06 فبراير 2019


الموضوع: الأسرة هي حائط الصدّ الأول للوقاية من الآفات الإجتماعية

الخطبة الأولى
        الحمد لله الذي أمر بالإصلاح، ونهى عن الفساد، وحثّ على رعاية مصالح العباد، ورغّب في عمارة البلاد. أحمده سبحانه، فهو للحمد أهل، وأشكره على واسع المنّة والفضل. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أمر بشكر المحسنين، والتعاون عل ما فيه الخير للناس أجمعين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
     أما بعد، فخير الوصايا وصيّة رب البرايا، قال تعالى: "وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ". النساء:131، فاتقوا الله رحمكم الله، فإن تقوى الله خير لباس وزاد، وأفضل وسيلة إلى رضى رب العباد، وهي العِصْمة الباقية، والجُنَّة الواقية، جعلني الله وإياكم من المتقين..
    أيها المسلمون: إن المتأمل في الواقع الاجتماعي لكثير من المجتمعات بما فيه مجتمعنا الجزائري يدرك ما أحدثته المتغيرات الحضارية من نقلة نوعية في حياة الأفراد والأسر والبيوتات، انعكست آثارها السلبية على كافة المستويات، لا سيما في القضايا الاجتماعية. فبعد أن كانت قضايا الأمة الاجتماعية متَّسمة باليسر والسهولة انقلبت إلى صُور جديدة متَّسمة بالعَنت والمشقة والتعقيد، لتظهر أنماط جديدة وظواهر خطيرة، يُخشى أن تُسهم في خلخلة النظام الاجتماعي في الأمة إن لم يُتداركِ الأمرُ..
    نعم للأسف.. فلقد تفشَّت ظواهر العقوق، وتخلّى كثير من الأبناء والآباء عن أداء الحقوق، وعلَتْ نسبة العنوسة، وكثُرت المشكلات الاجتماعية، فارتفعت معدَّلاتُ الطلاق، وتعدَّدت أسبابُ الانحراف والجريمة والانتحار والمخدرات والمسكرات، وجنوحُ الأحداث وتشرُّدُ الأطفال، والعنفُ العائلي، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به..
   ولا ريب أن من أهمّ الجوانب التي تولَّاها الإسلام بالعناية والرعاية، وأحاطها بسياج منيع من الصيانة والحماية:  الأسرة حائط الصد الأول للوقاية من الآفات الاجتماعية بكل أنواعها، واستقرارُها والتلاحم والتراحم بين أبنائها وأفرادها هو الأساس في تحقيق سعادة المجتمع، وضمان استقراره، وهي الركيزة العظمى في إشادة حضارة الأمة وبناء أمجادها. ولذا لو حاولنا ان نعرف بعض أسباب هذه الأمراض والآفات الإجتماعية لوجدنا:

    أولاـ  ضعفُ الوازع الديني، سوءُ الخلق الراجع لعدم تربية الأبناء تربية إسلامية من طرف الوالدين، ممّا يخوٍّل لبعض الأبناء التصرّفَ خارج الضوابط الإسلامية. فمسؤولية تربية الطفل تقع على الآباء فهم الذين لهم أثر كبير في صقل خلق الطفل و تربيته تربية حسنة ليصبح فردا صالحا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.. ". الحديث. رواه البخاري
   ثانياـ  انعدام الرقابة من قبل أولياء الأمور، إما لانشغالهم في العمل طوال النهار، و منْحُهُم الحريةَ و الثقةَ المطلقة لأبنائهم في تصرفاتهم دون أي ضوابط.. فالتفريط في تربية الأبناء، أو التخلِّي عن المسؤولية تجاههم، ذلكم هو الغدر وتلكم هي الخيانة وذلكم هو الغش الموصل إلى النار، أخرج البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من حديث مَعْقِل بْن يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ". فارعوا أبناءكم، وأدوا أماناتكم، وانصحوا لأولادكم، فكلٌ مسؤول عن رعيته .
   ثالثاـ الصحبة الطالحة، وحب الإثارة والمغامرة يدفع ببعض الأبناء للتقليد الأعمى الذي يؤدي بهم إلى الانحراف. لذلك كان التوجيه النبوي في اختيار الأصدقاء والرفقاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة". صحيح مسلم. وطبقاً لهذا وغيره فإنّ الحذر من رفقاء السوء يساوي في المقدار والأهمية ضرورة تهيئة الصحبة الصالحة للأبناء، ولقد نبًه على ذلك كثير من العلماء المسلمين، موجهين خطابهم إلى الوالدين وكل من قام على تربية الأبناء، فهذا الإمام ابن الجوزى رحمه الله يقول: "أمّا تدبير الأولاد فحِفْظُهم من مخالطةٍ تُفسد أخلاقهم، وليُحْمَلَ الولدُ على صحبة الأشراف والعلماء، وليُحَذَّر من مصاحبة الجهال والسفهاء، فإن الطبع لص". ابن الجوزى، صيد الخاطر:220.  وينقل - رحمه الله- عن إبراهيم الحربي- وهو من علماء التابعين رضى الله عنهمقوله: "أول فساد الصبيان بعضُهم من بعض". ابن الجوزى ـ ذم الهوى:97.
