18 أبريل 2019


الموضوع:  شهر شعبان رسولُ رمضان وسفيره..

الخطبة الأولى
     الحمد لله الذي اهتدى بهديه المتقون، أحمده سبحانه أكمل لعباده الدين فسار على نهجه الصالحون، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأولئك هم المفلحون
    أما بعد: فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلملماذا تكثر الصيام في شهر شعبان؟  قال عليه الصلاة والسلام: "يا أسامة، هذا الشهر يغفل الناس عنه، ما بين رجب ورمضان، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى الله، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم". رواه النّسائي.
   أيها المسلمون: ها أنتم في شهر سفيرٍ كريم بين يدَي ضيفٍ حبيب عظيم، فأكرموا سفيرَ حبيبكم، وقوموا بحقّ مبعوث ضيفِكم، إنه شهر شعبان رسولُ رمضان وسفيره، ومبعوثه إليكم وبريدُه، فمن حقّ رمضان علينا أن نصِل قريبه، وأن نكرمَ أخاه وقرينَه، ويكون ذلك بأمور يسيرةٍ لمن همُّه سعة قبره وضياؤه، وهدفه رحمة ربّه ورضاؤه. وقد بيّن صلى الله عليه وسلم إكثاره من الصيام في هذا الشهر المبارك لسببين:
    أولهما أن شهر شعبان شهرٌ يغفل الناس عنه لوقوعه بين شهرين عظيمين: شهرِ رجب وشهرِ رمضان، والأوقات التي يغفل فيها الناس عن العبادة تحسن فيها الطاعات وتعظم فيها الحسنات، فالمؤمن ينبغي له أن يزداد تشميره وحرصُه على الطاعة والعبادة والذكر حين أوقات الغفلة وفي أماكن الغفلة.
     والسبب الثاني لإكثار المصطفى من الصيام في شعبان هو أن شعبانَ شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى, فأراد أن يرفع عمله وهو صائم.
    فيا أيها المسلمون: في هذا الشهر تروى أحداث كثيرة في حياة الرسل والرسالات، فلقد ورد أن الله نجّى فيه موسى من فرعون، ونجّى فيه إبراهيم الخليل من النار، ورست فيه سفينة نوح على الجوديّ، وغير ذلك. ولقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يحتفي بهذا الشهر ويزكيّه، وهو من الشهور المفضلة عنده، لما وقع له عليه الصلاة والسلام فيه من تكريم، ولما نال فيه من تعظيم.
      ففيه حقّق الله أمنية عزيزة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأجاب دعاءه من غير سؤال وحقق رجـاءه مـن غيـر طلب.
فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون يستقبلون في صلاتهم بيت المقدس، وكان صلى الله عليه وسلم يرجو أن تكون قبلته وقبلة أمّته الكعبة المشرفة، ويحكى القرآن تشوّق النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله تعالى: "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينّك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره". البقرة:144.
نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالمؤمنين صلاة العصر، فتحول وهو في الصـلاة من استقبال بيت المقدس، إلى استقبال البيت الحـرام. ولما علم اليهود ذلك هاجوا وماجـوا وقالوا: لوكان محمد رسولا حقا ما خالف قبلة الأنبياء قبله، وقال الكفار: رجع محمد إلى الكعبة، وعما قليل يرجع إلى ديننا، فأنزل الله تعالى: "سيقول السفهاء من الناس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم". البقرة:142. ثم قال جل شأنه مبينا حكمته تعالى في ذلك: "وما جعلنا القبلة التي كانت عليها إلا لنعلم من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبيه.". البقرة:143. فشأن المؤمن الحق أن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أنزل إليه من ربه.   
     وفي هذا الشهر ـ أيضا ـ أكرم الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بمـعـجزة باهرة، حيث قال كفار قريش للرسول صلى الله عليه وسـلـم: "إن كنت رسولا من عند الله حقا، فانا نطلب منك دليلا وبرهانا على أنك نبي مرسل، وعلى صدق رسالتك"، وحدّدوا هم الدليل الذي أرادوه، فقالوا: نطلب منك أن ينشق القمر فرقتين، فرقة تبقى في السماء، والأخرى تنزل على الأرض ليكون برهانا على صدقك، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة إلى السماء، فانشقّ القمر حتى رأوا جبل حراء بينهما، والناس ينظرون، فكبّر المسلمون، أما الكفار فقالوا "سحر محمد أعيننا"، فأنزل الله تعالى: "اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمرّ، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقرّ ". القمر:1ـ3. تفسير ابن كثير 6/469.
     أيها المسلمون: وفي شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، فرض الله على المسلمين صوم رمضـان، وتـبـع هـذا فـرض زكـاة الفـطـر.
    وفي شهر شعبان أيضا. وفي السنة الخامسة للهجرة، وقعت غزوة بني المصطلق، فهزم الله بني المصطلق. وقُتل منهم من قُتل، ونصر الله المسلمين بقيادة القائد الأعظم، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أخماس الغنيمة على المقاتلين، للراجل سهم، وللفارس سهمان.
