك أشبيلية في الأندلس الذي أسره يوسف بن تاشفين أمير المرابطين وحبسه في منطقة أغْماتَ بالقرب من مدينة مراكش بالمغرب، ومنع عنه أي عطاء، حتى اضطرت بناته أن يغزلن الصوف ليوفّرن له ولأنفسهن القوت، فلما رأى بناته بعد أن أتين لزيارته حافياتٍ وكسيراتٍ فقيراتٍ في أول عيد يأتي عليه وهو سجين، أنشد هذه القصيدة التي تفيض أسى وحزناً، وكأنه اختزل لنا هذه الحال في تلك، فقال:    
فيمـا مضى كنت بالأعياد مسروراً * فساءك العيد في أغمات مأسورا
تــرى بناتك في الأطمـار جائعة * يغزلن للناس ما يملكـن قطميرا
يـطأن في الطين والأقــدامُ حافـيةٌ * كأنها لم تطأ مسكـا وكافورا
   نعم للأسف.. إن إخواناً لنا في العالم الإسلامي بناتهم ونساؤهم "يطأن في الطين والأقــدام حافـية"، والرجال أهلكتهم الحروب وأرَّقتهم الخطوب، وأقلقتهم الفتن؛ أُرِيقت فيهم الدماء ونُهبت الأموال ودمّرت البلاد. كم عمَّ في كثير من البلاد الإسلامية من فتن وضلالات، فرَّقت الأمة ودمَّرت البلاد، دمروا بلادهم بأيديهم قبل أيدي أعدائهم، وفسحوا المجال لتدخل الأعداء في شئونهم، فتن فرّقت القلوب ومزّقت الشمل. وتناسينا فلسطين الجريحة.
كانت فلسطين موالاً لأمتـنا * ما بالها لم تعد للناس موالا
تعددت يا بني قومي مصائبنا * فأقفلت بابنا المفتوح أقفـالا
كنا نعالج جرحاً واحدا فغدت * جراحنا اليوم ألوانا وأشكالا
      أيها المسلمون: الوضع خطير والجرم كبير والفساد عريض، فتنٌ أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "فتنٌ يرقق بعضها بعضاً"، ما تأتي فتنة عظيمة إلا ويعقبها ما هو أعظم وأشد منها، كل ذلك بأسباب ذنوب العباد وإعراضهم عن شرع الله وانخداعهم بآراء أعداء الله المندسين بين صفوفهم المريدين تدميرهم من حيث لا يشعرون، نسأل الله أن يثبتنا على دينه وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهديَ الجميع إلى صراطه المستقيم.
    فاحمدوا الله على ما أنتم فيه من نعمةٍ وخير ولا تنسوهم من دعوات صالحة بأن يؤلف الله بين قلوبهم ويصلح حالهم ويؤمّنهم في أوطانِهم وأن يصلح أئمتهم وولاة أمورهم وأن يوفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
     ألا وتذكروا ـ رحمكم الله ـ أيضا إخواناً لكم أقعدهم المرض في البيوت، أو همُ في المستشفيات على الأسِرَّة البيضاء يرقدون، منهم من أمضى الشهور الطويلة، لا يغمَض لهم جفن ولا يهدأ لهم بال، فهم في آلامٍ متعبة وأوجاعٍ مؤلمة، فلا تنسوهم من دعوة صالحة، أن يشفي الله مريضهم، ويزيل بأسهم، ويفرج همَّهم، ويكشف كربتهم.
     أيها المسلمون: إذا كانت أيام العيد مِدعاةٌ للفرح بفضل الله تبارك وتعالى، فإنما هي في الوقت نفسه أيام تتجلى فيها ظاهرة المساواة والحس الإجتماعي في الأمة الإسلامية، فالذين لفّهم ذلك الإطار النوراني إمساكا عن الطعام والشراب من الفجر إلى الغروب خلال شهر رمضان، هم الذين يشاركون بعضهم البعض الفرحة بهذه الشرعة المباركة. فما العيد في نظر الإسلام إلا لمسة حنان ورحمة، يمنحها المسلم فيمسح بها الدموع من العيون، ويزيح الكآبة من النفوس، ومن أولى بالمسلمين بأن يكونوا متضامنين متعاونين متحابين، ونبيهم صلى الله عليه وسلم يقول: "والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، افشوا السلام بينكم تحابوا".؟ رواه أبو داود وغيره.