   رابعاـ  جهل الأبناء بأمور الحياة، قد يقودهم إلى المهالك والمزالق والانحرافات دون أن ينتبهوا إلا بعد فوات الأوان، أي بعد أن يكون أحدهم قد دفع ضريبة جهله ثمناً باهضاً، سجناً أو طرداً من البيت أو هجراناً من قبل الأصدقاء، وبكلمة أخرى يصبح منبوذاً اجتماعياً يتبرّأ أهله وأصحابه منه. فالصغير ـ أيها المسلمون ـ لن يتعلم إلا بالإحتكاك مع الكبير، وعلماء الاجتماع يقولون: "إن الطباع يسرق بعضها بعضا".  وانظروا إليه صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام البخاري عن مسلمه بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس يوما إلى نفر من أصحابه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فأتي بإناء فيه لبن ليشرب، فشرب ثم يريد أن يُعطي الموجودين بعده، فمن السنة أن يعطى من عن يمينه والغلام عن يمينه، ولكن يريد أن يعطى الأشياخ لسنهم، فقال يا غلام: ائذن لي أن أسقي الأشياخ قبلك؟. فقال: يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا. راوي الحديث يقول: فسلمه النبي صلى الله عليه وسلم في يده.
   إنها قمّة احترام الطفل وتعويده علي مجالسة الكبار وإبداء رأيه، فلم ينهره ولم يقل له كما يفعل البعض مع الصغار، عندما يأتي الضيوف ادخل عند النساء لأنه عيب أن يجلس الصغار مع الكبار، ومن هنا يتربى الولد ضعيف الشخصية، فإذا لم يجلس الولد أو يمشي مع الكبير ليتعلم، فمتي يتربّى؟.
   خامساـ التأثير السلبي الذي تلعبه وسائل الإعلام من أنترنيت، وفضائيات تلفزية وغيرها.. والإعلام بشكل عام سلاح ذو حدين: من الممكن أن يكون نافعًا للشاب، ومن الممكن أن يكون عاملاً من عوامل الانحراف، بحيث أن وسائل الإعلام تَعرض الأفلام والمسلسلات الأجنبية البوليسية، أو الإثارة أو الرعب، مع التفصيل في مواطن الانحراف كالرقص والزنا وشرب المخدرات وجرائم السرقة. وهذا ما هو إلا طريقٌ للانحراف الفكري والسلوكي لدى الشاب.
   أيها المسلمون: وما من مشكلة يعاني منها المجتمع إلا ونحن جميعاً مسؤولون عنها، أفراداً وجماعات  ومنظمات وهيئات رسمية وغير رسمية، فالمجتمع كلٌّ متداخل، فلا بد من الوعي، ولا بد من الحركة نحو الإصلاح، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وليس في تقصير البعض ما يبرر إعراض الآخرين عن القيام بالواجب، لأن الخطأ لا يبرره خطأً آخر. وإن صلاحَ المجتمعِ والأمةِ الإسلامية من صلاح الفرد، وكل المعاملات والسلوكات البشرية تبدأ من حسن أو سوء الخلق. ومن هنا تكمن أهمية الاهتمام بالنشء في تربيته تربية حسنة، وبمساره في المجتمع ينتهي به لأن يكون رجلَ الغدِ الصالحَ والمثقفَ منه الطبيبُ والمعلم والإمام والمدير والشرطي والصانع والتاجر وغير ذلك، النافعون لبلدهم وللأمة الإسلامية جمعاء.
      فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ وتعاونوا على الخير، وحاربوا الشر؛ فإن الله تبارك وتعالى جعل من صفات المؤمنين المسلمين أن يوصي بعضُهم بعضاً لكل خير، وأن يتآمروا بالمعروف وأن يتناهوا عن المنكر. قال تعالى: "وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ".  سورة العصر
   بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
    الحمد لله رب العالمين خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالتعاون على البر والتقوى ونهى عن الإثم والعدوان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرُ الناس للناس، وخيرُ الأهل لأهله، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
    أما بعد، عباد الله: إن للأسرة دورًا كبيرًا في رعاية الأولاد – منذ ولادتهم – وفي تشكيل أخلاقهم وسلوكهم، وما أجمل عبارة : ” إن وراء كل رجل عظيم أبوين مربيين”، وكما يقول بعض أساتذة علم النفس : “أعطونا السنوات السبع الأولى للأبناء نعطيكم التشكيل الذي سيكون عليه الأبناء”. وكما قيل : “الرجال لا يولدون بل يُصنعون". وكما عبر الشاعر
وينشأُ ناشئُ الفتيانِ مِنا * على ما كان عَوَّدَهُ أبُوه
وإهمال تربية الأبناء جريمة يترتب عليها أَوْخَم العواقب على حد قول الشاعر:
إهمالُ تربية البنين جريمةٌ  * عادت على الآباء بالنكبات
    نعم.. للأسفِ الشديدِ- إن كثيراً من الآباء -أصلحَ اللهُ أحوالَهم- يكونون سَبَباً لشقاءِ أولادِهِم وفسادِهِم، قال ابن القيم رحمه الله: "وكمْ ممن أشقى ولدَه وفلذةَ كبِدِه في الدنيا والآخرةِ بإهمالِه، وتركِ تأديبِه، وإعانتِه على شهواتِه، وهو بذلك يزعُمُ أنه يكرِمُه، وقد أهانه، ويرحمُه وقد ظلمَه، ففاتَه انتفاعُه بولدِه، وفوَّت على ولدِه حظَّه في الدنيا والآخرةِ، وإذا اعتبرتَ الفسادَ في الأولادِ رأيتَ عامَّتَه من قِبَلِ الآباءِ".
   أيها المسلمون: إن المسلمَ الحقَّ يهمُّه ويكرثه مسلكُ بنِيه نحوَ ربِّهم وإخوانِهم، وليست وظيفتُه ومهمتُه أن يُزحمَ المجتمعَ بأولادٍ ترَكَ حبلَهم على غاربِهم، وهذا هو هديُ الأولين من المؤمنين. فهذا خليلُ اللهِ إبراهيمُ عليه السلام يقول: "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ". وهذا نبيُّ اللهِ نوحُ يدعو ابنَه ويُلِحُّ عليه فيقولُ: "يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ". وهذا يعقوبُ يتعهَّد أولادَه في الرَّمَقِ الأخيرِ كما قصَّ الله تعالى: "أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ". وهذا ركْبُ المؤمنين الصادِقين المتبعين، ركبُ عبادِ الرحمنِ يلهجون قائلين: "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً". 
