05 سبتمبر 2018


الموضوع: عاد الحجاج.. ولكن بأي شيء عادوا؟.

الخطبة الأولي
    الحمد لله على فضله وإحسانه، شرع لعباده من الأعمال ما يكفّر به سيئاتهم ويرفع به درجاتهم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين صلى الله وسلم تسليما عليه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه..
      أما بعد، فلقد سعد أناس بأداء فريضة الحج هذا العام، فلله الحمد والمنة على ما أنعم به عليهم من إتمام نسكهم، وعلى ما يسّر لهم وأعانهم على إكمال هذه الشعيرة العظيمة، نسأله سبحانه أن يتقبل منهم، وأن يرزقنا وإياهم الاستقامة على دينه، إنه جواد كريم.
   أيها المباركون: لقد بدأ حجاجنا يَقدمون من خير البقاع بغير ما ذهبوا به، ويَصدُرون بخلاف ما وردوا، يرجعون بوجوهٍ غير التي راحوا بها، ويعودون بقلوبٍ غير تلك التي سافروا بها.
       عاد الحجاج.. ولكن بأي شيء عادوا؟.
      ها هم يعودون ـ بإذن الله ـ كيوم ولدتهم أمهاتهم، حامدين للسعي المشكور، مسرورين بالذنب المغفور، "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"، جعل الله حجهم مبرورا، وذنبهم مغفورا.
    قد قدم عَمرو بن العاص من مكة إلى المدينة ليَعرض إسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهشّ له المصطفى صلى الله عليه وسلم وبشّ، وبسط يمينه ليبايعه على الإسلام، ولكن عَمراً قبض يده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما لك عَمْرو؟!"، قال: أردت أن أشترط، فقال عليه الصلاة والسلام: "تشترط ما ذا؟"، قال: أشترط ان يُغفَر لي"، فقال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: "يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله".
  وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: "كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منًى، فأتاه رجلٌ منَ الأنصار، ورجل من ثقيفٍ، فسلَّمَا، ثم قالا: يا رسول الله، جئنا نسألك، فقال: "إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت، فقالا: أخبرنا يا رسول الله، فقال الثقفي للأنصاري: سلْ، فقال: أخبرني يا رسول الله، فقال: "جئتني تسألني عن مخرجكَ مِن بيتك تؤمُّ البيت الحرام، وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن نحرك وما لك فيه مع الإفاضة"، فقال: والذي بعثك بالحق لَعَنْ هذا جئت أسألك، قال: "فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام، لا تضع ناقتُكَ خُفًّا ولا ترفعه إلاَّ كتب الله لك به حسنةً، ومحا عنك خطيئةً، وأما ركعتاك بعد الطواف كعِتق رقبةٍ من بني إسماعيل -عليه السلام، وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبةً، وأما وقوفك عشية عرفة فإنَّ الله يهبط إلى سماء الدنيا، فيباهي بكم الملائكة، يقول: عبادي جاؤوني شعثًا من كل فجٍّ عميقٍ يرجون جنتي؛ فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار، فلك بكل حصاةٍ رميتها تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمذخورٌ لك عند ربك، وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، ويمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي مَلكٌ حتى يضع يديه بين كتفيك، فيقول: اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى". رواه الطبراني، والبَزَّار، واللفظ له، ورواه ابن حبَّان في صحيحه، وهو حديث حسن.
   فأي فضل عدتم به حجاجنا، وأي جزاء أعظم من تكفير السيئات وستر العيوب وإقالة العثرات؟.
    وأي هدف أسمى وغاية أنبل من غفران الذنوب والتجاوز عن السيئات! ؟.
      أما إن الربّ ليدنو من الحجيج ويقول لملائكته: "أشهدكم أني قد غفرت لهم". فهنيئًا للمخلصين في حجهم، هنيئًا لهم المغفرة والرحمة من الرب الرحيم الكريم.
   حجاجنا الكرام: ها لقد عرفتم فالزموا، وآمنتم بالله فاستقيموا، وفتحتم في حياتكم صفحاء بيضاء نقية، فحذار من العودة إلى الأفعال المخزية والمسالك المردية، أوفوا بما عاهدتم الله عليه من التوبة، ينجز لكم ما وعدكم من الأجر العظيم، واعلموا ـ غفر الله لي ولكم ـ أن الحج بمنزلة التوبة تعلن في البقعة التي نبت فيها الإسلام، فالعودة إلى الركض في ميادين المعاصي لهو نقض لهذه البيعة، وهو كالهدم بعد البناء، "ومن نكث فإنما ينكث على نفسه"!!. فهل بعد انتهاء المناسك والعودة إلى الوطن، تنتهي الطاعة، وينسى ذكرالله؟.
