04 يونيو 2019


الموضوع: خطبة عيد الفطر المبارك 1440هـ
الخطبة الأولى
    الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله ورحمته تفرح المخلوقات، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه وآلائه المتتابعات، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين، وقدوةً للسالكين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وعمل بسنته إلى يوم الدين. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.
   أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى فإنه -جل وعلا- أهل أن يتقى وأهل أن يغفر: "وَمَا تَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ". المدثر: 56 .
اتاكم العيد بالافراح فاحتفلوا واكثروا من تهاني العيد واتصلوا
وبلغوا الاهل والاصحاب تهنئة بالعيد يزهر فيها الحب والامل
أيها المسلمون: إنكم في يومٍ تبسمت لكم فيه الدنيا، أرضُها وسماؤها، شمسُها وضياؤها، صمتم وقمتم شهر رمضان المبارك ثم جئتم اليوم تسألون الله الرضا والقبول وتحمدونه على الإنعام بالتوفيق للصيام والقيام، فـ "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ". الأعراف: 43.
      عن أبي سعيد بن أوس الأنصاري عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول : "إذا كان يوم الفطر، وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادوا: أغدوا معشر المسلمين إلى رب كريم، يمنّ بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا، نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة". رواه الطبراني في المعجم الكبير.
     فبشرى لكم– أيها الصائمون– إيمانا واحتسابا، عاقبة حميدة، وقدوم على الله مفرح. تقبل الله صيامكم وقيامكم، وبارك لكم  في عيدكم، وأعاده عليكم وعلى الأمة الإسلامية في عز وتمكين ونصر وتأييد..  
هذا واعلموا ـ عباد الله ـ إن دينكم لا يشبهه دين وشريعتكم ليس كمثلها شريعة، فأعيادنا أعياد توحيد وسنة، وأعياد غيرنا أعياد شرك وبدعة وشبهة وشهوة.
   ففرحتنا اليوم فرحة شرعية أذن الله بها، قال تعالى: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ". يونس: 58؛ فرحةٌ بما مَنَّ الله علينا وأكرمنا به من نعمة التوفيق للصيام والقيام والتمام، إنها فرحةٌ تحمل أجزل العرفان لأهلِ الحمد ومستحقِهِ، وأسمى آيات الشكر والإمتنان لأهل الشكر ومستأهله، قال تعالى: "وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ". البقرة: 185، وقال : "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه".
  هذا ـ أيها المسلمون ـ يوم الفرحة الأولى، يوم يفطر فيه الصائمون، ويفرح المؤمنون، ويكبّرون الله على ما هداهم، ولعلهم يشكرون. فيا ربنا لك الحمدُ سرًّا وجهرًا، ولك الحمدُ دومًا وكرًّا، ولك الحمد شعرًا ونثرًا...  
    لكن اعلموا ـ أيها المسلمون ـ أن جمال العيد وبهاءه إنما يجب أن يكون على ما يرضي الله -تعالى- وعلى ما أذن به شرعاً، وأن يكون فرحاً مباحاً، لا كفرح بعض الناس – هداهم الله – يفرحون في هذا اليوم فرحاً يجعلهم يقعون في بعض المعاصي والآثام وقد يتلطخ أحدهم ـ والعياذ بالله ـ بالحرام ويتزين للعيد بما نهاه الله عنه وحرَّمَه عليه.
   فالفرح الحقيقي.. يومَ أن يفرحَ بنا الله عزَّ وجلَّ، يوم أن يفرح بنا النبيُّ ، يوم أن نُترجِم ما قاله سيِّدُنا عليٌّ رضي الله عنه، عندما دخل عليه رجلٌ في يوم عيد الفطر، فوجده يأكل طعامًا خشنًا، فقال له: يا أمير المؤمنين، تأكل طعامًا خشنًا في يوم العيد؟! فقال له الإمام عليٌّ - رضي الله عنه -: اعلمْ يا أخي، أنَّ العيد لِمَن قَبِل الله صومَه، وغفر ذنبَه، ثم قال له: اليوم لنا عِيد، وغدًا لنا عيد، وكل يوم لا نَعصي الله فيه فهو عندنا عِيد.