    فاتقوا الله -رحمكم الله وقوموا بمسؤولياتكم تجاه أبنائكم وسلوا الله صلاحها، وأن يحفظ عليكم دينكم وأن يثبتكم على الحق إلى الممات، وأن يحييكم في عافية مما أحاط بكم من الشرور والأمور المهلكات، واشكروه على نعمه وآلائه، فبالشكر تدوم النعم وتُحفظ. واعلموا أن سعادة الدنيا والآخرة بصلاح القلوب وانشراحِها، وزوالِ همومِها وغمومِها وأتراحِها، فألزموا طاعة الله وطاعة رسوله، تدركوا هذا المطلوب، واذكروا الله كثيرا، ألا بذكر الله تطمئن القلوب..
   اللهم احفظنا واحفظ أبناءنا وبناتنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، اللهم واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، ووفق ـ اللهم ـ ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.

24 يناير 2019


الموضوع : شكر الله على نعمة نزول الغيث، والدعوة إلى مواساة الفقراء والمحتاجين 

الخطبة الأولى
     إنَّ الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. 
    أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه؛ إذ بها المعتَصَم، ومنها الرِّبحُ والمغنَم، وبسبَبِها يدفع الله البلاءَ والمغرم، قال تعالى: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ". الطلاق:2، 3، وقال أيضا: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا". الطلاق:4.
     فلنتق الله عز وجل ولنتبصر في هذه الأيام والليالي، فإنها مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة حتى ننتهي إلى آخر سفرنا، وإن كل يوم يمر بنا، بل كل ساعة، بل كل لحظة تبعدنا من الدنيا وتقربنا من الآخرة، وإن هذه الأيام والليالي خزائن لأعمالنا ومحفوظة لنا شاهدة علينا بما عملنا فيها من خير أو شر.
       عباد الله: إن مِنْ نِعَمِ اللهِ سبحانه وتعالى على عباده أن جعل لهم فصولاً أربعة يتقلب فيها الزمان، على حرّ مصيف، ويبس خريف، وبرد شتاء، وحسن ربيع، تبعًا لحكمته البالغة ومشيئته النافذة وقدرته الباهرة، "حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ". القمر:5. فأما المؤمن فيتذكر ويعتبر ويزداد إيمانًا إلى إيمانه.
     يأتي فصل الصيف بحرارته وشدته، فيتذكر حرّ النار وسموم جهنم، ويتذكر قوله تعالى: "قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا" التوبة:81، فيزداد يقينًا إلى يقينه، ويسارع إلى طاعة ربه وإلى مرضاة مولاه، وإلى أعمال صالحة مباعدة عن النار.
     ويأتي فصل الشتاء ببرده وقساوته فيتذكر زمهرير جهنم، ويعلم أنه في موسم من مواسم الإقبال على الله، فيتزوّد للقاء الله سبحانه وتعالى، كما قال أحد السلف: "الشتاء جنة المؤمن؛ طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه". هذا هو حال المؤمن، وأما الغافل فلا تذكّر ولا اعتبار، وإنما لهو ولعب وغفلة وبعد عن الله سبحانه وتعالى، حاله كحال القائل:
إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لِي متى؟.
    هكذا المعرض عن الله يبدّد حياته ويضيّع عمره في كل معصية ولهو، حتى يأتيه الأجل وهو على هذه الحالة، فيندم ولات حين مندَم، ويتمنى الرجوع إلى هذه الدنيا ليعمل، ولكن هيهات هيهات، قال تعالى: "وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ" سبأ:54، وقال سبحانه: "أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ". فاطر:37.
    أيها المسلمون: إننا في هذه الأيام نتقلب في نعمة من نعم الله وافرة، فسماؤنا تمطر، وأشجارنا تثمر، وأرضنا تخضرّ، نعمةٌ ورحمةٌ من المنعم الرحمن المنان. فوالله، ثم والله، لولا الله ما سقينا، ولا تنعّمنا بما أوتينا. قال تعالى: "أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ". الواقعة: 68-70، أجاج أي: شديد الملوحة.   
    فكيف لا نشكر الله؟. وقد كنا بالأمس القريب فقط نشكو الجدب والقحط وقلة المياه، فنزلت رحمة الله الواسعة، فرويت الأرض، وجرت الوديان، وامتلأت الآبار، وسالت العيون، وفاضت السدود برحمة من الله وفضله. ألا إن رحمة الله بنا عظيمة، ونعمه علينا كثيرة، فالواجب علينا أن نشكر الله على هذه النعمة، وأن ننسب الفضل له، فما مطرنا إلا بفضل الله ورحمته. جاء في صحيح البخاري ومسلم عن زيد الجهني أنه قال: صلى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت بليل، أي: بعد ليلة ممطرة، فلما انصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا أو كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". فاللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله..
   أيها المسلمون: وإننا في نعمة لا تقدر بثمن، نلبس ونُغيّر في كل وقت وحين، ونقتني كل واقٍ يقينا من الأمطار وشدة البرد، فننام متلحفين، ونخرج إلى أعمالنا ومساجدنا مثل ذلك، ويعيش بعضنا وكأنه في وسط الصيف ليس ذلك إلا من نعمة الخالق سبحانه عزّ وجل. فلله الحمد والمنة، لله الشكر والحمد، وهذه ـ والله ـ نعمة جليلة ومنحة جسيمة لا يشعر بها إلا من ذاق لسع البرد وسهر الليالي من شدة الصقيع والجوع، قال تعالى: "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ".  النحل: 80، 81. 