     أيها الحاج: أعيذك أن تكون كتلك المرأة الحمقاء التي وصفها الله وحذَّر من فعلها فقال: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا". سورة النحل 92. فقد كانت تغزل الصوف حتى إذا صار خيوطا قوية، عادت ففكَّت غزلها!!. وهذا مثال لمن يبدأ العمل الصالح، حتى إذا تكامل وارتفع بنيانه عاد فهدمه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى من تغير الحال فيقول: "وأعوذ بك من الحور بعد الكور" رواه مسلم.  والحور:  الرجوع والنقصان. والكور: هو من تكوير العمامة، وهو لفُّها وجمعها، فاستعاذ صلى الله عليه وسلم من النقصان بعد الزيادة.
   فيا من تقلبتم في أنواع العبادة الزموا طريق الإستقامة، وداوموا العمل فلستم بدار إقامة، واحذروا الرياء والسمعة، فربّ عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية، قال بعض السلف: "من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته". فاتقوا الله في كل وقت وحين، وتذكروا قول الحق في كتابه المبين: "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ". المائدة: 27.
جعلني الله وإياكم من المتقين، وغفر لي ولكم وللمسلمين أجمعين، أقول قول هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين..
 أما بعد، واعلموا ـ أيها الحجاج ـ أن الحج المبرور له أمارة وعلامة، ولقَبوله منارة وشامة، سئل الحسن البصري رحمه الله: ما الحج المبرور؟، فقال: "أن تعود زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة". فليكن حجكم باعثا لكم إلى المزيد من الخيرات، وفعل الطاعات، فإن المؤمن ليس له منتهى من صالح العمل إلا حلول الأجل، قال تعالى: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". 
فيا حُجَّاج بيـت الله كونوا * على المنهاجِ روَّادًا عِظامًا
وتلك العُروةُ الوُثقى شِعارٌ * فلا ترضَوا لعُروتها انفِصامًا
    أيها الحاج: بعد أن تحققت لك الأمنية، وتمّت لك العطية، وخرجت بإذن الله من صفحاتك السوداء بصفحة بيضاء نقية ناصعة بهية، وأعمال مرضية وروح مرتفعة المعنوية، احذر من العودة إلى الدنس والإفراط في الذنوب بلا تفكير بعد النقاء والصفاء والتطهير.
   أترضى بعد الرفعة والإجلال أن تعيش منبوذا تافها حقيرا، فذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها، فما أحسن الحسنة بعد الحسنة، وما أقبح السيئة بعد السيئة!.
    فما أجمل ـ أيها الحاج ـ أن تعود بعد حجّك إلى أهلك ووطنك بالخلق الأكمل، والعقل الأرزن، والوقار الأرصن، والشيم المرضية، والسجايا الكريمة.!  
  ما أجمل أن تعود حسَن المعاملة لقُعَّادك، كريم المعاشرة لأولادك، طاهر الفؤاد، ناهجًا منهج الحق والعدل والسداد، المُضمَر منك خير من المظهر، والخافي أجمل من البادي!!.
     إن عدت ـ أيها الحاج ـ بهذه الصفات الجميلة، فحقّاً قد استفدت من الحج وأسراره ودروسه وآثاره.

   غفر الله لك ولمن استغفرت له، وبارك في حجك وجعله من أسباب فلاحك. جعل الله حجك مبرورا وذنبك مغفورا.  اللهم وسلّم جميع الحجاج والمعتمرين، وردّهم إلى ديارهم سالمين غانمين، وبالأجر والثواب موفورين، اللهم وإن كان للعمر بقية فاجعلنا من حجاج بيتك العام القادم إن شاء الله. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. 

28 أغسطس 2018


الموضوع: افتتاح الموسم الدراسي


الخطبة الأولى
     الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلماتِ والنور، والحمد لله الذي فضل العلم على الجهل فقال: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهد لنفسه بالوحدانية وشهد بها ملائكته والعلماء، قال تعالى: "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم". وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
     أما بعد، فلقد كان اهتمام شريعة الإسلام في الحض على العلم عظيما، وكانت العناية بالتكوين العلمي فائقة كبيرة، والآيات والأحاديث التي تأمر المسلمين بالعلم وتحضّهم عليه وتسوقهم إليه أعظم من أن تحصى، قال تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". الزمر:9. وقال سبحانه: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات". المجادلة:11. وقال أيضا: "وقل رب زدني علما". طه:114. وحسبنا أن يكون أول نداء إلهي يفتتح الله به وحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تلكم الآية الكريمة: "أقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم". القلم:1 ـ5.
    من أجل هذا جعل الرسولُ صلى الله عليه وسلم طلبَ العلم فرضا فقال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". رواه ابن ماجه. وجعل المعاناة في تحصيله جهادا فقال: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع". رواه الترمذي. وأخبرنا–صلى الله عليه وسلم-أن كل أمجاد الدنيا كاذبة وزائلة إلا مجد الإستقامة والعلم فقال: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما". رواه الترمذي وابن ماجه. فمن كان يعرف في تكريم العلم والعلماء أروع من هذا فليأتنا به؟.