    فعلينا أيها المؤمنون أن نصفي أنفسنا ونطهر قلوبنا من الحقد والغِلِّ والحسد، فإن أناساً بلغوا أعلى المنازل لا بكثرة صلاة وصيام وقيام، وإنما بصفاء صدورهم، وسلامة قلوبهم. قال سفيان بن دينار: قلت لأبي بشير: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟، قال: كانوا يعملون قليلا ويؤجرون كثيرا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم.
فاللهم إنا نسألك صدورا سليمة، وقلوبا طاهرة نقية، واجعل لنا مواسم الخيرات مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات إلى رحمة الله طريقا وسلما، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
الخطبة الثانية

     الله أكبر -6- الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. الحمد لله الذي علا بحوله، خلق فسوّى وقدّر فهدى، سهّل لعباده طرق العبادة ويسّر، وتابع لهم مواسم الخيرات لتزدان أوقاتهم بالطاعات. أنعم علينا بتيسير الصيام والقيام، وجعل ثواب من فعل ذلك تكفير الخطايا والآثام، ودخول الجنة دار السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأوليــن والآخرين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
    أما بعد، فيا أيها المسلمون: هذا يوم مبارك، جمعكم الله فيه على طهارة وتقوى، تودّعون شهر رمضان الذي انصرم وصعد إلى ربه ومعه صحائف أعمالنا، وسوف نحاسب عليها، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.  والله تبارك وتعالى إذا قبل عمل العبد وفّقه للعمل الصالح بعده، فقد قيل: "ثواب الحسنة الحسنة بعدها"، فمن عمل حسنة ثم أتبعها سيئة، كان ذلك دليلا على عدم قبولها، لقد سئل بعض الصالحين عن رأيه فيمن يعبدون الله في رمضان ثم يعودون بعده إلى العصيان؟، فقال: "هم بئس القوم، لا يعرفون الله حقا إلا في رمضان".
    فيا رعاكـم الله: تابعوا فعل الحسنات، يمح الله لكم بهنّ الخطيئات، قال تعالى: "وإني لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى".  طه:82. الله أكبر.
     وقد آن لكم أن ترجعوا راشدين إلى بيوتكم على غير الطريق التي أتيتم منها، فاعلموا أنكم في الدين إخوة، فحققوا هذه الإخوة بالتآلف والتحابّ بينكم. فتصافحوا وتزاوروا وتبادلوا التهاني، وليسلم بعضكم على بعض، فالسلام يغرس المحبة والألفة، والهجر يوجب البغضاء والوحشة، وتذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا هجرة فوق ثلاث، فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار". رواه الإمام أحمد. وليست المحبة قولا باللسان، ولا تعبيرا بالأركان، وإنما هي ميل القلب واطمئنانه إلى الأخ المسلم، فلتتصافحِ القلوب قبل أن تتصافح الأيدي، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
  هنيئاً لكم، ومبارك عليكم عيدكم، ووصيتي لنفسي ولكم: استمرار عبوديتنا لله وطاعتنا له وتقوانا وخشيتنا، حتى يُختمَ لنا بالخير والإيمان، ونسعد في الدنيا والآخرة، وكل عام وأنتم بخير، والأمةُ الإسلاميةُ في عزة ورفعة وتأييد ..
  اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واحشرنا في زمرة خير الأنام. اللهم اجعل شهرنا شاهدا لنا بأداء فرضك، ولا تجعلنا ممن جد واجتهد ولم يرضك، اللهم ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك ونسأل تمامها في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا. اللهم أعد علينا من بركات هذا اليوم وأعد أمثاله علينا ونحن نتمتع بالإيمان والأمن والعافية، واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم وانصر المسلمين في كل مكان واجعلهم في الخير متعاونين، وأيّد بروح منك إخواننا في فلسطين وأهلك عدوهم واستخلفهم في أرضهم وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا إنك على كل شيء قدير، اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين وأقض الدين عن المدينين ويسر أمور المسلمين أجمعين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، اللهم واحفظ بناتنا ونساءنا وقهن التبرج والسفور وثبتهن على الهدى والطريق المستقيم. اللهم ارحم المنكوبين والجوعى والخائفين والمظلومين، اللهم واغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا، برحمتك يا أرحم الراحمين. وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. اللهم واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين. 