   اللهم لك الشكر على آلائك التي لا تعد ولا تحصى، اللهم لو شئت لجعلت ماءنا أجاجاً، ولكن رحمتك أدركتنا فجعلته عذباً زلالاً، فلك الشكر لا نحصي ثناءً عليك، فما بنا من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد أنت رب العالمين، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه..


الخطبة الثانية
    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
       أيها المسلمون: إننا نعيش الآن في فصل الشتاء، نحُسُّ بنفثات برْدِه، نستنشق نسمات هوائه اللاذع، نتأمل في كيفية تدرج برودته على بني البشر، يجعلنا نتأمل ونتفكر، آيات تترا، وحكم لا تعد ولا تحصى، وما يشعر به الناس من شدة البرد باختلاف مناطقهم ومناخهم هو نفسٌ من أنفاس نار جهنم، ومصداق ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عندما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فجعل لها نفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها}. [رواه البخاري ومسلم]. 
    وهذا التعاقب ـ عباد الله ـ ما بين الحر ارة والبرودة يذكِّر الإنسان في كل فترة من عامه، كيف أحواله مع ذهاب أيامه وأعوامه، وهو في غفلة عن الموت، قد انغمس في شهوات الدنيا وملذاتها.
مضى الدهر والأيام والذنب حاصل وجاء رسول الموت والقلب غافل
نعيمك في الدنيا غرور وحسرة         وعيشك في الدنيا محال وباطل
   أيها المؤمنون: وممّا لا شك فيه أن الإنسان مجبول على طلب ما ينفعه، والبعد والتجافي عما يضره ويزعجه، وهذه فطرة بشرية، أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ). (العاديات:8). فها نحن قد أخذنا بالاستعداد لتهيئة بيوتنا بالمدافئ والملابس الشتوية وأجود أنواع الفرش، لكن في الوقت نفسه فإن كثيرا من جيراننا وأقاربنا وإخواننا المسلمين مَن يجلسون جلستهم العائلية بلا مدافئ، وترتعد أجسادهم في جنح الليالي من شدة البرد، ويذهب أطفالهم إلى مدارسهم من غير الكساء الذي يلبسه أبناؤنا وإخواننا، فيخترق البرد عظامهم، وليس ذلك إلا من قلّة ذات اليد وقلّة المحسنين. ونحن المسلمين كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. 
     فيا أيها المؤمنون: إننا نعيش هذا البرد، ويعيش معنا إخوان لنا قُدِرْت عليهم أرزاقهم، وقصرت بهم النفقة، وهم بأمس الحاجة إلى العون والمساعدة في برد الشتاء، فقدموا لأنفسكم وتفقدوا إخوانكم المحتاجين، وابدؤوا بأقاربكم وذوي أرحامكم ثم جيرانكم وأهل بلدكم ثم الأقرب منكم فالأقرب، ولا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتق النار ولو بشق تمرةّ.
     فاتقوا الله عباد الله، واذكروا في هذا الشتاء إخوانا لكم في الله، عضّهم الفقر، وأثقلت كواهلهم متاعب الحياة، واسوهم بالقليل من أموالكم، وأسعفوهم بالعيش الرخي، والثوب الرضي، وكونوا لهم عونا في الشدة، وعضدا في المحنة، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
    اللهم اجعل ما أنزلته صيبا نافعا، واجعله عطاء مشفوعاً برحمة، تصلح بها حالنا وتستقيم بها قوبنا، اللهم وبارك لنا في أسماعنا وأبصرنا وأزواجنا وذريتنا وأموالنا واجعلنا مباركين أينما كنا، اللهم ارحم المنكوبين والجوعى والخائفين والمظلومين في كل مكان، اللهم اجعل لنا مع كل قطرة مطر تفريجا وسعادة ورزقا وعافية واستجابة لكل دعاء وتيسيرا لكل عسير ورحمة لكل ميت وشفاء لكل مريض وعافية من كل بلاء ومن كل ذنب مغفرة ورحمة، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك الصالحين، برحمتك يا أرحم الراحمين، واجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم اغفر لنا ذنبنا كله، دقّه وجلّه، أولّه وآخره، سرّه وعلنه، واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك أنت الغفور الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

30 نوفمبر 2018

الموضوع:  مظاهرات 11 ديسمبر 1960ـ كانت فصل الخطاب في زمن الارتياب

الخطبة الأولى
      الحمد لله رب العالمين، له الحمد سبحانه يؤيد بنصره من يشاء، له الحمد حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك لا أنحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب العزة للمؤمنين والذل والصغار على الكافرين. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خير نبيٍ أرسله الله إلى العالم كله، بشيراً ونذيراً، وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
    أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى واذكروا أيامه لعلكم تتذكرون، اذكروا أيام الله بنصر أوليائه، واذكروا أيام الله بخذلان أعدائه، واذكروا أيام الله إذا نزل للقضاء بين عباده فقضى بينهم بفضله وعدله لعلكم توقنون.