    أيها المباركون: عمّا قريب تفتح المدارس أبوابها أمام أبنائنا وقرةِ أعيننا وعدّةِ مستقبلنا وذخيرةِ بلادنا وأمل مجتمعنا في التقدم والرقي والازدهار.
   فماذا نتمنى لأبنائنا وبناتنا ولمعلميهم وأساتذتهم؟.
  لا شك أننا نتمنى لهم سنة طيّبة سعيدة مليئة بالنشاط والجّد والإجتهاد ونيل أحسن الدرجات والشهادات إن شاء الله.
   ولكن لا يخفى عليكم أن الموسم الدراسي لا يكون ناجحا إلا إذا وجد التعاون بين البيت والمدرسة والشارع، فإذا لم يقم الأب في البيت بمسؤوليته على الوجه الأكمل، فربما انحرف الولد وعندئذ لا ينفع مع الولد توجيه ولا يجدي في تقويم اعوجاجه معلم، لذا حمّل الإسلام الآباءَ والأمهاتِ مسؤوليةَ التربية. قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون". التحريم:6. وأكّد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من وصية بضرورة العناية بالتربية قال صلى الله عليه وسلم: "أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم". رواه ابن ماجه، وروى الطبراني عن على كرم الله وجهه مرفوعا: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وتلاوة القرآن". إلى غير ذلك من الأحاديث.
   فالتربية الصالحة للطفل هي التي تُنشئ الشاب الصالح الذي يخدم دينه وأمته ووطنه، ولقد وضع لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم مادة أساسية، مفادها أن الإبن يشبّ على دين والديه. أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم: "ما من مولود إِلا يولد على الْفطرة فأَبواه يُهَوِّدَانه أو َيُنصِّرَانه أو يُمجِّسَانه".
    فالأسرة هي المحضن الأول الذي ينشأ فيه الأبناء، ورب الأسرة وزوجته كلاهما شريك الآخر في تلك المؤسسة الاجتماعية التي أمر الإسلام برعايتها والحفاظ عليها، ولا يمكن أن يتحقق النجاح للأسرة إلا إذا تعاون كل من الرجل والمرأة في تربية الأولاد، والولد يتأثر بوالديه في أخلاقه وسلوكه وتصرفاته واتجاهاته الدينية والعقائدية.
   فعليكم ـ أيها الآباء والأمهات ـ مراعاةِ أولادكم وحمايتَهم من ضياع الوقت وانحراف العمل والسلوك، تفقدوهم في كل وقت وامنعوهم من معاشرة ومصاحبة من يُخشى عليهم منه الشر والفساد، فإنكم عنهم مسئولون، وعلى إهمال رعايتهم وتأديبهم معاقبون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
    ويا أيها المعلم: اعلم أن مهنة التعليم لا تساويها مهنة في الفضل والرفعة، فوظيفتك من أشرف الوظائف وأعلاها. ولعل الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه، يبين لنا ولك فضل تعليم الخير، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير».
      لكن اعلم أن مهمتك لا تقتصر على طرح المادة العلمية على طلابك فقط، بل هي مهمة عسيرة وشاقة -وهي يسيرة على من يسرها لله عليه-فهي تتطلب منك صبراً وأمانة ونصحاً ورعاية لمن تعلمهم. وتذكر دائما قول الحكيم العربي:
يأيها الرجلُ المعلــــمُ غيرَهُ * هلا لنفسِكَ كان ذا التعليمُ  
      فالمعلم إذا لم يكن ملتزما في سلوكه ومعاملته بمنهج الإسلام، وعلى دراية تامة بمبادئ الأخلاق ليسير على طريق الإصلاح والتربية على أسس متينة، فهو أولى وأجدر بالتعليم والتأديب. فحافظْ على الوقت زمنًا وأداءً، والتزمْ الحضورَ في وقتك، وأدّ هذا العملَ بجدٍّ واجتهاد، ولا تستخفّ بهذه المسؤولية، ولا تستهن بها، فإنها أمانة عندك، والله سائلك عنها، قال تعالى: "إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا".  النساء:58.
    ولكن على رسلكم ـ يا عباد الله ـ فاليد الواحدة لا تغسل نفسها، وكذلك الشخص الواحد لا يضطلع بأي مهمة وإن بدت يسيرة، فالولد مهما كان استعداده للخير عظيما، ومهما كانت فطرته نقية سالمة، فإن للبيئة الأثرَ الأكبرَ في تربيته وإصلاحِ حاله واستقامة أمره، ومن هنا كانت وصية ابن سينا في تربية الولد قوله: "أن تكون مع الصبي في مكتبه صِبيةٌ حسنة آدابهم مرضية عاداتهم، لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ وبه آنس". فالولد حينما تتوفر له البيئة الصالحة، من قبل أصدقاء صالحين، ورفقاء مخلصين. فإنه– لا شك-يتربى على الفضيلة والإيمان والتقوى.