06 يونيو 2018


الموضوع: نفحات رمضان أوشكت على الوداع

الخطبة الأولى
       الحمد لله وفق من شاء لطاعته فكان سعيهم مشكورا وأجرهم موفورا، الحمد لله الذي جعل لكل حيّ في هذه الدنيا زوالا، ولكل مقيم انتقالا. ليَعتبِر أهل الإيمان فيبادروا بالأعمال الصالحات في زمن الإمهال، ولا يغترّوا بطول الأعمار والآمال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العظيم في قدره، المتعال فوق خلقه، الكريم في عطائه وفضله. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل في سنته: "بادروا بالأعمال"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم المآل.
      أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، وتفكروا في سرعة مرور الليالي والأيام، واعلموا أنها تَنقص من أعماركم، وتُطوَى بها صحائف أعمالكم، فبادروا بالتوبة الصادقة، والأعمال الصالحة قبل أن يتخطّفكم المنون، فتندمون على ما أعطاكم الله من الفرص السانحة.
       فها هو شهر رمضان قرُب رحيله وأزفّ تحويله، وإنه شاهد لكم أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال، فمن أودعه عملا صالحا فليحمد الله على ذلك، وليبشَّر بحسن الثواب، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ومن أودعه عملا سيّئا، فليتب إلى الله توبة نصوحا، فإن الله يتوب على من تاب، قال تعالى: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى". طه:82.
   عباد الله: وقد أطلّت علينا خير ليالي شهر الخير، إيذانا بختام شهر رمضان المبارك، ليال تستحثّ همم المتقين وتشدّ من عزم العابدين، ليال طالما تحدث عنها الخطباء وأطنب في ذكرها الوعَّاظ وأفاض الناصحون بذكر فضائلها. ليال خصها الرسول صلى الله عليه وسلم بمزيد من الاجتهاد في العبادة وكان له هدي وسنة في احيائها، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يجتهد في العشر الاواخر ما لا يجتهد في غيره". .
    ألا وإن من أعظم ما يرجى فيها ويتحرى: ليلة القدر "وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْر". القدر:2. من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. منّةٌ ومنحةٌ لهذه الأمة التي يريد الله بها خيراً بتكرار مواسم الخير لها، عن عائِشة رضي الله عنها أَنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ ". . تَحَرَّوا" أي اطلبوا وابحثوا، وفي رواية: "التمسوا"، وفي أخرى: "تَحَيَّنُوا ليلة القَدر" أي: اطْلُبُوا حِينَها، وفي قوله: "تحرّوا ـ التمسوا ـ تحيّنوا"، دليل على إخفاء ليلة القدر؛ لأن الشيء البيِّن لا يحتاج إلى الْتِماس وتَحَرٍّ. قال الله تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ  (۱) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ (٢) لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (۳)تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ (٥)". سورة القدر.
    ولقد صحّ في الحديث عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت للنبي صلة الله عليه وسلم: أَرَأَيتَ إِنْ وَافَقتُ لَيلَةَ القَدرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قَولي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنِّي". رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
نعم-أيها المباركون-هذه ليال فيها ليلة لا تشبه ليالي الدهر، إنها ليلة في هذه العشر، فاطلبوها وتحروها والتمسوها وتحينوا وقتها-رحمكم الله-بجدٍّ وإخلاص، قال الإمام النووي رحمه الله: "ويستحبّ أن يكثر فيها من الدعوات بمهمّات المسلمين، فهذا شعار الصالحين وعباد الله العارفين" ا.ه. فاسألوا الله فيها لنا ولكم ولمسلمين أجمعين الغنيمة من البرِّ والخيرات والسلامة من الآفات.
    هذا واعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ أن الله شرع الله لكم في ختام شهركم عبادات تزيدكم من الله قربا، وتزيد في إيمانكم وفي سجل أعمالكم حسنات، فشرع لكم زكاة الفطر، روى البخاري ـ رحمه الله ـ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنـهما قال: "فرض رسـول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تـمر علـى الصـغير والـكـبـير والعـبد والمـمـلوك". ورُوى كذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا نخرج في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر: صاعا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب و الإقط".
    أيها المسلمون: فزكاة الفطر واجبة على الحر القادر عليها وقت الوجوب عن نفسه وعن كل من تلزمه نفقته، وزَمنُ وجوبها غروب الشمس آخر يوم من رمضان، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، كما يجوز إخراج القيمة نقدا. وقد قدرت هذا العام (1439 ه) بمائة وعشرين دينار جزائري.(120دج) تدفع للمسلم الفقير أو المسكين. فأخرجوها طيبة بها نفوسكم، وأقرضوا الله قرضا حسنا، قال صلى الله عليه وسلم: "صوم شـهـر رمضان معلّق بين السماء والأرض، فلا يرفع إلا بزكاة الفـطـر". رواه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب.