    أيها المسلمون: إن نصر الله لأوليائه في كل زمان ومكان وأمة هو نصرٌ للحق وذلّةٌ للباطل، وأخذٌ للمتكبر ونعمة ٌعلى المؤمنين إلى قيام الساعة، فاتقوا الله تعالى وتعلّموا ما يكون به عبرة لكم واطّلاع على حكمة ربكم في تقديره وتشريعه. فقد قص الله في القرآن الكريم أحوال الأمم السابقة وما جرى بيِنهم وبيِن أنبيائهم، وأمرنا باستخلاص العبر من تلك الأحداث، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ ..}. يوسف:111
  وهذا أسلوبٌ من الأساليب القرآنية للتذكير بنعم الله، لأن نعم الله تعالى وعطاياه ومنحه من آثار ربوبيته سبحانه وتعالى، بل هو أسلوبٌ أقرب إلى الحس والمشاهدة، بحيث لا يصعب إنكاره إلا من جاحدٍ للنعمة كافرٍ بها، ونحن نجد فيضًا من الآيات المذكِّرة بنعم لله تعالى على اختلافٍ في هذه النعم، ففي سورة إبراهيم على نبينا وعليه السلام، نقرأ قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }، (إبراهيم:5). قال ابن كثير: أيام الله أياديه ونعمه عليهم، قلت : ولقد جاء هذا المعنى في حديث أبي بن كعب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بَيْنَمَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ، وَأَيَّامُ اللَّهِ نَعْمَاؤُهُ وَبَلاؤُهُ، إِذْ قَالَ مَا أَعْلَمُ فِي الأرْضِ رَجُلا خَيْرًا وَأَعْلَمَ مِنِّي.." الحديث رواه مسلم في باب من فضائل الخضِر عليه السلام. وقد فسّرَتْه بذلك أيضًا الآية: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ }. (إبراهيم:6). فهذه الآية صريحة في بيان أيام الله، وأنها مما امتنّ الله تعالى به على بني إسرائيل من نعمة النجاة من عذاب فرعون وبأسه، وهو حريٌّ بهم أن يُذعِنوا بالطاعة والانقياد لله تعالى والإخلاص له بالعبادة، ولقد جاء مثل هذا التنبيه في خطاب مشركي قريش حيث قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}. (إإبراهيم:28ــ29). حيث ذكر ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنه، أن هؤلاء هم كفار أهل مكة جاءتهم نعمة الله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا النعمة وجحدوا بها وأهلكوا أنفسهم وقومهم في الدنيا يوم بدر وفي الآخرة حيث ماتوا على الكفر والعياذ بالله. قلت: وأيُّ نعمة أعظم من نعمة الإسلام والهداية إلى التوحيد، وأي خسارة أعظم من الإعراض عن هذه النعمة.
    أيها المسلمون: وإن كان الخطاب موجه في كل ذلك إلى أولئك، فإننا مخاطبون بمثل ما خوطبوا به، ومذكَّرون بمثل ما ذُكروا به، ومُحذَّرون بمثل ما حُذِّروا منه. وقد أنعم الله علينا بمثل ما أنعم عليهم، وبأوفرَ مما أعطاهم وأجلّ. فمن واجب العبد أن يذكُر نعم الله عليه، فالله يقول: "وأما بنعمة ربك فحدث". سورة الإنشراح.
     أيها المسلمون: ومن هذا المنطلق، ومن باب "فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين"، فإن مظاهرات {11 ديسمبر من عام1960} ذكرى تستحقّ التذكير والتعريف بها، لا للذين اكتووا بنارها، فإنها يعرفونها ويذكرونها جيدا، وإنما نذكرها لشبابنا ومستقبل أمتنا، فإن الذي لا يعرف ماضيه يعجز عن صياغة مستقبله.
   إن مظاهرات {11 ديسمبر من عام1960} ذكرى تاريخية هامة، وحلقة مشرِّفة لملحمة من ملاحم ثورة التحرير المباركة. والتي عبَّرت بحقّ تعبيرا قويا عن صمود واستبسال الشعب الجزائري في سعيه نحو الإستقلال، وباختصار شديد إليكم القصة:
  فبعد وقائع المظاهرات المساندة لسياسة ديغول يوم 9 ديسمبر في عين تيموشنت والداعية إلى اعتبار الجزائر للجميع في الإطار الفرنسي، ومظاهرات المعمِّرين يوم 10 قبله، الداعية إلى اعتبار الجزائر فرنسية، زحفت المظاهرات الشعبية في أرجاء الوطن بقيادة جبهة التحرير الوطني يوم 11 ديسمبر لتعبِّر عن وحدة الوطن، والتفاف الشعب حول الثورة مطالبا بالإستقلال التام، هاتفة: الجزائر مسلمة، الجزائر جزائرية. حيث خرجت مختلف الشرائح في تجمعات شعبية في الساحات العمومية عبر المدن الجزائرية كلها، ففي الجزائر العاصمة عرفت ساحة الورشات كما كان يطلق عليها إبان ثورة التحرير (أول ماي) كثافة شعبية متماسكة مجندة وراء العلم الوطني وشعارات الاستقلال وحياة جبهة التحرير الوطني. 
   ودامت هذه المظاهرات لأزيد من أسبوع، شملت وهران، قسنطينة، عنابة، سيدي بلعباس، عين تموشنت، الشلف، البليدة، بجاية، تيبازة وغير ذلك من المدن والقرى .. بيّنت ـ هذه المظاهرات ـ كلها بفعل، الصدى الذي أحدثته على أكثر من صعيد حالة الارتباك التي أصابت الاستعمار، وعن مدى إصرار الشعب الجزائري على افتكاك السيادة المسلوبة، وجاء ردّ فعل السلطات الفرنسية قويا تجاه المظاهرات، إذ قابل الجيش الفرنسي الجموع الجزائرية بالدبابات والمدافع والرشاشات، وأمطروهم بنيران القنابل وأطلقوا عليهم الرصاص، كما قامت الشرطة الفرنسية بمداهمات ليلية لاختطاف الجزائريين من منازلهم، والإغارة على المواطنين وهم يوارون شهدائهم، كما هو الحال في مقبرة القَطّار وسيدي أمحمد، مما زاد في عدد القتلى، بالإضافة إلى سلسلة الاعتقالات التي مست عددا كبيرا من الجزائريين.." . (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ..)، (إبراهيم:42). (..وَيمكُرُونَ وَيَمكُرُ الله ُوَالله ُخَيرُ الماكِرِينَ)، (الأنفال:30).