  فلا بد – إذن-من إيجاد التعاون بين البيت والمدرسة والشارع علميا وروحيا وجسديا. قال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب". المائدة:2.
    وفق الله طلابنا ومعلميهم لما فيه الخير وأيّد خطاهم وجعل النجاح حليفهم في كل مراحل حياتهم الدراسية، أقول قولي هذا وأستغفر الله..

الخطبة الثانية

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد، أيها المعلمون والأساتذة: لقد أعطاكم الإسلام مكانتكم ورفع درجتكم، وذلك لأن عليكم لأمتكم ومن يتعلمون منكم حقوقا عظيمة، فقوموا بها لله مخلصين، وبه مستعينين، ولنصح أبنائكم ومن يأخذون العلم عنكم قاصدين، أخلصوا في التعليم، وامتثلوا أمام طلبتكم بكل خلق فاضل كريم، فإن المتعلم يتلقى من معلمه الأخلاق، كما يتلقى منه العلوم.
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة .. جاءت على يديه الأبصار حولا
   ويا أيها الطلبة، يا من أنتم على مقاعد الدرس والتحصيل وفي جوّ العلم ومحرابه المقدس، احرصوا على طلب العلم لغاياته الكريمة وأهدافه السامية والتي تعود عليكم كأفراد بالخير والرفعة وعلى أمتكم بالتقدم والرقيّ والإزدهار. وتذكروا دوما قول الله عزّ وجل: "واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم". البقرة:182. .  دخول موفق وعام دراسي مليء بالنشاط والعمل الجاد مع دوام الصحة والعافية بحول الله وقوته..
     اللهم اشرح صدورنا وصدور أبنائنا وبناتنا للإيمان وافتح قلوبنا وقلوبهم للعلم والمعرفة، واجعل النجاح حليفهم في موسمهم الدراسي. اللهم وألهِم الأساتذة والمعلمين السداد في القول والعمل، وسدد خطاهم على طريق الحق والصواب، اللهم كرمنا وإياهم بنور الفهم وأخرجنا من ظلمات الوهم وافتح علينا وعليهم بمعرفة العلم وحسّن أخلاقنا بالحلم، واجعلنا وإياهم وتلامذتهم من الناجحين الفائزين في الدنيا والأخرة بمنّك وفضلك يا ذا الجلال والإكرام، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


الخطبة الأولى
     الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلماتِ والنور، والحمد لله الذي فضل العلم على الجهل فقال: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهد لنفسه بالوحدانية وشهد بها ملائكته والعلماء، قال تعالى: "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم". وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
     أما بعد، فلقد كان اهتمام شريعة الإسلام في الحض على العلم عظيما، وكانت العناية بالتكوين العلمي فائقة كبيرة، والآيات والأحاديث التي تأمر المسلمين بالعلم وتحضّهم عليه وتسوقهم إليه أعظم من أن تحصى، قال تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". الزمر:9. وقال سبحانه: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات". المجادلة:11. وقال أيضا: "وقل رب زدني علما". طه:114. وحسبنا أن يكون أول نداء إلهي يفتتح الله به وحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تلكم الآية الكريمة: "أقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم". القلم:1 ـ5.
    من أجل هذا جعل الرسولُ صلى الله عليه وسلم طلبَ العلم فرضا فقال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". رواه ابن ماجه. وجعل المعاناة في تحصيله جهادا فقال: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع". رواه الترمذي. وأخبرنا–صلى الله عليه وسلم-أن كل أمجاد الدنيا كاذبة وزائلة إلا مجد الإستقامة والعلم فقال: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما". رواه الترمذي وابن ماجه. فمن كان يعرف في تكريم العلم والعلماء أروع من هذا فليأتنا به؟.
    أيها المباركون: عمّا قريب تفتح المدارس أبوابها أمام أبنائنا وقرةِ أعيننا وعدّةِ مستقبلنا وذخيرةِ بلادنا وأمل مجتمعنا في التقدم والرقي والازدهار.
   فماذا نتمنى لأبنائنا وبناتنا ولمعلميهم وأساتذتهم؟.
  لا شك أننا نتمنى لهم سنة طيّبة سعيدة مليئة بالنشاط والجّد والإجتهاد ونيل أحسن الدرجات والشهادات إن شاء الله.
   ولكن لا يخفى عليكم أن الموسم الدراسي لا يكون ناجحا إلا إذا وجد التعاون بين البيت والمدرسة والشارع، فإذا لم يقم الأب في البيت بمسؤوليته على الوجه الأكمل، فربما انحرف الولد وعندئذ لا ينفع مع الولد توجيه ولا يجدي في تقويم اعوجاجه معلم، لذا حمّل الإسلام الآباءَ والأمهاتِ مسؤوليةَ التربية. قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون". التحريم:6. وأكّد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من وصية بضرورة العناية بالتربية قال صلى الله عليه وسلم: "أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم". رواه ابن ماجه، وروى الطبراني عن على كرم الله وجهه مرفوعا: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وتلاوة القرآن". إلى غير ذلك من الأحاديث.