   فهذا شهرِ الخير والعطاء والفضلِ والبركة والجودِ والإحسان، وإننا جميعا نعلم أنه فرصةٌ لا تُعوَّضُ، وقد لا تتكرَّرُ لكثيرٍ من الناس، فرصَة لا تعوَّضُ للتوبة إلى الله جلّ وعلا، والإنابةِ إليه والإقبالِ إلى طاعته، والنَّدَمِ على التفريطِ في جَنبِ الله.
يا غافلا وليالي الصوم قد ذهبت * زادت خطاياك قف بالباب وابكيها
واغنم بقية هذا الشـهر تحظ، فما * غرسـته من ثمار الخــير تجنــيها
وتب لعلك تحـظ بالقــبول عسى * أن تبلغ النـفسُ بالتــقوى أمانـــيها
وقل إلهي أنا العــبد الذليل وقد * أتيـت أرجو أجــــورا فاز راجـــــــــــيها
فلا تكـــــلني إلى علـــــمي ولا عملي *   واغفر ذنــــــــوبي فإني غــارق فيها
   أيها المسلمون: إن شهر رمضان هو شهر الطاعات بكل أنواعها، صيام وقيام جود وقرآن وصلوات وإحسان وتهجد وتراويح وأذكار وتسابيح، وبلوغه نعمة كبرى يقدّرها الصالحون المشمّرون، فانظروا ما ذا أودعتم فيه من الأعمال، فمن أودعه عملاً صالحاً فليحمد الله على ذلك وليبشّر بِحسنِ الثواب، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ومن أودعه عملاً سيئاً فليتب إلى ربِّه توبة نصوحاً فإن الله يتوب على من تاب.. وفقني الله وإياكم لذلك، وتقبل صيامنا وقيامنا، ومتّعنا بعيد سعيد، وعمر في الخير مديد، والحمد لله رب العالمين .

الخطبة الثانية

  الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
فيا شهر الصيام فدَتْك نفسـي * تمهـّل بالرحيل والإنتـقال
فما أدري إذا مـــــا الحـــول ولّـى * وعدت بقابل في خير حال
أتلقـاني مـع الأحـــــــــــيـاء حيًا * أو أنك تلقني في اللحد بالي
     ها هي ــ عباد الله ـ نفحات الخير توشك على الوداع، ويشتدّ سباق المشتاقين للعتق من النيران، وترتفع أيديهم بالدعاء، وصوت أنينهم يعلو، ولسان حالهم يقول: اللهم إنك عفوّ كريم تحب العفو فاعف عنا..
   أيها المسلمون: لعل هذه آخر جمعةٍ لكم من هذا الشهر الفضيل، فانظروا ما ذا أودعتم فيه من الأعمال، فمن أودعه عملاً صالحاً فليحمد الله على ذلك وليبشّر بِحسنِ الثواب، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ومن أودعه عملاً سيئاً فليتب إلى ربِّه توبة نصوحاً فإن الله يتوب على من تاب، واحذروا التسويف وطول الأمل فإن الأجل أسرع، فعودوا إلى رب كريم رحيم، يغفر الذنوب ويكفر الزلات ويقيل العثرات، ويقبل التوبة ويضاعف الحسنات. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". سورة العصر.
    اللهم اجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمتك طريقا وسلما، اللهم ربنا تقبل منا الصيام والقيام، واحشرنا في زمرة خير الأنام، ربنا تقبل دعاءنا، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنّ بإخواننا في فلسطين، وفي كثير من بلدان المسلمين من البلوى واللأواء ما لا يرفعه إلا أنت، فاللهم لا تشمت فيهم عدوك وعدوهم، وآمنهم في أوطانهم، ولا تسلط عليهم من لا يخافك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وكن للمظلومين وليا ونصيرا برحمتك يا أرحم الرحمين. اللهم واجعل هذا الشهر شاهداً لنا وحجة لنا لا حجة علينا، اللهم إن كان في سابق علمك أن تجمعنا في مثله فأحسِن عملنا فيه، وإن قضيت بقطع آجالنا فأحسِن الخلافة على باقينا، وأوسع الرحمة على ماضينا، وعمّنا برحمتك وغفرانك، واجعل الموعِدَ بحبوح جنتك ورضوانك. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.