       وعلى كل حال فشهرنا هذا أيها المسلمون–شهر شعبان– له مكانـتـه بين الشـهور، فهو المقدمة لشهر القرآن والصيام، وهو شهر الدعاء والــرجـاء، والحمد والثناء لله العلي القدير، قال بعض العارفين: شهر رجَب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر السقي، وشهر رمضان شهر الحصاد، وقال: مثل شهر رجب كالرّيح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع في رجب ولم يسق في شعبان، فكيف يريد أن يحصد في رمضان؟!.
    أيها المسلمون: ما أعظم نفحات هذا الشهر، وما أجدرنا أن نكثر فيه من العبادة والطاعة لله. فينبغي لكل مؤمن لبيب أن لا يغفل في هذا الشهر، ويتأهب فيه لاستقبال شهر رمضان بالتطهر من الذنوب والتوبة عما فات وسلف، فيا من تريد غنيمةَ رمضان اعمل على تحقيق شروطها من الآن.
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يعيننا وإياكم على ذلك، ويبارك لنا في شعبان، وأن يبلغنا رمضان، وأن يكتب لنا فيه الرحمة والرضوان والعتقَ من النيران، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. أقول قولي هذا ..

الخطبة الثانية
   الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلّم عليه وعلى آله وأصحاب وإخوانه.
    أما بعد، عباد الله: وإن من أعظم ما يهيئ به المؤمن نفسه لرمضان في شهر شعبان ما جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: "يطَّلِعُ اللهُ إلى جميعِ خَلقِه ليلةَ النِّصفِ من شعبانَ فيغفرُ لجميعِ خلقِه إلَّا لمشركٍ أو مُشاحِنٍ" رواه الطبراني وابن حبان وهو حديث صحيح.
     والمتأمل ـ أيها المسلمون ـ لهذا الحديث يرى فيه تنبيها مهما، وهو خطورة الشحناء والبغضاء بين الناس، وأن الله لا يغفر للمتشاحنين، والشحناءحقد المسلم على أخيه المسلم بغضًا له؛ لهوى في نفسه، وهذه تمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة،
  وحريٌّ بكل مؤمن أن يبذل المستطاع، ويغتنم فرصة الحياة ليحوز على الخير ويرتقي في سلم الطاعة؛ من أجل أن يحقق لنفسه أعلى الدرجات في جنات الخلود.  ولعلكم سمعتم بعض الآثار والأقوال التي توجه الأنظار إلى ليلة النصف منه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كلام طويل: "فقد روي في فضلها– أي فضل ليلة النصف– من الأحاديث والآثار ما يقتضي أنها مفضله، ومن العلماء من السلف من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها"، وقال: "لا فرق بينها وبين غيرها من الليالي، لكن الذي عليه كثير من أهل العلم على تفضيلها". إلى آخر ما قاله رحمة الله عليه في موضوعها.
وعلى كلٍّ – يا عباد الله – فليلة النصف يحسن أن لا يسقطها المسلم من حسابه، ولا يكون فيها من الغافلين، لكن عليه أن لا يلتزم فيها بلون من العبادة مخصوص بها كصلاة بعدد معين، أو ترتيل أدعية مخصوصة، أو تلاوة سور من القرآن بعدد معين. فهذا لم ينقل عن سلف الأمة وخيارها، والمسلم الواعي الرشيد، لا يعتمد في دينه إلا ما صح النقل به عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وخاصة فيما تضاربت فيه الأقوال، واختلفت فيه الإتجاهات. جاء عن الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: "ليبلوكم أيكم أحسن عملا "، إنّ العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، والخالص أن يـكــون لله، والصواب أن يكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فاحرصوا–رحمكم الله – أن تجعلوا عباداتكم خالصة لله، موافقة لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واستغفروا الله وتوبوا إليه من جميع المعاصي والآثام، جعل الله لنا ولكم مواسم الخـيرات لنا مربحا ومغـنما وأوقات البركات والنفـحات إلى رحمـته طريقا وسلما.
     فاللهم بارك لنا في شعبان، واجعل سعينا فيه مشكورا، وذنبنا مغفورا، وعملنا صالحا مقبولا، وبلغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين، واجعلنا فيه من العتقاء من النار، واغفر اللهم لنا ما سلف وكان، من الذنوب والخطايا والعصيان، إنك خير مسؤول وأكرم مرتجى مأمول، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم احفظ بلادنا وأمننا وعقيدتنا من كيد الأعداء ودسائس المغرضين، وول علينا خيارنا وارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، واجمع على الحق والهدى والصلاح كلمَتهم، وابسُط الأمنَ والرخاءَ في ديارهم، وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بَطَن، برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين..

14 مارس 2019


الموضوع: اليوم الوطني لذوي الإحتياجات الخاصة
الخطبة الأولى

     الحمد لله الذي أعلى كرامة بني الإنسان، وجعلهم خلفاء في الأرض، كتب على نفسه الرحمة، وأزال على الناس بدينه الغمّة، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، أبدع الكون بقدرته، وملك الخلق بربوبيته، خلت الطرق كلها إلا طـريـقه، وفسدت المشارب طُرًّا إلا رحيقه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، نشر التراحم بين الناس، فما أمر حتى أقنع، وما بنى حتى جمع، فكان سيد الرحماء، وإمام الحكماء، تركنا على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك. فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأخيار البررة، وصحابته والتابعين لهم بإحسان.
   أما بعد، قال تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم". التوبة:128.