   فالتربية الصالحة للطفل هي التي تُنشئ الشاب الصالح الذي يخدم دينه وأمته ووطنه، ولقد وضع لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم مادة أساسية، مفادها أن الإبن يشبّ على دين والديه. أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم: "ما من مولود إِلا يولد على الْفطرة فأَبواه يُهَوِّدَانه أو َيُنصِّرَانه أو يُمجِّسَانه".
    فالأسرة هي المحضن الأول الذي ينشأ فيه الأبناء، ورب الأسرة وزوجته كلاهما شريك الآخر في تلك المؤسسة الاجتماعية التي أمر الإسلام برعايتها والحفاظ عليها، ولا يمكن أن يتحقق النجاح للأسرة إلا إذا تعاون كل من الرجل والمرأة في تربية الأولاد، والولد يتأثر بوالديه في أخلاقه وسلوكه وتصرفاته واتجاهاته الدينية والعقائدية.
   فعليكم ـ أيها الآباء والأمهات ـ مراعاةِ أولادكم وحمايتَهم من ضياع الوقت وانحراف العمل والسلوك، تفقدوهم في كل وقت وامنعوهم من معاشرة ومصاحبة من يُخشى عليهم منه الشر والفساد، فإنكم عنهم مسئولون، وعلى إهمال رعايتهم وتأديبهم معاقبون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
    ويا أيها المعلم: اعلم أن مهنة التعليم لا تساويها مهنة في الفضل والرفعة، فوظيفتك من أشرف الوظائف وأعلاها. ولعل الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه، يبين لنا ولك فضل تعليم الخير، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير».
      لكن اعلم أن مهمتك لا تقتصر على طرح المادة العلمية على طلابك فقط، بل هي مهمة عسيرة وشاقة -وهي يسيرة على من يسرها لله عليه-فهي تتطلب منك صبراً وأمانة ونصحاً ورعاية لمن تعلمهم. وتذكر دائما قول الحكيم العربي:
يأيها الرجلُ المعلــــمُ غيرَهُ * هلا لنفسِكَ كان ذا التعليمُ  
      فالمعلم إذا لم يكن ملتزما في سلوكه ومعاملته بمنهج الإسلام، وعلى دراية تامة بمبادئ الأخلاق ليسير على طريق الإصلاح والتربية على أسس متينة، فهو أولى وأجدر بالتعليم والتأديب. فحافظْ على الوقت زمنًا وأداءً، والتزمْ الحضورَ في وقتك، وأدّ هذا العملَ بجدٍّ واجتهاد، ولا تستخفّ بهذه المسؤولية، ولا تستهن بها، فإنها أمانة عندك، والله سائلك عنها، قال تعالى: "إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا".  النساء:58.
    ولكن على رسلكم ـ يا عباد الله ـ فاليد الواحدة لا تغسل نفسها، وكذلك الشخص الواحد لا يضطلع بأي مهمة وإن بدت يسيرة، فالولد مهما كان استعداده للخير عظيما، ومهما كانت فطرته نقية سالمة، فإن للبيئة الأثرَ الأكبرَ في تربيته وإصلاحِ حاله واستقامة أمره، ومن هنا كانت وصية ابن سينا في تربية الولد قوله: "أن تكون مع الصبي في مكتبه صِبيةٌ حسنة آدابهم مرضية عاداتهم، لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ وبه آنس". فالولد حينما تتوفر له البيئة الصالحة، من قبل أصدقاء صالحين، ورفقاء مخلصين. فإنه– لا شك-يتربى على الفضيلة والإيمان والتقوى.
  فلا بد – إذن-من إيجاد التعاون بين البيت والمدرسة والشارع علميا وروحيا وجسديا. قال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب". المائدة:2.
    وفق الله طلابنا ومعلميهم لما فيه الخير وأيّد خطاهم وجعل النجاح حليفهم في كل مراحل حياتهم الدراسية، أقول قولي هذا وأستغفر الله..

الخطبة الثانية

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد، أيها المعلمون والأساتذة: لقد أعطاكم الإسلام مكانتكم ورفع درجتكم، وذلك لأن عليكم لأمتكم ومن يتعلمون منكم حقوقا عظيمة، فقوموا بها لله مخلصين، وبه مستعينين، ولنصح أبنائكم ومن يأخذون العلم عنكم قاصدين، أخلصوا في التعليم، وامتثلوا أمام طلبتكم بكل خلق فاضل كريم، فإن المتعلم يتلقى من معلمه الأخلاق، كما يتلقى منه العلوم.