    ولقد كان وقع هذه الظاهرات على المستوى الخارجي كبيرا، حيث كشفت للعالم حقيقةَ الاستعمار الفرنسي ووجْهَه الإجرامي، كما أكسبت هذه الأحداث جبهة التحرير الوطني دعما دوليا واسعا، حيث اقتنعت هيئة الأمم المتحدة بإدراج ملف القضية الجزائرية في جدول أعمالها وصوتت اللجنة السياسية للجمعية العامة لصالح القضية الجزائرية ورفضت المبررات الفرنسية التي كانت تهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي.
     بل أجمع المؤرخون والمهتمون بالثورة التحريرية الجزائرية على أن أحداث 11 ديسمبر 1960 كانت إحدى المنعرجات الحاسمة في الانتفاضة المسلحة للشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي، حيث نقلت المواجهات من الجبال إلى المدن والشوارع، وأثبتت للجنرال ديغول وللمعمرين الفرنسيين أن الجزائر لم تكن يوما فرنسية ولن تكون أبدا تابعة لها.
    أيها المسلمون: إن أيام الجزائر وقصة َاستقلالها قصةٌ طويلة الفصول، حزينة الأحداث، تجمع بين البطولة والمأساة، بين الظلم والمقاومة، بين القهر والاستعمار، بين الحرية وطلب الاستقلال، كان أبطال هذه القصة الفريدة أكثر من مليون شهيد، وملايين اليتامى والثكالى والأرامل، وكتبت أحداثها بدماء قانية غزيرة أهرقت في ميادين المقاومة وفي المساجد وفي الجبال الوعرة، حيث كان الأحرار هناك يقاومون .
     أيها المسلمون: إن مظاهرات 11 ديسمبر 1960ـ كانت فصل الخطاب في زمن الارتياب، لميلاد ثورة نوفمبر الحقيقة والأسطورة، وأظهرت الصورة التي كانت تغيبها فرنسا الاستعمارية عن الشعب الجزائري في التلاحم والاتحاد لنصرة قضيته التي رسمها نوفمبر الثورة بريشة الجهاد، وبمداد دم الشهداء، جوهرها الصدق والإيمان والوفاء للوطن.
    إن ذكرى 11 ديسمبر 1960 ذكرى خالدة في سجل إنجازات هذا الشعب الأبيّ الذي جسَّد روح التضامن والوحدة، وعبَّر بصدق للعالم أجمع عن مطلبه السامي لحرية وطنه، مدركا أنْ لا بديل عن الاستقلال غير الفعل الثوري والصبر على المكاره ورفع التحديات والسمو بالهمّة إلى مستوى الوعي التاريخي. كان نشيده:
نحن جند في سبيل الحق ثرنا وإلى استقلالنا بالحرب قمنا
لم يكن يصغى لنا لما نطقنا فاتخذنا رنة البارود وزنا
وعزفنا نغمة الرشاش لحنا وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا
يا فرنسا قد مضى وقت العتاب وطويناه كما يطوى الكتاب
يا فرنسا إن ذا يوم الحساب فاستعدي وخذي منا الجواب
ان في ثورتنا فصل الخطاب وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا
   وإذا كنا ـ أيها المسلمون ـ نحيي اليوم هذه الذكرى، فإننا نهدف إلى استلهام العبر من سيرة الأبطال الذين وهبوا أنفسهم في سبيل الله والوطن، رجال لم تُغرهِمْ زخارف الدنيا ولا بريق المناصب ولا كسب الأموال، فتحدَّوا الصعاب وخاضوا معركة الشرف والكرامة، فكتبت لهم الشهادة، فهم في أعلى عليِّين. "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".
    فإلى الله نتوجَّه بالشكر على ما أنعم به علينا من تخليصنا من أنياب شيطان الإستعمار، وأعاد أرض الإسلام إلى أمَّة الإسلام، ونستنزل رحمات الله الصيِّبة وصلواته الزكيَّة الطيبَّة، لشهدائنا الأبرار. فاللهم ارحمهم واجعل درجاتهم في عليين، ووفقنا للسير على طريقهم يارب العالمين.
أقول قولي هذا.
الخطــبة الثانــية
     الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الأمين. اللهم صل وسلم على هذا النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أيها المسلمون: إن مظاهرات 11 من ديسمبر تمثل ذكرى ناصعة، وإنها لمن أيام الله في تاريخ الشعب الجزائري الذي قدَّم أغلى ما يملك من أبنائه في سبيل الله والعقيدة والوطن.
    فالتاريخ هو ذاكرة الشعوب والأمم، وهو النافذة التي تَظَلُّ على مر العصور والدهور لتروي الحقائق والوقائع والأحداث التي مرت على الأجيال، وهو المرآة العاكسة للرصيد الحضاري والمعرفي للمجتمعات، لذلك فقد ظلت كل المحاولات الهادفة إلى طمس تاريخ الشعوب هنا وهناك رهينة الفشل، وسرعان ما عادت أدراجَها تجرُّ وراءها أذيال الخيبة والخُسران. فالشعب الجزائري يذكر تلك الأيام التي آل فيها على نفسه أن يكتب صفحات مجيدة في تاريخه الحافل بالبطولات والتضحيات الجسام من أجل انتزاع حقه في الحرية والسيادة الوطنية، فيُحيي في كل عام جهاد أولئك الأبطال المجاهدين الذين وقفوا ضد الإستدمار وهم عزَّل، لا يملكون إلا إيمانهم بالله تعالى، وهو السلاح الفتاك، وأظهروا للعالم أنهم مرابطون مجاهدون حتى يسترجعوا وطنهم وحقوقهم التي ينعم بها العدو في بلادهم ومزارعهم، وحقق الله وعده للمستضعفين، وحرّرهم من ظلم الإستدمار والعبودية، وأذهب عنهم الخوف ليعبدوه لا يشركون به شيئا.