 نعم.. إنَّ العيد الحقيقي يوم أن تلتزمَ بطاعة الله، يوم أن تتمسَّك بسُنَّة رسول الله ، يوم أن تحافظ على تلاوة القرآن، يوم أن تخالِفَ نفسك وشيطانَك، وتنتصر عليهما. والفرح الحقيقي فرحك أخي المسلم، بإيمانك وتقواك، ورحم الله القائل: 
وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ      وَلَكِنَّ    التَّقِيَّ    هُوَ    السَّعِيدُ
فَتَقْوَى  اللَّهِ  خَيْرُ  الزَّادِ  ذُخْرًا     وَعِنْدَ    اللَّهِ    لِلْأَتْقَى     مَزِيدُ
 أيها المسلمون: وإني بقولي هذا لست أدعو إلى أن يكون العيد كشهود جنازة، ولا أن ينقلب الفرح بالعيد إلى حزن؛ ولكن لابد أن نَظهَر في أعيادنا بمظهر الأمة الواعية، ففي العيد يتعاون المسلمون على البر ويجتمعون على التقوى، وتتقارب القلوبُ على الودِّ وتلتقي على المحبة، في العيد يتناسى ذوو النفوس الطيبة أضغانهم، فيجتمعون بعد افتراق، ويتصافون بعد كدر، ويتصافحون بعد انقباض. العيد فرصة لبر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران والعطف على الصغار. العيد فرصة للتزاور والتهادي والإصلاح بين المتخاصمين والاجتماع على المحبة والألفة والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، فاسعوا إلى ذلك واجتهدوا، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد .
   أيها المسلمون: وحريٌّ بنا جميعاً ونحن نعيش فرحة العيد تحت ظل الأمن والإيمان في بلدنا المحروس بعين الرحمن ـ ولله الحمد والمنّةـ أن نتذاكر أموراً مهمة لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا في يومنا المبارك هذا، وفي كل أيامنا..
    فهذا الوطن شارك في صنعه ـ بعون الله ـ آباؤنا وأجدادنا، ويسهر عليه ـ بتوفيق من الله ـ رجال من أبناء هذا الوطن، يحفظون أمننا ومقدَّساتنا وأموالنا وأنفسنا وأهلينا. والسّاحة للصادقين المخلصين، الذين هم اليوم بأمسِّ الحاجة إلى التحامٍ قويّ واتفاقِ الكلمة والتعاونِ المطلوب في حماية الدين والعقيدة وأمن هذا البلد ورخائه.
  هذا البلد الذي يمّر اليوم بمرحلة تاريخية حساسة وفارقة في تاريخه الحديث، وهي بمثابة إعادة تأسيسٍ لدوره الريادي والحضاري في المنطقة العربية والعالم، وإن الخيّرين من هذه الأمة ليولون لهذه المرحلة أهمية بالغة، لأنها ستفرز من يشكّل الوجهة الحضارية لمستقبله، ومن هنا يفرض علينا الواجب الديني والوطني والخلقي ضرورة التحلي باليقظة والإيجابية والوعي، والبعد عن السلبية والهوى والعصبية والعاطفة، حتى يتمّ الله علينا نعمته
.
إنِّي أرَى هذِي البلادَ وأهلَها  * عقداً ثميناً لا يطَالُ بسوءِ ظـنْ
علماؤها.. (نخبتها).. أبناؤها  * جُبِلُوا على حبِّ العقيدةِ والسُّنَنْ
  هذا.. وليطمئن الجميع، فإن يحدث في الجزائر هو سرُّ الله وحده، وهو سبحانه مَن يعلم ما تؤول إليه الأحوال، ولعل مَشيئته سبحانه تفوق طموح الشعب الجزائري، ويريد بهم ولهم فوق ما يطمحون.. وكذلك قال العالم الرباني سيدي عبد الرحمن الثعالبي فخر الجزائر المحروسة وصاحب تفسير الجواهر الحسان رحمه الله:
إنّ الجزائر في أحوالها عجب * ولا يدوم بها للناس مكـروه
ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع * إلا ويُسرٌ من الرحمن يتلوه
  الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد.. فلنضع أيدينا بأيدي بعض، فإنها فرصة ثمينة إما لنا أو علينا، هي لنا متى أدركنا وفهمنا حقيقة التعاون على البر والتقوى، وهي علينا جميعًا متى أهملنا وفرطنا وقدمنا مصالحنا الخاصة على مصالح الأمة والدين والوطن..