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة .. جاءت على يديه الأبصار حولا
   ويا أيها الطلبة، يا من أنتم على مقاعد الدرس والتحصيل وفي جوّ العلم ومحرابه المقدس، احرصوا على طلب العلم لغاياته الكريمة وأهدافه السامية والتي تعود عليكم كأفراد بالخير والرفعة وعلى أمتكم بالتقدم والرقيّ والإزدهار. وتذكروا دوما قول الله عزّ وجل: "واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم". البقرة:182. .  دخول موفق وعام دراسي مليء بالنشاط والعمل الجاد مع دوام الصحة والعافية بحول الله وقوته..
     اللهم اشرح صدورنا وصدور أبنائنا وبناتنا للإيمان وافتح قلوبنا وقلوبهم للعلم والمعرفة، واجعل النجاح حليفهم في موسمهم الدراسي. اللهم وألهِم الأساتذة والمعلمين السداد في القول والعمل، وسدد خطاهم على طريق الحق والصواب، اللهم كرمنا وإياهم بنور الفهم وأخرجنا من ظلمات الوهم وافتح علينا وعليهم بمعرفة العلم وحسّن أخلاقنا بالحلم، واجعلنا وإياهم وتلامذتهم من الناجحين الفائزين في الدنيا والأخرة بمنّك وفضلك يا ذا الجلال والإكرام، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

18 أغسطس 2018

الموضوع: خطبة عيد الأضحى

الخطبة الأولى
      الله أكبر (7)، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
   الحمد لله العلي الكبير، الحميدِ المجيد، شرع الدِّين لمصالح العباد، وبيَّن لهم ما ينجيهم يوم المعاد؛ "إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ". البقرة: 132.
   الحمد لله حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه؛ "لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". القصص: 70.
    الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، لا نحصي ثناء عليه كما أثنى هو على نفسه، أبهج بالعيد نفوسَنا، وشرع لنا أضحيَّتَنا، وأكْمل لنا ديننا، وأتمَّ نعمته علينا، ودفَع السوء عنا، ومن كل خير أنالنا، هو ربُّنا ومالكنا ومعبودنا، نواصينا بيده، ماضٍ فينا حكمه، عدلٌ فينا قضاؤه، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.نحمده ونشكره ونتوب إليه ونستغفره، يجزي على الحمد حمدًا وفضلاً، ويكافئ على الشكر زيادة وبِرًّا، ويدفع بالاستغفار عقوبةً ويغفر ذنبًا،    
      وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عمَّ فضلُه العالمين، ووسع إحسانُه الخلقَ أجمعين، وكتب رحمتَه للمؤمنين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أنار الله - تعالى - به الطريق للسالكين، ورفع ذِكره في العالمين، وجعله حُجةً على العباد أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه السادة المتقين، والغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اتاكم العيد بالافراح فاحتفلوا واكثروا من تهاني العيد واتصلوا
وبلغوا الاهل والاصحاب تهنئة بالعيد يزهر فيها الحب والامل
       أما بعد أيها المسلمون: فإن الزمان دارت رحاه واستدار في فلكه ووافانا أفضل أيام السنة على الإطلاق؛ قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ".  رواه أبو داود وهو صحيح.  
     فيا ربنا لك الحمدُ سرًّا وجهرًا، ولك الحمدُ دومًا وكرًّا، ولك الحمد شعرًا ونثرًا. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
    أيها المسلمون: هذا يوم عظيم، هو يوم الحجِّ الأكبر أفضل أيام السَّنة، وهو أكبر العيدين وأفضلُهما، وهو أيضا خاتمة أفضل عشرٍ في العام، وهو الوسط بين أيام العشر وأيام التشريق، وكلُّها أيام ذِكرٍ وتكبير؛ قال تعالى: "وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ". الحج: 28، وهي أيام العشر؛ "وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ". البقرة: 203، وهي أيام التشريق، وهي أيام أكْلٍ وشربٍ وذِكرٍ لله -تعالى -كما جاء في الحديث. فما أعظمَ فضلَ الله -تعالى -علينا! وما أشدَّ رحمتَه بنا! إذ هدانا إلى ما يقرِّبنا إليه، فله الحمد دائمًا وأبدًا.
    اليوم -يا عباد الله -يومُ الذِّكر والشكر، وهو يوم الذبح والنحر، قال تعالى: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ". الكوثر: 2. وهو يومٌ امتحن الله فيه قلوب عباده المؤمنين وأوليائه الصالحين، ليَعلم علم مشاهدةٍ ما تنطوي عليه هذه القلوب من الخير والطاعة والإستسلام والتضحية.     
    يومٌ امتحن الله فيه نبيه ورسوله وخليله أبا الأنبياء إبراهيم على نبينا وعليه السلام لرؤيةٍ رآها، كما ذكر الله في كتابه العزيز، قال تبارك وتعالى: "وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ". سورة الصافات: 99ـ111
    فيا له من بلاء، ويا له من امتحان.. ولكن أمر الله يجب أن يطاع، والأنبياء أحرص الناس على طاعة الله، وقد صدّق إبراهيم الرؤيا ورضي بقضاء الله وسلّم تسليما، ولم يجد من ابنه إسماعيل إلا الصبر والطاعة المطلقة والإستسلام التام: "يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين".