    أيها المسلمون: لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، عزيزا عليه ما أعنتهم وشقّ عليهم. حريصا على هدايتهم، رءوفا رحيما بهم، لا يكلفهم من الأمر عُسرا، ولا يحملهم من المشقة نُكرا، قال تعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القـلب لا نفضوا من حولك". آل عمران:159.
     لقد كان صلى الله عليه وسلم رءوفا بأصحابه وأتباعه، ومتحنّنا عليهم ومقدّما لهم في المصالح على نفسه. إذا رأى الضعفاء ونظر إلى الشيوخ والنساء والأطفال خفض لهم جناحه ووطّأ لهم كنفه، إذا دعوه لبّاهم وإن اتجه إلى الله بهم في العبادة خفّف عنهم. أليس هو القائل: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي، فأتجوّز في صلاتي ممّا أعلم من شدّة وجد أمه ببكائه". رواه البخاري. وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف، فإن منهم الصغير والكبير والضعيف وذا الحاجة، وإذا صلّى لنفسه فليطول ما شاء". كان-صلى الله عليه وسلم-يستميل القلوب، ويجذب العواطف، ويشرح الصدور بالإحسان، كان يتخذ من المستضعفين أصدقاءه وجلساءه وجنود دعوته وحملة رايته، يقول لأصحابه: "أبغوني ضعفاءكم–أي هاتوهم– فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم". رواه الترمذي.
      وما أكثر المواقف التي تجلّت فيها رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضعفاء، ويكفي أن تعود – أيها المسلم-إلى كتب السيرة والشمائل، فتجد الفيض الكبير من الأدلة والشواهد على ذلك.
    أيها المسلمون: والجزائر تحتفل باليوم الوطني لذوي الإحتياجات الخاصة، فيجب أن نلتفت إلى مدى عناية الإسلام بهم، وكيف فجّر في قلوبهم ينابيع السعادة، فأصبحوا راضين عن الحياة والكون من حولهم، لأنهم علموا أن هذا الكون الفسيح، "صنع الله الذي أتقن كل شيء". "خلق فسوّى وقدّر فهدى". وسمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من همّ ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها خطاياه". متفق عليه.
    سمعوا ذلك فكانوا نماذج صنعها الإيمان، فهذا ابن أم مكتوم– الأعمى– الذي لم تسمع به الدنيا قبل الإسلام، ولم يكن له ثِقل بين القبائل، فلا كان بطلا مغوارا، ولا ممّن له الرأي والكلمة، ولكن بفضل إيمانه حمل القرآن اسمه إلى الدنيا، فهو الذي عوتب فيه رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم. حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم دفعه حسن النية وطهارة القصد إلى الإقبال على أحد السادة مِن قريش يدعوه إلى الإسلام، مرجئا لهذا السبب، الإهتمام بأحد فقراء المسلمين - عبد الله بن أم مكتوم الأعمى – الذي جاء يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستهديه، وينزل الوحي بأسرعَ من الضوء حاملا إليه عتاب ربه في أسلوب محذر، قال تعالى: "عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكّى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدّى وما عليك أن لا يزكّى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهّى".  عبس:1ـ 10. وتلقّى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدرس من ربه، فلم يعُد أبدا يأبَهُ بأولئك العَلِيّة، وعاد إلى الفقراء والمستضعفين، فكان يلقى ابن مكتوم فيرحب به ويقول: "أهلا بمن عاتبني فيه ربي". انظر الجواهر الحسان ص:561.
ولقد شارك هذا الأعمى المسلمين حياتهم الإجتماعية والسياسية، ومنذ وصوله إلى المدينة شارك مع الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء المسجد، ولم يتخلف عن صلاة واحدة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يأمره بالأذان للصلاة إذا غاب بلال، وكان صوته عذبا، بل جعل صلى الله عليه وسلم الأذان في شهر رمضان المبارك لبلال لإيقاظ النائم، وتنبيه الغافل، وعندما يؤذن ابن أم مكتوم يكون إيذانا بالامتناع عن الطعام والشراب وإمساك الصائمين. كـما كـان صلى الله عليه وسلم يستخلفه على المدينة عند خروجه إلى غزواتـه، فاستخلفه حين خرج إلى أحد والخـندق وعمرة الحديبية وغـيـر ذلـك.
وهذا أيضا عمرو بن الجموح الأنصاري – أعرج شديد العرج – كان له أربعة بنين شباب، يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوم أحُد طلب إلى بنيه أن يُعدّو له عدّة الجهاد، فقال له بنوه: "إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد". فأتَى عَمرو الرسول صلّى الله عليه وسلم. فقال: "إنّ بنيّ هؤلاء يمنعوني أن أجاهد معك، ووالله يا رسول الله، إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه الجنة". فقال الرسول– صلى الله عليه وسلم: "أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد"، وقال لبنيه: "وما عليكم أن تدَعُوه لـعل الله يرزقه الشهادة؟"، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل شهيدا. وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: "إنّ منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبرّه". رواه البيهقي في السنن الكبرى.