    فكونوا يدًا واحدة في مواجهة التحديات، وجنبًا إلى جنب، وبكل ما أوتيتم من قوة ورأي وجهد في بقاء سفينة المجتمع الجزائري آمنة مطمئنة، تنعم بالسخاء والرخاء، والتنمية والازدهار، لتصبح عصية على كل اختراق، ثابتة راسخة أمام أي ريح هوجاء، قد تهب من هنا أو هناك، والله خير الحافظين. الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
   دامت الجزائر بفضل الله إلى ما شاء الله، علقما في عين كل حسود، وإثمدا في كل عين كل ودود، وسقى أرجاءها المشرقة وأغصانها المورقة شآبيب الإحسان ومهدها بالأمن واالإيمان، وبارك فِي أَرْضِها وسمائها، وأكثر خيرها في بَرِّها ومائِها، وحفظ أهلها وأمنها وعقيدتها من كيد الأعداء ودسائس المغرضين، وجعلها آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.. اللهم واجعل عيدنا سعيدا وعملنا صالحاً رشيداً، واجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات إلى رحمتك طريقا وسلما. أقول قولي هذا..

الخطبة الثانية
    الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله  كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
الحمد لله معيد الجمع والأعياد، ومبيد الأمم والأجناد، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مضاد، وأشهـد أن محمدًا عبده ورسوله المفضل على جميع العباد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليمًا.
  أيها المسلمون، عندما يقبِل العيدُ تشرِق الأرضُ في أبهى صورَة، ويبدو الكونُ في أزهى حللِه، كلّ هذه المظاهر الرائعةِ تعبيرٌ عن فرحةِ المسلمين بالعيد، وهل أفرحُ للقلب من فرحةٍ نال بها رضا ربّ العالمين لِما قدّمه من طاعةٍ وعمل وإحسان..
      ولا يسعني في هذه الصبيحة الطيبة العطرة، صبيحة عيد الفطر إلا أن أذكركم ونفسي بالتحاب في الله والتزاور في الله، فإن للمتحابين في الله درجة عظيمة، ثبت في الحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتجالسين فيّ".
     أيها المسلمون ـ اعلموا أن ربنا أَمَرنا بأن نتعاون على كل خيرٍ مباركٍ فيه عزٌّ للإسلام و أهلِه، وعلى كلّ ما فيه نفعٌ للمسلمين. جاء في تفسير القرطبي عند تفسير قوله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". المائدة: 02، قال الماوردي: "ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبرّ وقرنه بالتقوى له، لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومَن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمّت سعادته وعمّت نعمته". وقال ابن خُوَيْزٍ مَنْدَادُ في أحكامه: "والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه: فواجبٌ على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلّمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة، قال : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم". ا.هـ. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله  كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
      أيها المسلمون: العيد مناسبة طيبة للتعاون على البر والتقوى، وتصفية القلوب وإزالة الشوائب عن النفوس وتنقية الخواطر مما علق بها من بغضاء أو شحناء، فلنغتنم هذه الفرصة، ولِتجَدد المحبة، وتَحُل المسامحة والعفو محلّ العتب والهجران مع جميع الناس، من الأقارب والأصدقاء والجيران، قال : "وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزاً". رواه مسلم. فسارعوا إلى إصلاح ذات بينكم، وكونوا عونًا لأنفسكم وإخوانكم على الشيطان، ولا تكونوا عونًا للشيطان على أنفسكم وإخوانكم.
  وتذكروا ـ عباد الله ـ في هذا اليوم من تعيّد معنا الأعوام الماضية، وقد حال الموت دون آمالهم، وحطم الأجل لهم الأماني.
كم كنت تعرف ممن صام في سلف * من بين أهلٍ وإخوانٍ وجيـران
أفناهم الموت واستبقاك بعـدهـمُ * حياً فما أقرب القاصي من الداني
ومعجبٍ بثيـاب العيـد يقطعهـا  * فأصبحت في غدٍ أثواب أكفـان!
   وتذكروا أيضا إخواناً لكم أقعدهم المرض في البيوت، أو همُ في المستشفيات على الأسِرَّة البيضاء يرقدون، منهم من أمضى الشهور الطويلة، لا يغمَض لهم جفن ولا يهدأ لهم بال، فهم في آلامٍ متعبة وأوجاعٍ مؤلمة، فلا تنسوهم من دعوة صالحة، أن يشفي الله مريضهم، ويزيل بأسهم، ويفرج همَّهم، ويكشف كربتهم.
فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من إتمام الصيام والقيام، وشهود هذا اليوم المبارك من أعياد الإسلام، واسألوا الله القبول.   
 أيها المسلمون: آن لكم أن ترجعوا راشدين إلى بيوتكم على غير الطريق التي أتيتم منها، واعلموا أنكم في الدين إخوة، فحققوا هذه الإخوة بالتآلف والتحابّ بينكم. فتصافحوا وتزاوروا وتبادلوا التهاني، فالتهنئة بالعيد من الأمور المباحة، بل والمطلوبة، فلقد رُوي ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن قدامه رحمه الله: "وذكر ابن عقيل في تهنئة العيد أحاديث، منها، أن محمد بن زياد، قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ، فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض: "تقبل الله منا ومنك".   فهنيئا لكم، ومبارك عليكم عيدكم.. وتقبل الله منا ومنكم.. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله  كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
    اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واجعل شهرنا شاهدا لنا بأداء فرضك، ولا تجعلنا ممن جد واجتهد ولم يرضك، اللهم ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك ونسأل تمامها في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا. اللهم أعد علينا من بركات هذا اليوم وأعد أمثاله علينا ونحن نتمتع بالإيمان والأمن والعافية، اللهم يا قوي يا متين، انشُر الأمن والإيمانَ والتقوى بين المسلمين، وجنِّبنا وإياهم الآفات في السر والنجوى، يا كاشف كلِّ بلوى، لا إله إلا أنت يا رب العرش العظيم، اكفِنا ما أهمَّنا، وما لا نهتمُّ به، وما أنت أعلمُ به منا، وكن هَمَّنا أنت وحدَك يا أكرم الأكرمين، اللهم يا محوِّل الأحوال حوِّل حالنا وحال المسلمين أجمعين إلى أحسن حال، وعافِنا من أحوال أهل الضلال وفِعل الجهال، اللهم إنا نسألك لنا ولبلدنا وللأمة مِن خير سألك منه عبدُك ونبيك سيدنا محمد ، ونعوذ بك مما استعاذك منه عبدُك ونبينك سيدُنا محمد ، أنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بك.  اللهمَّ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، واحْمِ حَوزةَ الدِّين، اللهم ارحم المنكوبين والجوعى والخائفين والمظلومين،واشف مرضى المسلمين أجمعين، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم،وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا، برحمتك يا أرحم الراحمين. وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، اللهم واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين..

29 أبريل 2019


الموضوع: شهر رمضان، الحبيب الذي طال انتظاره..

الخطبة الأولى

      الحمد لله يمنُّ على عباده بمواسم الخير أفراحًا، ويدفع عنهم بلطفه أسباب الردى شرورًا وأتراحًا، أحمده تعالى وأشكره شكرًا يتجدد ويتألق غدوًا ورواحًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مبدع الكائنات أرواحًا وأشباحًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله رافع لواء الدين دعوة وإصلاحًا، والهادي إلى طريق الرشاد سعادة وفلاحًا.  صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خيار هذه الأمة تقىً وصلاحًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام مساءً وصباحًا، وسلم تسليمًا كثيرًا.
       أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله -جل وعلا-، فهي العدّة العتيدة لمن رام خيرًا وصلاحًا، ونَشَد عزًا وفلاحًا، وقَصد برًّا وتوفيقًا ونجاحًا.
    أيها المسلمون، قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ". البقرة:183.  
عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إِذا رأى الهِلالَ قال: "اللَّهُمَّ أهلّهُ عَلَيْنَا بِاليُمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَمِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ". رواه الترمذي وحسنه، وعند الدارمي بلفظ: "اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ والإيمَانِ، والسَّلامَةِ والإسْلاَمِ، والتَّوْفِيقِ لِمَا يُحبُّ ربُّنا ويَرْضَى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ ".

      عباد الله: بهذه المعاني كان عليه الصلاة والسلام يستقبل رؤية الأهلة، وبهذا أيضا ورد أيضا أنه كان يستقبل هلال شهر رمضان، إيذانا منه للبشرية جمعاء وللمسلمين خاصة، بأن دين الله عزّ وجل إنما جاء لتطهير العقائد وتربية النفوس وصقل الأفكار الهائجة التي تمرّدت على فطرة خالقها، وسلكت دون الإسلام سبيلا، ورمضان بالمفهوم الذي في ـ استشرافه: أمن وإيمان، سلامة وإسلام، مناسبة لتجديد الولاء لمثل هذه المعاني، ومحطّة للتذكر والتذكار.
  فالواجب يملي علينا ونحن نستقبل هذا الشهر المبارك، أن نقف مرة أخرى لمراجعة ذواتنا بصدق، لأن ذلك هو الكفيل باسترجاع أمجاد زمان، وتدارك ما فات، يوم أن كانت الشمس لا تغرب على دولة الإسلام، ويوم أن كان ولي أمر المسلمين يخاطب السحاب قائلا: سيأتينا خراجك أينما كنت.. فإذا ما كان رمضان فرصة للإنتصار على شهوات النفس ورغباتها، فلننتصر نحن على أنانيتنا، ولنحقق معنى التقوى لننال العزة والإكرم.
  أيها المسلمون: إن شهر رمضان هو الحبيب الذي طال انتظاره، واستبدّ الشوق بالقلوب للقياه، وإن لقدوم الحبيب الغائب لفرحة ما أروعها من فرحة، فيا با غي الخير أبشر، ويا با غي الشر أقصر.. ولقد كان سلفنا الصالح من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان يهتمّون بشهر رمضان، ويفرحون بقدومه. وأيّ فرح أعظم من الإخبار بقرب رمضان موسم الخيرات والمغفرة وتنزل الرحمات.. ها هو ذا صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه ويبشرنا، فيقول: "أتاكم رمضان، شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبوب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم".  رواه النسائي والبيهقي. قال ابن رجب رحمه الله: هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضُهم بعضاً بشهر رمضان.
وكيف لا يُـبشَّر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟
وكيف لا يـبشر المذنب بغلق أبواب النيران؟
وكيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان؟
    إنها البشارة التي عمل لها العاملون.. وشمر لها المشمّرون.. وفرح بقدومها المؤمنون .. فيا عبد الله: أين فرحتك؟ وأين شوقك؟!. 
 إذا رمضان أتى مقبلاً  * فأقبل فبالخير يستقبلُ
لعـــــــلك تخطـــــئه قابلاً  * وتأتي بعـذر فلا يقـــبلُ
    إن شهر رمضان هو شهر الطاعات بكل أنواعها، صيام وقيام جود وقرآن وصلوات وإحسان وتهجد وتراويح وأذكار وتسابيح..  وبلوغه نعمة كبرى يقدّرها الصالحون المشمّرون، وإن الواجب علينا هو استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة، وإنها لئن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة، فأيّ خسارة أعظم من أن يدخل المرء فيمن عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه على منبره في مساءلة بينه وبين الأمين جبريل عليه السلام فقال: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله فقل آمين، فقلت آمين".  صحيح ابن حبان.  
       أيها المسلمون: هذا الشهر العظيم له في نفوس الصالحين بهجة، فأوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، والنفوس الطاهرة تعلو حين تغتنم الفرصة الذهبية والهدية الإلهية، فتترك كثيرا من اللذائذ وتنفطم عن كثير من الرغائب، لأن الراحة لا تنال أبدا بالراحة، ولأن سلعة الله غالية، أما عبّاد المادة وعبّاد الشهوات وأرباب الهوى فإنهم يعيشون لغرائزهم وأهوائهم، وهم الذين أخبر عنهم المولى في قوله: "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون".
 نعم.. للأسف انعكست المفاهيم عند البعض، وأصبح استقبالهم لهذا الشهر الكريم استقبالاً واستعدادًا للمأكولات والمشروبات والمقليات والمعجنات، مبالغة في إعطاء نفوسهم ما تشتهيه، وكأنه موسم البطون، ومضمار تتنافس فيه الموائد الزاخرة بصنوف الأطعمة وألوان الأشربة، فتراهم يفزعون إلى الأسواق من كل فج عميق، يكيلون من الأطعمة ويتزودون من الكماليات، وكأن رمضان حفلة زفاف أو وليمة نجاح تبسط فيها الموائد العريضة، وتنشر الأطعمة المتنوعة، ثم ترمى في النفايات..
      فهل ترون يا إخوة الإيمان أضعف همة وأنجس بضاعة، ممن أنعم الله عليه بإدراك شهر المغفرة ثم لم يتعرض فيه للنفحات؟..
جاء شهر الخيرات بالبركات  * فأكرم به من زائرٍ هو آت
    فيا أمة الصيام ويا أمة القيام: اتقوا الله وأكرموا هذا الزائر، فإنه أحق بالإكرام، جاهدوا النفوس بالطاعات، وتقربوا إلى ربكم وابذلوا الفضل من أموالكم في البر والصلات، وجدّدوا العهد مع الله، وشدوا العزم على الاستقامة، واتقوا الله فإن تقوى الله أقوى وأقوم.
إذا هلّ الهلال على العبادة * فسارع يا أخيّ لجمع الزاد 
فإن الشــــــهر أيام ستـــــمــــضي * وتبقى حسـرة لذوي الرقـاد
    جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاكم شهر رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه برحمته، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم رحمة الله".
فاللهم أهله علينا بالخير والإيمان، والسلامة والإسلام، والفراغ من الشغل والسلامة من الأسقام، برحمتك وفضلك يا أرحم الراحمين.. هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية
    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.
     أما بعد، فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، أن رجلين من بُلَىٍّ (حي من قبيلة قُضَاعَة) قدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامهما جميعا، فكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفّى. قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فأذِن للذي توفّي الآخِر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد، فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدّثوه الحديث، فقال: من أيّ ذلك تعجبون؟. فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدّ الرجلين اجتهاداً، ثم استُشهد، ودخل هذا الآخِرُ الجنةَ قبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض.
    أيها المسلمون: إن بلوغَ رمضانَ نعمةٌ عظيمة، وفضلٌ كبير من الله تعالى، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان.
   ألا فاقدروا لهذا الشهر قدره، وإياكم أن تفَرِّطوا في لحظاته، فضلا عن أيامه ولياليه. إياكم أن تجعلوا أيام رمضان كأيامكم العادية، بل اجعلوها غرةً بيضاءَ في جبين أيام أعماركم. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك، عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك، ويوم فطرك سواء".
      فيا عبد الله: إذا كنت قبل رمضان كسولاً عن شهود الصلوات في المساجد، فاعقِدِ العزم في رمضان على عمارة بيوت الله، عسى الله تعالى أن يوفقك لذلك حتى الممات، وإذا كنت شحيحاً بالمال فاجعل رمضان موسماً للبذل والجود، فهو شهر الجود والإحسان. وإذا كنت غافلاً عن ذكر الله تعالى فاجعل رمضان أيام ذكر ودعاء وتلاوة لكتاب ربك تعالى، فهو شهر القرآن.
أتى رمضان مزرعــــــــــة العـــــباد * لتطهـــــــــــــــــير القلوب من الفساد
فأدّ حقــــــوقه قــــــــــولا وفــــــــعــــلا * وزادك فاتّخِـــــــــــــــــذه إلى المعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها * تــــــــــــــــأوّه نادما يـــــــــوم الحصــــــــاد
      فيا أيها المسلمون ـ أروا الله من أنفسكم خيرًا، افتحوا صفحة جديدة من حياتكم، مسطرة بأحرف الخير والبر والتقوى والعمل الصالح.
      فاللهم بلغنا بمنك وكرمك شهر رمضان، اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام والفراغ من الأشغال والسلامة من الأسقام والتوفيق لما تحبه وترضاه يا ذا الجلال والإكرام، واغفر اللهم لنا ما سلف وكان، من الذنوب والخطايا والعصيان، اللهم اجعله شهر عزٍّ ونصرٍ للإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم وأعنا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانًا واحتسابًا، إنك خير مسؤول وأكرم مرتجى مأمول. برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.