         ويطرح إبراهيم ابنه على جبينه لينفّذ أمر الله فيه، فإذا برحمة الله التي هي دوما قريب من المحسنين، ويعلم الله من الأب والإبن إخلاصَهما وصفاءَ معدنهما فيجعل لهما من أمرهما مخرجا، ويأتي النداء من السماء: "يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين". وينظر إبراهيم على نبينا وعليه السلام فيجد الكبش محضرّا أمامه ويُؤمَر بذبحه ويخلي سبيل ابنه، فذبحه وهو يكبر تعظيما لله وشكرا له. ويخلِّد القرآن هذا الحادث ويصفه بأنه البلاء المبين.. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر.
     عباد الله: لقد مرّ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بامتحان التّكليف فَوَفَّيَا، فهل نوفي نحن أم ننتكس؟
       فبعض المغزى من قصة إبراهيم على نبينا وعليه السلام أن يمتثل المسلم أمر الله لا يتلكّأ ولا يتهرب، وأن يكون سخيّا معطاء، وأن يعتقد بأن الله جاعل له من أمره يسرا، قال تعالى: "إنا كذلك نجزي المحسنين".
     وما هذه الأضاحي التي تتقرّبون بها إلى الله في يومكم هذا إلا سنة أبيكم إبراهيم ونبيكم محمد عليهما الصلاة والتسليم، ولقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن لنا بكل شعرة منها حسنة وبكل صوفة حسنة، وإنها تأتي يوم القيامة شاهدة لصاحبها بما قام به من الشكر لله والتودّد إلى إخوانه. فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحبّ إلى الله من إهراقه دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدّم ليقع من الله عزّ وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا". رواه الترمذي.
       فهنيئا لكم هذا اليوم، وهنيئا لكم بما منّ الله عليكم من بهيمة الأنعام، فاشكروا الله وكبروه، وضحّوا عن أنفسكم وأهليكم، واقتدوا بنبيكم صلى الله عليه وسلم، حيث ضحّى عنه وعن أهل بيته. قال أنس رضي الله عنه: "ضحّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين– أي أبيضين خالصين– أقرنين، ذبحهما بيده، وسمّى وكبر ووضع رجله على صفاحهما". رواه البخاري.
   ألا وإن السنة في ذبح الأضحية أن تكون بعد صلاة العيد، فقد روى البخاري بسنده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إنَّ أوّلَ ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلِّي، ثم نرجع فننحَر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنّتنا، ومن نحر قبلَ الصلاة فإنما هو لحم قدّمه لأهله، ليس من النسُكِ في شيء".
      أيها المباركون: إذا رجعتم إلى منازلكم فاذبحوا أضاحيكم، وليكن رائدكم في عملكم هذا تقوى الله، قال الله تعالى: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم". الحج: 137. وكلوا منها وأطعموا البائس الفقير والقانع والمعترّ، واعلموا أن ما تقدّمونه من خير فلأنفسكم، فلقد روى الترمذي في سننه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنهم ذبحوا شاة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: بقي كلها إلا كتفها".  لقد بين صلى الله عليه وسلم أن الجزء الذي يذهب للفقراء والمساكين هو يذهب إلى الله، وهو الباقي. قال تعالى: "ما عندكم ينفذ وما عند الله باق".
       ألا واعلموا ـ أيها المؤمنون ـ: إن الأعياد ليست بعودة الأيام ولا بتكرّر السنين، وإنما بما يتحقّق فيها من القيم الإنسانية والأهداف النبيلة، قال أبو إسحاق الألبيري مبينا حقيقة معنى العيد:
ما عيدُك الفخْمُ إلا يومَ يُغفَرُ لَكْ * لا أن تَجُرَّ به مستكبراً حُلَلَكْ
كم من جديدِ ثيابٍ، دينُهُ خَلِقٌ * تكادُ تلعَنُه الأقطار حيث سَلَكْ
ومن مُرَقَّعِ الأطْمارِ ذي وَرعٍ * بكت عليه السَّمَا والأرضُ حين هَلَكْ
    فما الأعياد ـ أيها المسلمون ـ إلا مظهر من مظاهر الأخوة الصادقة والتعاون والتعاطف والتراحم بين المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا، فيومكم هذا هو يوم تآخ وتصادق وتسامح وتصالح، أفرغوا صدوركم من الضغائن والحقد والغلّ والحسد، وصِلوا أرحامكم وأقاربكم وجيرانكم وأصلحوا ذات بينكم، وتذكّروا دوما ما رواه الأمام مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تفتح أبواب الجنة يوم اثنين وخميس فيُغفَر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: أنظِروا هذين حتى يصطلحا". وروي ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أمّ قوما وهو له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها غضبان، وأخوانٍ متصارمان".