    أيها المسلمون: إن ذكرى هذه المظاهرات ـ وما لحقها من أحداث هي من أيام الله فينا، وإنها بعض ما امتن الله تعالى به على الجزائريين من نعمة الحرية والإستقلال بعد استدمار طويل اغتصب الأرض وأذلّ الشعب، ما هو حري بهم أن يذعنوا بالطاعة والإنقياد لله تعالى، والإخلاص له بالعبادة، قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما أستخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا}.
     فما أحوجنا في أزمنة هذه الأحداث الجسام التي تعصف بأمتنا المسلمة هنا وهناك، إلى أن نذكِّر أنفسنا ونذكِّر الناس بأيام الله، فالتذكر والتذكير في القرآن قضية ملحّة تهزّ عقول البشر هزا عنيفا، وتزيح أستار الغفلة التي تلقيها عليها بين الحين والحين نوازع النفوس الآثمة ومغريات الحياة، وذلك ليعود للعقل البشري صفاؤه، لأن تلك السنن، سنن الله ولن تجد لها تبديلا ولا تغييرا.
    فاتقوا الله تعالى ـ عباد الله ـ واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الإسلام التي لا يعدلها نعمة، تلك النعمة التي ضلّ عنها كثير من الناس وهداكم الله تعالى بمنه إليها، تلك النعمة التي عشتم عليها وعاش عليها آباؤكم. ونعمة الإستقلال والحرية والأمن، فهو سبحانه أنقذكم من استعمار مستدمر جاس خلال الديار بجنوده وعتاده، فخرب الديار وأفسد الأديان والأفكار. اشكروا الله تعالى على هذه النعمة وحافظوا على بقائها واستمرارها، واسألوا الله الثبات عليها، وإياكم إياكم أن تتعرضوا لما يزيلها ويسلبها منكم فتخسروا دنياكم وآخرتكم، واتقوا الله لعلكم تفلحون. قال تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}،إبراهيم7.
   اللهم ارحم شهداءنا الأبرار واكتبنا في زمرتهم يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك عودةً إليك وإلى دينك، تعود بها العزَّة والكرامة، وحكمةً مستمدَّةً من تعاليم الإسلام، تسدِّد الرأي وتثبِّت الأقدام، وألفة تجمع الشمل، ووحدةً تبعث القوَّة، وعزيمةً تقطع دابر الاستعمار من النفوس، بعد أن قطعت دابره من الأرض. اللهم إنا نسألك العون والتوفيق في الأمور كلها، ونسألك اللهم العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ونسألك ربناالسلامة من حقوق خلقك، والإعانة على أداء حقك، وأن تجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى، وألاتجعلنا من المتعاونين على الإثم والعدوان. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وهيء له البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الخير وتعينه عليه. اللهمَ أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحّدين، واجعل اللهمّ هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

05 سبتمبر 2018


الموضوع: عاد الحجاج.. ولكن بأي شيء عادوا؟.

الخطبة الأولي
    الحمد لله على فضله وإحسانه، شرع لعباده من الأعمال ما يكفّر به سيئاتهم ويرفع به درجاتهم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين صلى الله وسلم تسليما عليه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه..
      أما بعد، فلقد سعد أناس بأداء فريضة الحج هذا العام، فلله الحمد والمنة على ما أنعم به عليهم من إتمام نسكهم، وعلى ما يسّر لهم وأعانهم على إكمال هذه الشعيرة العظيمة، نسأله سبحانه أن يتقبل منهم، وأن يرزقنا وإياهم الاستقامة على دينه، إنه جواد كريم.
   أيها المباركون: لقد بدأ حجاجنا يَقدمون من خير البقاع بغير ما ذهبوا به، ويَصدُرون بخلاف ما وردوا، يرجعون بوجوهٍ غير التي راحوا بها، ويعودون بقلوبٍ غير تلك التي سافروا بها.
       عاد الحجاج.. ولكن بأي شيء عادوا؟.
      ها هم يعودون ـ بإذن الله ـ كيوم ولدتهم أمهاتهم، حامدين للسعي المشكور، مسرورين بالذنب المغفور، "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"، جعل الله حجهم مبرورا، وذنبهم مغفورا.
    قد قدم عَمرو بن العاص من مكة إلى المدينة ليَعرض إسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهشّ له المصطفى صلى الله عليه وسلم وبشّ، وبسط يمينه ليبايعه على الإسلام، ولكن عَمراً قبض يده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما لك عَمْرو؟!"، قال: أردت أن أشترط، فقال عليه الصلاة والسلام: "تشترط ما ذا؟"، قال: أشترط ان يُغفَر لي"، فقال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: "يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله".
  وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: "كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منًى، فأتاه رجلٌ منَ الأنصار، ورجل من ثقيفٍ، فسلَّمَا، ثم قالا: يا رسول الله، جئنا نسألك، فقال: "إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت، فقالا: أخبرنا يا رسول الله، فقال الثقفي للأنصاري: سلْ، فقال: أخبرني يا رسول الله، فقال: "جئتني تسألني عن مخرجكَ مِن بيتك تؤمُّ البيت الحرام، وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن نحرك وما لك فيه مع الإفاضة"، فقال: والذي بعثك بالحق لَعَنْ هذا جئت أسألك، قال: "فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام، لا تضع ناقتُكَ خُفًّا ولا ترفعه إلاَّ كتب الله لك به حسنةً، ومحا عنك خطيئةً، وأما ركعتاك بعد الطواف كعِتق رقبةٍ من بني إسماعيل -عليه السلام، وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبةً، وأما وقوفك عشية عرفة فإنَّ الله يهبط إلى سماء الدنيا، فيباهي بكم الملائكة، يقول: عبادي جاؤوني شعثًا من كل فجٍّ عميقٍ يرجون جنتي؛ فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار، فلك بكل حصاةٍ رميتها تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمذخورٌ لك عند ربك، وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، ويمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي مَلكٌ حتى يضع يديه بين كتفيك، فيقول: اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى". رواه الطبراني، والبَزَّار، واللفظ له، ورواه ابن حبَّان في صحيحه، وهو حديث حسن.