   أيها المسلمون: أعمى وأعرج وغيرهما كثير، ما أحسّوا بالدونية، وما ضعفوا، وما انسحبوا من تبعاتهم، لم يشعر أي فرد ضعيف أو معوقّ، أنه ضئيل أو هَمل، فلقد اعطاهم الإسلام حقوقهم، وحرص على دمجهم في المجتمع، وحقق لهم ما يعيشون به بين أفراد المجتمع أعزاء لا يذلون لأحد سوى الله. فهم وأمثالهم لم يخرج عن كونهم أشخاصاً ابتلاهم الله تعالى بما أفقدهم من قدراتهم أو حواسهم وأصبحوا معوّقين عن الحركة والعمل والكسب أو العطاء كغيرهم من الناس، ومن ثم احتاجوا إلى مزيدٍ من الرعاية والعناية، والله سبحانه وتعالى خلق الخلق وجعلهم متفاوتين ومختلفين فمنهم القوي ومنهم الضعيف ومنهم المريض والسليم ومنهم المعافى والمبتلى، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فمن رحم الضعيف وساعد المحتاج ورحم صاحِب البلاء وأعان العاجز، رفع الله قدره وأكثر خيره وأوسع لَه في رزقه وغفر ذنبه وأحسن إليه كما أحسن إلى خلقه وأدخله الجنة برحمته، قال صلى الله عليه وسلم: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
    وفقنا الله وإياكم للخير، وبارك لنا ولكم بالقرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
   الـحمد لله رب العالمـين، سبّحت الكائنات بحمده، وعنت الوجوه لعـظـمته ومـجـده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
   أما بعد، فيا رحمكم الله: اذكروا في هذا اليوم– اليوم الوطني للذوي الإحتياجات الخاصة– هؤلاء. واعلموا أن الدهر قُلّب، والناس في سفينة تتقاذفها أمواج الحياة ترفعها تارة. وتخفضها أخرى– ولا عاصم إلا من رحم الله – وإنما يـرحم الله من عبـاده الرحـماء.  
ثمانـــية لابد منها على الـفتى *  ولابد أن تجرى عليه الثمانية
سرورٌ وهمٌّ واجتماع وفرقة   * ويسر وعسر ثم سُقم وعافية
   ولقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يراعي أصحاب الحاجات الخاصة في كل أحوالهم، فكان يأمر أصحابه فيقول: "من صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض وذا الحاجة". يقول لأصحابه: "أبغوني ضعفاءكم–أي هاتوهم– فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم". رواه الترمذي. وكذلك كان الصحابة الكرام يفعلون، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما روى أبو نعيم في الحلية، كان يخرج في سواد الليل فرآه طلحة، قد دخل بيتا ثم دخل بيتا آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجلِ يأتيك؟ قالَت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يُصلحُني، ويخرج عني الأذَى. وفِي عهدِ الخليفة عمر بن عبدِ العزيز - رضي الله عنه- كتبَ إلى أمرائه أن يحصوا له ذوي الاحتياجات الخاصة، وجعل لكل أعمى قائدا، ولكل مقعد خادما، وفرض للزَّمِن رزقا مخصوصا. حتى قيل: إن الزَّمِن أصبح أحبّ إلى أهله من الصحيح. (إصلاح المجتمع ص:219).
       عباد الله: إن مكانة هؤلاء في المجتمع كبيرة وعظيمة، وذلك بمساهمتهم في خيره وإسعاده من حيث نشعر أولا نشعر، لقد رأى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن له فضلاً على من دونه، فقال صلى الله عليه وسلم: "هل تنصرون، وترزقون إلا بضعفائكم". رواه البخاري، وعند النسائي: "إنما نصر الله هذه الأمة بضعفتهم بدعواتهم وصلا تهم وإخلاصهم".
       ومن بيننا فئةٌ من ذوِي الاحتياجات الخاصة، كالأعمى والأصمِّ وقليل الإدراك وضعيف الحركةِ، وأمثالهم، وهم قادرون بغيرهم  على العطاء في حياتهم بتعاوننا جميعا معهم، وكم في ذلك من الأجر الكبير، قال صلى الله عليه وسلم، فيما رواه ابن حِبان: "إِنَّ أَبْوَابَ الْخَيْرِ لَكَثِيرَةٌ: التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ... وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَتُسْمِعُ الأَصَمَّ، وَتَهْدِي الأَعْمَى، وَتَدُلُّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَتِهِ، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ مَعَ اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ، وَتَحْمِلُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، فَهَذَا كُلُّهُ صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ".
    فتعرّفوا ـ أيها المسلمون ـ إلى الله في الرخاء، يعرفكم في الشدة، وكونوا كما أمركم الله، وكما كان سلفكم الصالح الذين وقّفوا أموالهم وحبّسوها كلها أو بعضها على إطعام الجائع وسقاية الضمآن وكسوة العريان، وإيواء الغـريـب وعلاج المريض وكفالة اليتيم وإعانة المحروم، فتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، وافعلوا الخير لعلكم تفلحون..   
    اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بك من أن نغتال من تحتنا، اللهم إنا نسألك صحة في إيمان، وإيمانا في حسن خلق وعمل، وأنزل رحمتك وشفاءك على المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين..

06 فبراير 2019


الموضوع: الأسرة هي حائط الصدّ الأول للوقاية من الآفات الإجتماعية

الخطبة الأولى
        الحمد لله الذي أمر بالإصلاح، ونهى عن الفساد، وحثّ على رعاية مصالح العباد، ورغّب في عمارة البلاد. أحمده سبحانه، فهو للحمد أهل، وأشكره على واسع المنّة والفضل. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أمر بشكر المحسنين، والتعاون عل ما فيه الخير للناس أجمعين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
     أما بعد، فخير الوصايا وصيّة رب البرايا، قال تعالى: "وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ". النساء:131، فاتقوا الله رحمكم الله، فإن تقوى الله خير لباس وزاد، وأفضل وسيلة إلى رضى رب العباد، وهي العِصْمة الباقية، والجُنَّة الواقية، جعلني الله وإياكم من المتقين..
    أيها المسلمون: إن المتأمل في الواقع الاجتماعي لكثير من المجتمعات بما فيه مجتمعنا الجزائري يدرك ما أحدثته المتغيرات الحضارية من نقلة نوعية في حياة الأفراد والأسر والبيوتات، انعكست آثارها السلبية على كافة المستويات، لا سيما في القضايا الاجتماعية. فبعد أن كانت قضايا الأمة الاجتماعية متَّسمة باليسر والسهولة انقلبت إلى صُور جديدة متَّسمة بالعَنت والمشقة والتعقيد، لتظهر أنماط جديدة وظواهر خطيرة، يُخشى أن تُسهم في خلخلة النظام الاجتماعي في الأمة إن لم يُتداركِ الأمرُ..
    نعم للأسف.. فلقد تفشَّت ظواهر العقوق، وتخلّى كثير من الأبناء والآباء عن أداء الحقوق، وعلَتْ نسبة العنوسة، وكثُرت المشكلات الاجتماعية، فارتفعت معدَّلاتُ الطلاق، وتعدَّدت أسبابُ الانحراف والجريمة والانتحار والمخدرات والمسكرات، وجنوحُ الأحداث وتشرُّدُ الأطفال، والعنفُ العائلي، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به..
   ولا ريب أن من أهمّ الجوانب التي تولَّاها الإسلام بالعناية والرعاية، وأحاطها بسياج منيع من الصيانة والحماية:  الأسرة حائط الصد الأول للوقاية من الآفات الاجتماعية بكل أنواعها، واستقرارُها والتلاحم والتراحم بين أبنائها وأفرادها هو الأساس في تحقيق سعادة المجتمع، وضمان استقراره، وهي الركيزة العظمى في إشادة حضارة الأمة وبناء أمجادها. ولذا لو حاولنا ان نعرف بعض أسباب هذه الأمراض والآفات الإجتماعية لوجدنا:

    أولاـ  ضعفُ الوازع الديني، سوءُ الخلق الراجع لعدم تربية الأبناء تربية إسلامية من طرف الوالدين، ممّا يخوٍّل لبعض الأبناء التصرّفَ خارج الضوابط الإسلامية. فمسؤولية تربية الطفل تقع على الآباء فهم الذين لهم أثر كبير في صقل خلق الطفل و تربيته تربية حسنة ليصبح فردا صالحا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.. ". الحديث. رواه البخاري
   ثانياـ  انعدام الرقابة من قبل أولياء الأمور، إما لانشغالهم في العمل طوال النهار، و منْحُهُم الحريةَ و الثقةَ المطلقة لأبنائهم في تصرفاتهم دون أي ضوابط.. فالتفريط في تربية الأبناء، أو التخلِّي عن المسؤولية تجاههم، ذلكم هو الغدر وتلكم هي الخيانة وذلكم هو الغش الموصل إلى النار، أخرج البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من حديث مَعْقِل بْن يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ". فارعوا أبناءكم، وأدوا أماناتكم، وانصحوا لأولادكم، فكلٌ مسؤول عن رعيته .
   ثالثاـ الصحبة الطالحة، وحب الإثارة والمغامرة يدفع ببعض الأبناء للتقليد الأعمى الذي يؤدي بهم إلى الانحراف. لذلك كان التوجيه النبوي في اختيار الأصدقاء والرفقاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة". صحيح مسلم. وطبقاً لهذا وغيره فإنّ الحذر من رفقاء السوء يساوي في المقدار والأهمية ضرورة تهيئة الصحبة الصالحة للأبناء، ولقد نبًه على ذلك كثير من العلماء المسلمين، موجهين خطابهم إلى الوالدين وكل من قام على تربية الأبناء، فهذا الإمام ابن الجوزى رحمه الله يقول: "أمّا تدبير الأولاد فحِفْظُهم من مخالطةٍ تُفسد أخلاقهم، وليُحْمَلَ الولدُ على صحبة الأشراف والعلماء، وليُحَذَّر من مصاحبة الجهال والسفهاء، فإن الطبع لص". ابن الجوزى، صيد الخاطر:220.  وينقل - رحمه الله- عن إبراهيم الحربي- وهو من علماء التابعين رضى الله عنهمقوله: "أول فساد الصبيان بعضُهم من بعض". ابن الجوزى ـ ذم الهوى:97.
   رابعاـ  جهل الأبناء بأمور الحياة، قد يقودهم إلى المهالك والمزالق والانحرافات دون أن ينتبهوا إلا بعد فوات الأوان، أي بعد أن يكون أحدهم قد دفع ضريبة جهله ثمناً باهضاً، سجناً أو طرداً من البيت أو هجراناً من قبل الأصدقاء، وبكلمة أخرى يصبح منبوذاً اجتماعياً يتبرّأ أهله وأصحابه منه. فالصغير ـ أيها المسلمون ـ لن يتعلم إلا بالإحتكاك مع الكبير، وعلماء الاجتماع يقولون: "إن الطباع يسرق بعضها بعضا".  وانظروا إليه صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام البخاري عن مسلمه بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس يوما إلى نفر من أصحابه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فأتي بإناء فيه لبن ليشرب، فشرب ثم يريد أن يُعطي الموجودين بعده، فمن السنة أن يعطى من عن يمينه والغلام عن يمينه، ولكن يريد أن يعطى الأشياخ لسنهم، فقال يا غلام: ائذن لي أن أسقي الأشياخ قبلك؟. فقال: يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا. راوي الحديث يقول: فسلمه النبي صلى الله عليه وسلم في يده.
   إنها قمّة احترام الطفل وتعويده علي مجالسة الكبار وإبداء رأيه، فلم ينهره ولم يقل له كما يفعل البعض مع الصغار، عندما يأتي الضيوف ادخل عند النساء لأنه عيب أن يجلس الصغار مع الكبار، ومن هنا يتربى الولد ضعيف الشخصية، فإذا لم يجلس الولد أو يمشي مع الكبير ليتعلم، فمتي يتربّى؟.
   خامساـ التأثير السلبي الذي تلعبه وسائل الإعلام من أنترنيت، وفضائيات تلفزية وغيرها.. والإعلام بشكل عام سلاح ذو حدين: من الممكن أن يكون نافعًا للشاب، ومن الممكن أن يكون عاملاً من عوامل الانحراف، بحيث أن وسائل الإعلام تَعرض الأفلام والمسلسلات الأجنبية البوليسية، أو الإثارة أو الرعب، مع التفصيل في مواطن الانحراف كالرقص والزنا وشرب المخدرات وجرائم السرقة. وهذا ما هو إلا طريقٌ للانحراف الفكري والسلوكي لدى الشاب.
   أيها المسلمون: وما من مشكلة يعاني منها المجتمع إلا ونحن جميعاً مسؤولون عنها، أفراداً وجماعات  ومنظمات وهيئات رسمية وغير رسمية، فالمجتمع كلٌّ متداخل، فلا بد من الوعي، ولا بد من الحركة نحو الإصلاح، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وليس في تقصير البعض ما يبرر إعراض الآخرين عن القيام بالواجب، لأن الخطأ لا يبرره خطأً آخر. وإن صلاحَ المجتمعِ والأمةِ الإسلامية من صلاح الفرد، وكل المعاملات والسلوكات البشرية تبدأ من حسن أو سوء الخلق. ومن هنا تكمن أهمية الاهتمام بالنشء في تربيته تربية حسنة، وبمساره في المجتمع ينتهي به لأن يكون رجلَ الغدِ الصالحَ والمثقفَ منه الطبيبُ والمعلم والإمام والمدير والشرطي والصانع والتاجر وغير ذلك، النافعون لبلدهم وللأمة الإسلامية جمعاء.
      فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ وتعاونوا على الخير، وحاربوا الشر؛ فإن الله تبارك وتعالى جعل من صفات المؤمنين المسلمين أن يوصي بعضُهم بعضاً لكل خير، وأن يتآمروا بالمعروف وأن يتناهوا عن المنكر. قال تعالى: "وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ".  سورة العصر
   بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
    الحمد لله رب العالمين خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالتعاون على البر والتقوى ونهى عن الإثم والعدوان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرُ الناس للناس، وخيرُ الأهل لأهله، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
    أما بعد، عباد الله: إن للأسرة دورًا كبيرًا في رعاية الأولاد – منذ ولادتهم – وفي تشكيل أخلاقهم وسلوكهم، وما أجمل عبارة : ” إن وراء كل رجل عظيم أبوين مربيين”، وكما يقول بعض أساتذة علم النفس : “أعطونا السنوات السبع الأولى للأبناء نعطيكم التشكيل الذي سيكون عليه الأبناء”. وكما قيل : “الرجال لا يولدون بل يُصنعون". وكما عبر الشاعر
وينشأُ ناشئُ الفتيانِ مِنا * على ما كان عَوَّدَهُ أبُوه
وإهمال تربية الأبناء جريمة يترتب عليها أَوْخَم العواقب على حد قول الشاعر:
إهمالُ تربية البنين جريمةٌ  * عادت على الآباء بالنكبات
    نعم.. للأسفِ الشديدِ- إن كثيراً من الآباء -أصلحَ اللهُ أحوالَهم- يكونون سَبَباً لشقاءِ أولادِهِم وفسادِهِم، قال ابن القيم رحمه الله: "وكمْ ممن أشقى ولدَه وفلذةَ كبِدِه في الدنيا والآخرةِ بإهمالِه، وتركِ تأديبِه، وإعانتِه على شهواتِه، وهو بذلك يزعُمُ أنه يكرِمُه، وقد أهانه، ويرحمُه وقد ظلمَه، ففاتَه انتفاعُه بولدِه، وفوَّت على ولدِه حظَّه في الدنيا والآخرةِ، وإذا اعتبرتَ الفسادَ في الأولادِ رأيتَ عامَّتَه من قِبَلِ الآباءِ".
   أيها المسلمون: إن المسلمَ الحقَّ يهمُّه ويكرثه مسلكُ بنِيه نحوَ ربِّهم وإخوانِهم، وليست وظيفتُه ومهمتُه أن يُزحمَ المجتمعَ بأولادٍ ترَكَ حبلَهم على غاربِهم، وهذا هو هديُ الأولين من المؤمنين. فهذا خليلُ اللهِ إبراهيمُ عليه السلام يقول: "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ". وهذا نبيُّ اللهِ نوحُ يدعو ابنَه ويُلِحُّ عليه فيقولُ: "يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ". وهذا يعقوبُ يتعهَّد أولادَه في الرَّمَقِ الأخيرِ كما قصَّ الله تعالى: "أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ". وهذا ركْبُ المؤمنين الصادِقين المتبعين، ركبُ عبادِ الرحمنِ يلهجون قائلين: "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً". 
    فاتقوا الله -رحمكم الله وقوموا بمسؤولياتكم تجاه أبنائكم وسلوا الله صلاحها، وأن يحفظ عليكم دينكم وأن يثبتكم على الحق إلى الممات، وأن يحييكم في عافية مما أحاط بكم من الشرور والأمور المهلكات، واشكروه على نعمه وآلائه، فبالشكر تدوم النعم وتُحفظ. واعلموا أن سعادة الدنيا والآخرة بصلاح القلوب وانشراحِها، وزوالِ همومِها وغمومِها وأتراحِها، فألزموا طاعة الله وطاعة رسوله، تدركوا هذا المطلوب، واذكروا الله كثيرا، ألا بذكر الله تطمئن القلوب..
   اللهم احفظنا واحفظ أبناءنا وبناتنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، اللهم واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، ووفق ـ اللهم ـ ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.

24 يناير 2019


الموضوع : شكر الله على نعمة نزول الغيث، والدعوة إلى مواساة الفقراء والمحتاجين 

الخطبة الأولى
     إنَّ الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. 
    أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه؛ إذ بها المعتَصَم، ومنها الرِّبحُ والمغنَم، وبسبَبِها يدفع الله البلاءَ والمغرم، قال تعالى: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ". الطلاق:2، 3، وقال أيضا: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا". الطلاق:4.
     فلنتق الله عز وجل ولنتبصر في هذه الأيام والليالي، فإنها مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة حتى ننتهي إلى آخر سفرنا، وإن كل يوم يمر بنا، بل كل ساعة، بل كل لحظة تبعدنا من الدنيا وتقربنا من الآخرة، وإن هذه الأيام والليالي خزائن لأعمالنا ومحفوظة لنا شاهدة علينا بما عملنا فيها من خير أو شر.
       عباد الله: إن مِنْ نِعَمِ اللهِ سبحانه وتعالى على عباده أن جعل لهم فصولاً أربعة يتقلب فيها الزمان، على حرّ مصيف، ويبس خريف، وبرد شتاء، وحسن ربيع، تبعًا لحكمته البالغة ومشيئته النافذة وقدرته الباهرة، "حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ". القمر:5. فأما المؤمن فيتذكر ويعتبر ويزداد إيمانًا إلى إيمانه.
     يأتي فصل الصيف بحرارته وشدته، فيتذكر حرّ النار وسموم جهنم، ويتذكر قوله تعالى: "قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا" التوبة:81، فيزداد يقينًا إلى يقينه، ويسارع إلى طاعة ربه وإلى مرضاة مولاه، وإلى أعمال صالحة مباعدة عن النار.
     ويأتي فصل الشتاء ببرده وقساوته فيتذكر زمهرير جهنم، ويعلم أنه في موسم من مواسم الإقبال على الله، فيتزوّد للقاء الله سبحانه وتعالى، كما قال أحد السلف: "الشتاء جنة المؤمن؛ طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه". هذا هو حال المؤمن، وأما الغافل فلا تذكّر ولا اعتبار، وإنما لهو ولعب وغفلة وبعد عن الله سبحانه وتعالى، حاله كحال القائل:
إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لِي متى؟.
    هكذا المعرض عن الله يبدّد حياته ويضيّع عمره في كل معصية ولهو، حتى يأتيه الأجل وهو على هذه الحالة، فيندم ولات حين مندَم، ويتمنى الرجوع إلى هذه الدنيا ليعمل، ولكن هيهات هيهات، قال تعالى: "وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ" سبأ:54، وقال سبحانه: "أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ". فاطر:37.
    أيها المسلمون: إننا في هذه الأيام نتقلب في نعمة من نعم الله وافرة، فسماؤنا تمطر، وأشجارنا تثمر، وأرضنا تخضرّ، نعمةٌ ورحمةٌ من المنعم الرحمن المنان. فوالله، ثم والله، لولا الله ما سقينا، ولا تنعّمنا بما أوتينا. قال تعالى: "أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ". الواقعة: 68-70، أجاج أي: شديد الملوحة.   
    فكيف لا نشكر الله؟. وقد كنا بالأمس القريب فقط نشكو الجدب والقحط وقلة المياه، فنزلت رحمة الله الواسعة، فرويت الأرض، وجرت الوديان، وامتلأت الآبار، وسالت العيون، وفاضت السدود برحمة من الله وفضله. ألا إن رحمة الله بنا عظيمة، ونعمه علينا كثيرة، فالواجب علينا أن نشكر الله على هذه النعمة، وأن ننسب الفضل له، فما مطرنا إلا بفضل الله ورحمته. جاء في صحيح البخاري ومسلم عن زيد الجهني أنه قال: صلى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت بليل، أي: بعد ليلة ممطرة، فلما انصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا أو كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". فاللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله..
   أيها المسلمون: وإننا في نعمة لا تقدر بثمن، نلبس ونُغيّر في كل وقت وحين، ونقتني كل واقٍ يقينا من الأمطار وشدة البرد، فننام متلحفين، ونخرج إلى أعمالنا ومساجدنا مثل ذلك، ويعيش بعضنا وكأنه في وسط الصيف ليس ذلك إلا من نعمة الخالق سبحانه عزّ وجل. فلله الحمد والمنة، لله الشكر والحمد، وهذه ـ والله ـ نعمة جليلة ومنحة جسيمة لا يشعر بها إلا من ذاق لسع البرد وسهر الليالي من شدة الصقيع والجوع، قال تعالى: "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ".  النحل: 80، 81. 
   اللهم لك الشكر على آلائك التي لا تعد ولا تحصى، اللهم لو شئت لجعلت ماءنا أجاجاً، ولكن رحمتك أدركتنا فجعلته عذباً زلالاً، فلك الشكر لا نحصي ثناءً عليك، فما بنا من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد أنت رب العالمين، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه..


الخطبة الثانية
    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
       أيها المسلمون: إننا نعيش الآن في فصل الشتاء، نحُسُّ بنفثات برْدِه، نستنشق نسمات هوائه اللاذع، نتأمل في كيفية تدرج برودته على بني البشر، يجعلنا نتأمل ونتفكر، آيات تترا، وحكم لا تعد ولا تحصى، وما يشعر به الناس من شدة البرد باختلاف مناطقهم ومناخهم هو نفسٌ من أنفاس نار جهنم، ومصداق ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عندما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فجعل لها نفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها}. [رواه البخاري ومسلم]. 
    وهذا التعاقب ـ عباد الله ـ ما بين الحر ارة والبرودة يذكِّر الإنسان في كل فترة من عامه، كيف أحواله مع ذهاب أيامه وأعوامه، وهو في غفلة عن الموت، قد انغمس في شهوات الدنيا وملذاتها.
مضى الدهر والأيام والذنب حاصل وجاء رسول الموت والقلب غافل
نعيمك في الدنيا غرور وحسرة         وعيشك في الدنيا محال وباطل
   أيها المؤمنون: وممّا لا شك فيه أن الإنسان مجبول على طلب ما ينفعه، والبعد والتجافي عما يضره ويزعجه، وهذه فطرة بشرية، أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ). (العاديات:8). فها نحن قد أخذنا بالاستعداد لتهيئة بيوتنا بالمدافئ والملابس الشتوية وأجود أنواع الفرش، لكن في الوقت نفسه فإن كثيرا من جيراننا وأقاربنا وإخواننا المسلمين مَن يجلسون جلستهم العائلية بلا مدافئ، وترتعد أجسادهم في جنح الليالي من شدة البرد، ويذهب أطفالهم إلى مدارسهم من غير الكساء الذي يلبسه أبناؤنا وإخواننا، فيخترق البرد عظامهم، وليس ذلك إلا من قلّة ذات اليد وقلّة المحسنين. ونحن المسلمين كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. 
     فيا أيها المؤمنون: إننا نعيش هذا البرد، ويعيش معنا إخوان لنا قُدِرْت عليهم أرزاقهم، وقصرت بهم النفقة، وهم بأمس الحاجة إلى العون والمساعدة في برد الشتاء، فقدموا لأنفسكم وتفقدوا إخوانكم المحتاجين، وابدؤوا بأقاربكم وذوي أرحامكم ثم جيرانكم وأهل بلدكم ثم الأقرب منكم فالأقرب، ولا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتق النار ولو بشق تمرةّ.
     فاتقوا الله عباد الله، واذكروا في هذا الشتاء إخوانا لكم في الله، عضّهم الفقر، وأثقلت كواهلهم متاعب الحياة، واسوهم بالقليل من أموالكم، وأسعفوهم بالعيش الرخي، والثوب الرضي، وكونوا لهم عونا في الشدة، وعضدا في المحنة، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
    اللهم اجعل ما أنزلته صيبا نافعا، واجعله عطاء مشفوعاً برحمة، تصلح بها حالنا وتستقيم بها قوبنا، اللهم وبارك لنا في أسماعنا وأبصرنا وأزواجنا وذريتنا وأموالنا واجعلنا مباركين أينما كنا، اللهم ارحم المنكوبين والجوعى والخائفين والمظلومين في كل مكان، اللهم اجعل لنا مع كل قطرة مطر تفريجا وسعادة ورزقا وعافية واستجابة لكل دعاء وتيسيرا لكل عسير ورحمة لكل ميت وشفاء لكل مريض وعافية من كل بلاء ومن كل ذنب مغفرة ورحمة، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك الصالحين، برحمتك يا أرحم الراحمين، واجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم اغفر لنا ذنبنا كله، دقّه وجلّه، أولّه وآخره، سرّه وعلنه، واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك أنت الغفور الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..