    فلتتصافحْ في هذا اليوم وكلّ يوم قلوبكم قبل أيديكم، واستغفروا لذنوبكم، واعملوا من الصالحات ما تجدونه يوم ترجعون فيه إلى الله، أعرفوا قدر يومكم هذا، وتعرّضوا لنفحات ربكم فإنه رحيم كريم.. 
    الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. اللهم اجعل لنا مواسم الخيرات مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات إلى رحمتك طريقا وسلما، وصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه...
                                                                  الخطبة الثانية
     الله أكبر(5) ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه بكرة وأصيلا، ورضي عن أصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين.
     أما بعد، فيا أيها المسلمون: آن لكم أن ترجعوا راشدين إلى بيوتكم على غير الطريق التي أتيتم منها، لتشهد لكم ملائكة الطريقين كما جاء بذلك الأثر، فتذبحوا أضاحيكم بأيديكم، ومن لم يحسن الذبح كفاه أن يوكّل من يقوم بالذّبح بدله ويشهد ذلك، فلقد روى الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابنته: "يا فاطمة، قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإن لك بكل قطرة من دمها أن يغفر لك الله ما سلف من ذنوبك، قلت يا رسول الله: ألنا أهل البيت أو لنا وللمسلمين؟. قال: بل لنا وللمسلمين".
     اذبحوا أضاحيكم واشكروا الله وأكثروا من حمده وعظموا شعائر الله، "فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ". الحج:32، ضحّوا وطيبوا نفسًا بضحاياكم، فإنه ما عُبِد الله في يوم النحر بمثل إراقة دم الأضاحي، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، واعلموا أن الذبح ممتد إلى غروب الشمس من ثالث أيام التشريق، وأنه يشرع في هذه الأيام التكبير المقيد في أدبار الصلوات المكتوبة، فكبّروا وارفعوا به أصواتكم، وأحيوا سنة نبيكم نَضَّرَ الله وجوهكم،  الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
    هذا، وأذكّركم ونفسي آلاء الله ونِعمَ الله وعطاءَ الله، فاشكروه سبحانه وتعالى يزدكم، فإنه من لم يشكر الله عز وجل أصابه موعوده سبحانه وتعالى من الهلاك والدمار، قال تعالى: "وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ". النحل:112.
     فانظروا ـ عباد الله ـ  أي نعمة نعيشها؛ نعمة الأمن في الأوطان واجتماع الأهل والخلان والصحة في الأبدان، ولذا وجب علينا أن نشكر الله، ونتذكّرَ إخوانًا لنا مفزَّعين ملْتَاعِين في فلسطين وفي بلادِ الرافدَين وفي ليبيا واليمن وفي كلّ مكان، بل إن العالم الإسلامي اليوم ـ أيها المؤمنون ـ لتجتاح كثيرا من بلدانه أمواج عاتية من الفتن، فتنٌ تحرق الدين وتحرق العقل وتحرق البدن، فتنٌ لا تُبقي ولا تذر، فتن اجتالت الأنفس والثمرات، وأذهبت الأموال والممتلكات، وأحرقت المدن والأرياف، فتنّ شرّدت وأفزعت الرجال والنساء والصغار والكبار، والله المستعان على ما تَصف وتَنْقُل وكالات الأنباء ونشرات الأخبار..
   ولا يسعنا إلا أن نقول: اللهم تدارَك أمةَ نبيِّك الأمين، وانصرهم على عدوّك وعدوهم يا قوي يا متين، اللهم انشُر بينهم الأمن والإيمانَ والتقوى، وجنِّبنا وإياهم الآفات في السر والنجوى، يا كاشف كلِّ بلوى، لا إله إلا أنت يا رب العرش العظيم، اكفِنا ما أهمَّنا وما لا نهتمُّ به، وما أنت أعلمُ به منا، وكن هَمَّنا أنت وحدَك يا أكرم الأكرمين. اللهم يا محوِّل الأحوال حوِّل حالنا وحال المسلمين أجمعين إلى أحسن حال، وعافِنا من أحوال أهل الضلال وفِعل الجهال يا رب العالمين، اللهم نسألك لنا ولبلدنا وللأمة مِن خير سألك منه عبدُك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك مما استعاذك منه عبدُك ونبينك سيدُنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم وإن لنا إخوانا هم حجاج بيتك نغبطهم على ما يسرت لهم، لكن نسألك أن تتقبّل منهم، وأن تيسّر أمورهم، وأن تجعل حجهم مبرورا وذنبهم مغفورا، وأن تعيدهم إلى بلدانهم سالمين وبالأجر غانمين. ربنا اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، وأعد علينا على اليوم بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
. كل عام والجميع بتوفيق الله في خير وعافية، وصلى الله وسلم على محمد.