   فأي فضل عدتم به حجاجنا، وأي جزاء أعظم من تكفير السيئات وستر العيوب وإقالة العثرات؟.
    وأي هدف أسمى وغاية أنبل من غفران الذنوب والتجاوز عن السيئات! ؟.
      أما إن الربّ ليدنو من الحجيج ويقول لملائكته: "أشهدكم أني قد غفرت لهم". فهنيئًا للمخلصين في حجهم، هنيئًا لهم المغفرة والرحمة من الرب الرحيم الكريم.
   حجاجنا الكرام: ها لقد عرفتم فالزموا، وآمنتم بالله فاستقيموا، وفتحتم في حياتكم صفحاء بيضاء نقية، فحذار من العودة إلى الأفعال المخزية والمسالك المردية، أوفوا بما عاهدتم الله عليه من التوبة، ينجز لكم ما وعدكم من الأجر العظيم، واعلموا ـ غفر الله لي ولكم ـ أن الحج بمنزلة التوبة تعلن في البقعة التي نبت فيها الإسلام، فالعودة إلى الركض في ميادين المعاصي لهو نقض لهذه البيعة، وهو كالهدم بعد البناء، "ومن نكث فإنما ينكث على نفسه"!!. فهل بعد انتهاء المناسك والعودة إلى الوطن، تنتهي الطاعة، وينسى ذكرالله؟.
     أيها الحاج: أعيذك أن تكون كتلك المرأة الحمقاء التي وصفها الله وحذَّر من فعلها فقال: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا". سورة النحل 92. فقد كانت تغزل الصوف حتى إذا صار خيوطا قوية، عادت ففكَّت غزلها!!. وهذا مثال لمن يبدأ العمل الصالح، حتى إذا تكامل وارتفع بنيانه عاد فهدمه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى من تغير الحال فيقول: "وأعوذ بك من الحور بعد الكور" رواه مسلم.  والحور:  الرجوع والنقصان. والكور: هو من تكوير العمامة، وهو لفُّها وجمعها، فاستعاذ صلى الله عليه وسلم من النقصان بعد الزيادة.
   فيا من تقلبتم في أنواع العبادة الزموا طريق الإستقامة، وداوموا العمل فلستم بدار إقامة، واحذروا الرياء والسمعة، فربّ عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية، قال بعض السلف: "من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته"فاتقوا الله في كل وقت وحين، وتذكروا قول الحق في كتابه المبين: "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ". المائدة: 27.
جعلني الله وإياكم من المتقين، وغفر لي ولكم وللمسلمين أجمعين، أقول قول هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين..
 أما بعد، واعلموا ـ أيها الحجاج ـ أن الحج المبرور له أمارة وعلامة، ولقَبوله منارة وشامة، سئل الحسن البصري رحمه الله: ما الحج المبرور؟، فقال: "أن تعود زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة". فليكن حجكم باعثا لكم إلى المزيد من الخيرات، وفعل الطاعات، فإن المؤمن ليس له منتهى من صالح العمل إلا حلول الأجل، قال تعالى: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". 
فيا حُجَّاج بيـت الله كونوا * على المنهاجِ روَّادًا عِظامًا
وتلك العُروةُ الوُثقى شِعارٌ * فلا ترضَوا لعُروتها انفِصامًا
    أيها الحاج: بعد أن تحققت لك الأمنية، وتمّت لك العطية، وخرجت بإذن الله من صفحاتك السوداء بصفحة بيضاء نقية ناصعة بهية، وأعمال مرضية وروح مرتفعة المعنوية، احذر من العودة إلى الدنس والإفراط في الذنوب بلا تفكير بعد النقاء والصفاء والتطهير.
   أترضى بعد الرفعة والإجلال أن تعيش منبوذا تافها حقيرا، فذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها، فما أحسن الحسنة بعد الحسنة، وما أقبح السيئة بعد السيئة!.
    فما أجمل ـ أيها الحاج ـ أن تعود بعد حجّك إلى أهلك ووطنك بالخلق الأكمل، والعقل الأرزن، والوقار الأرصن، والشيم المرضية، والسجايا الكريمة.!  
  ما أجمل أن تعود حسَن المعاملة لقُعَّادك، كريم المعاشرة لأولادك، طاهر الفؤاد، ناهجًا منهج الحق والعدل والسداد، المُضمَر منك خير من المظهر، والخافي أجمل من البادي!!.
     إن عدت ـ أيها الحاج ـ بهذه الصفات الجميلة، فحقّاً قد استفدت من الحج وأسراره ودروسه وآثاره.

   غفر الله لك ولمن استغفرت له، وبارك في حجك وجعله من أسباب فلاحك. جعل الله حجك مبرورا وذنبك مغفورا.  اللهم وسلّم جميع الحجاج والمعتمرين، وردّهم إلى ديارهم سالمين غانمين، وبالأجر والثواب موفورين، اللهم وإن كان للعمر بقية فاجعلنا من حجاج بيتك العام القادم إن شاء الله. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم..