24 مايو 2020

الموضوع: لو كنت خطيبا في هذا العيد تحت ظل جائحة كورونا.. لقلت: 

بعد التكبير والحمد والثناء لمستحق الحمد وأهله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعبده.. والترضّي على آله وصحبه:
أما بعد، أيها الناس، قولوا للناس:
أتاكم العيد بالافراح فاحتفلوا * واكثروا من تهاني العيد واتصلوا
وبلّغوا الاهل والاصحاب تهنئة * بالعيد يزهر فيها الحب والامل
لإنكم في يومٍ تبسّمت لكم فيه الدنيا، أرضُها وسماؤها، شمسُها وضياؤها، صمتم وقمتم شهر رمضان المبارك، ثم ها آنتم في بيوتكم تسألون الله الرضا والقبول، وتحمدونه على الإنعام بالتوفيق للصيام والقيام..  
فبشرى لكم– أيها الصائمون– إيمانا واحتسابا، عاقبة حميدة، وقدوم على الله مفرح، تقبل الله صيامكم وقيامكم، وبارك لكم في عيدكم..  
أيها الناس، قولوا للناس: إن الذاكرةَ ملكةٌ مستبِدّة، قد تفرض عليكم أمورًا لم تكونوا تريدونها، ولعلّ في هذا اليوم يُدَوي في مسمع كثيرٍ منكم دَويَّ الطبل قول أبى الطيب المتنبي، وقد تَرك مصرَ في يوم عيد، وهو يُنشد:
عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ * بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيه تجْديدُ
أو تذكرون قصيدة المعتمد بن عبّاد (1040 - 1095) ملك أشبيلية في الأندلس، الذي أسره يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، وحبسه في منطقة أغْماتَ بالقرب من مدينة مراكش بالمغرب، ومنع عنه أي عطاء، حتى اضطرّت بناته أن يغزلن الصوف ليوفّرن له ولأنفسهن القوت، فلما رأى بناته بعد أن أتين لزيارته حافياتٍ وكسيراتٍ فقيراتٍ في أول عيد يأتي عليه وهو سجين، أنشد هذه القصيدة التي تفيض أسى وحزناً، وكأنه اختزل لنا هذه الحال في تلك، فقال:
فيمـا مضى كنت بالأعياد مسروراً * فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة * يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدامُ حافيةٌ * كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
ولكن صدق الله القائل: "وإن أكثر الناس لا يشكرون"، فلنعترف أننا عشنا رغدا من العيش، وتنعّمنا من خيرات رب العالمين، وإن كانت هناك شدائد فرضتها جائحة كورونا، فذلك قضاء الله وقدره، والحياة وأقدارها تتفاوت بصعودها وهبوطها، بمفاجآتها السارة والحزينة، تأتي الأشياء على حين غفلة، وترحل كذلك، وهل باستطاعتنا منع الأشياء من الحدوث؟.
ولذا، فقولوا للناس، أيها الناس: إننا سنستمر في الحياة بإرادة الله، لأن الله استخلفنا وناظر ما نعمل وما ذا تعلمون، فلنسير صفا واحدا في الهمّة مع المحنة، ولن تؤثر جائحة كورونا علينا ولا على عيدنا، لأن العيد من شعائر الله، "ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب". فلنفرح، ولنلبس للسرور وشاحا، فهذا يوم الجائزة ، ويوم الفرحة الصغرى كما جاء في الحديث، إنه فرحة الإنتصار على الذات في صوم رمضان وقيامه، وإنها للذة تستحق الإظهار، وإن السعادة في العيد لا تكمن في المظاهر والشكليات، وإنما تتجسّد في المعنويات وعمل الصالحات، ويومكم هذا يومٌ أنور أزهر، ويومٌ محجَّلٌ أغر.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد..
أيها الناس، قولوا للناس: أن في فترات المحن والمصائب كما في جائحة كورونا، تختبر المبادئ والشعارات المرفوعة، وتوضع معاني الإيمان والأخوة على المحك، فيظهر الصادقون من الكاذبين، ويتميز الأوفياء عن المتنكرين العاجزين عن فعل الخير، المتأخرين عن القيام بالواجب.
والمسلم دائما كما أوصاه دينه، عينه على نفع الناس وسلامتهم، وواجبه يتحدّد في توعيتهم بما يجب عليهم القيام به لمواجهة الحياة وتحديات الخطر، وحيث ما أقام الإنسان في أرض الله الواسعة يجب عليه أن يلتزم بدينه وأخلاقه وبالتعليمات الصحية والإدارية التي يصدرها المعنيون للإحتراز من وباء كورونا في البلدة التي يعيش فيها، ويعتبر التقيّد بهذه التعليمات نوعًا من الالتزام الأخلاقي والديني العام، لأن الوقاية خير من العلاج.. والحجر الصحي المنزلي ضرورة شرعية ووطنية وأخلاقية، يجب على الجميع الإلتزام بها.. وليس من الشجاعة أن يخالف أحد الإحترازات الضرورية للوقاية من هذا الوباء، والمسؤولية مشتركة لسلامة الجميع.. فلا يكن المسلم سبباً في نشر المرض، ولا في إيقاع الضرر بالآخرين، مما يفرض على الجميع خلال الفترة الحالية تجنب التجمعات والالتزام بالتعليمات لعبور المرحلة الراهنة بأمان.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد..
أيها الناس، قولوا للناس: إن كانت أزمة كورونا أجبرتنا جميعاً على المكوث في المنازل في هذا العيد وقبله، إلا أنها أعادتنا إلى أيام لطالما افتقدناها، وهي الأيام التي كان يجتمع فيها كل أفراد الأسرة معا، ويتجاذبون أطراف الحديث، وها نحن قد اجتمعنا وتحادثنا، وكأن هذا الفيروس جاء ليذكرنا بمن لدينا من أحباب. جاء كنوع من الإفاقة لنا ولمشاعرنا الإنسانية، جاء مضيئا للون الأحمر لينبهنا: "استمتعوا بأحبابكم وبتلاقي الأرواح قبل فراقها".
ولهذا فإن ألغت جائحة كورونا في هذا العيد تبادل التبريكات والتهاني بالزيارات والمصافحة باليد والتقبيل والعناق بين الأصدقاء والأقارب، فلقد عوضنا الله ـ برحمته ـ المعايدات الإلكترونية، في ظل وجود الهواتف الذكية وتطبيقات الرسائل الفورية، ووسائل التواصل الاجتماعي عبر إرسال التهاني، فاستغلوا الفرصة للاتصالات الصوتية أو حتى المرئية بين العائلات.. واتركوا السجايا تنطلق على فطرتها، والعواطف والميول تبرز على حقيقتها، فإننا بإيماننا نفرح رغم الألم..
ومن هنا، قولوا للناس، أيها الناس، لنبدأ في التغيير والعمل من أجل فرحة الجميع، ولنترك لوم الزمان والدهر، فذلك فعل الفاشلين العاجزين، لا فعل الطموحين الناجحين، وقد قال الشاعر الإسلامي عدنان النحوي في أبيات له جميلة:
ما لي ألوم زماني كلما نزلت * بي المصائب أو أرميه بالتهم
أو أدّعى أبداً أنّي البريء وما * حملت في النفس إلا سقطة اللمم
أنا الملوم فعهد الله أحمله * وليس يحمله غيري من الأمم
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد..
واذكروا ـ أيها الناس ـ في يومكم هذا، وفي كل يوم، رجالٌ ونساءٌ لكم في خطوط النار الأولى، في ميدان معركة مكافحة جائحة كورونا، من أطباء وممرضين وكوادر إدارية وأمنية، وكل الذين يبلون بلاء حسنا.. أولئك المباركون أينما حلوا، همّة علياء، وعزيمة شاهقة بارتفاع هامات السماء.. فكونوا معهم ولو بكلمة طيبة، أو دعوة صادقة، وشدُّوا العزائم، وتنافسوا في الخيرات، وتحدّثوا بنعمة ربكم عليكم.. وتذكروا أيضا إخواناً لكم أقعدهم فيروس كورونا، وهم في المستشفيات على الأسِرَّة البيضاء يرقدون، فلا تنسوهم وجميع مرضى المسلمين من دعوة صالحة. وترحموا على اولئك الذين سقطوا في ميدان معركة كورونا، تقبلهم في عليين. الله كبر.. الله اكبر.. ولله الحمد.. .
  قولوا للناس، أيها الناس: إن الطاهرة عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنّيان.. فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني.. وقال: مزمارُ الشيطان عند رسول الله؟! فقال له الرسول: "دعْهما .. يا أبا بكر إنّ لكل قومٍ عيداً، وهذا عيدنا"..  "دعهما.. هذا عيدنا..". كم مرّة تداول المسلمون في العيد هذا الحديث النبوي؟!
وكم مرة ردّدوا هذا البيت الكئيب: عيدٌ .. بأية حالٍ عدت يا عيدُ؟! الجواب مُعرٍّ لمدى وعيِنا، ولحقيقة اقتدائنا ..
قولوا للناس، أيها الناس: "هذا عيدنا".. فلنُخلص الفرحَ فيه لله مع أبنائنا وبناتنا وأهلينا أجمعين، ولنجعل فرحة العيد تنتصر على كورونا، ولنختار ثوب العافية بالبقاء في المنازل حتى نخرج إلى البر الأمين بإذن رب العالمين، ولنتذكر ما أبقى الله لنا من خير، وما أنعم به علينا من فضل، فلئن حلّت بنا محن، فقد أبقى الله لنا منحاً، ولئن أصابتنا نقم، فقد أبقى الله لنا نعماً "وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها"، ونحن أحوج ما نكون إلى أمل يدفع إلى عمل، وفأل ينتج إنجازاً، ولا تُمحى الهزائمُ إلا بالعزائم ..
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد..
وأخيرا.. أيها الناس: هذه خطبتي محمّلة بالتبريكات والتحيات العطرة، أسأل المنان أن يوصلها الآذان، ويبلغها الجنان، وأن يسعدكم بهذا اليوم الجديد، والعيد السعيد، ويوصل أيامكم بعده بأجمل السعادات وأكمل البركات، وأن يعيد شمس العافية إلى مدارها ببلدنا وببلاد المسلمين أجمعين، وأن يبقينا في عافية وسعد ورزق موفور بمنّه وكرمه، إنه غفور شكور، وصلى الله على سيدنا محمد ما دامت الأيام والشهور، وسلم تسليما..


                         كل عام وأنتم بخير.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

19 مارس 2020

الموضوع: فيروس كورونا رسالة من الله..
.
   الحمد لله، نحمده ونستغفره وندعوه دعاء المستغفر التائب أن يحفظنا من كل شرّ حاضر أو غائب، ونصلي ونسلّم على الحبيب المصطفى أهل الفضائل والمواهب، وعلى الصحب والآل ومن تبع عددَ ما في الكون من عجائب وغرائب..
   أما بعد: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، والتزام هداه، فتقوى الله تعالى حصن أمام كل فتنة، وعدة في كل محـنة، فاتقوا الله -عباد الله-، فيما تعـتقدون وما تقولون وتفعلون، "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ".
   أيها المباركون: في قلب أزمة فيروس كورونا تذكرت كلام القائد الشيوعي الملحد [ لينين] حين قال: عقود تمر على الأمة لا يحصل فيها شيء، ثمَّ تمر سنون تحصل فيها عقود، وصدق وهو كذوب
 وكان من الواجب أن يكون المسلمون المتابعون لأخبار فيروس كورونا أكثر الناس اعتبارا وعملاً واستشعاراً للمسؤولية، وأن تغرس في نفوسهم بواعث عمل، ووقود همة، وعزمة إرادة لتغيير ما بأنفسهم.
     فالحياة وأقدارها تتفاوت بصعودها وهبوطها، بمفاجآتها السارة والحزينة، تأتيك الأشياء على غفلة وترحل على غفلة. وهل باستطاعتنا منع الأشياء من الحدوث؟.
     هيا تعالوا معي لنتمعن في هذه اللوحة من الفن التجريدي التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم: روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: خَطَّ النَّبِيُّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعاً، وَخَطَّ خَطاًّ فِي الوَسَطِ خَارِجاً مِنْهُ، وَخَطَّ خِطَطاً صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: "هَذَا الِإنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ -أو قد أحاط به - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخِطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا". .
   بهذه الخطوط الشريفة التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض الرملية، من أجل التعليم والتفهيم والتقريب، اكتملت لوحة من الفن التجريدي، والتي بيَّن فيها صلى الله عليه وسلم بما رسمه، كيف يحال بين الإنسان وآماله الواسعة، بالعلَل والأمراض المقعدة، أو الهرم المفني، أو بالأجل المباغت.. وفي هذا إشارة إلى الحضّ على قصر الأمل، والاستعداد لبغتة الأجل..
   يا عافاني الله وإياكم: ها هو ذا الإنسان الضعيف، تغزوه الأغراض، غزوا فيه إلحاح: عدوى، أو سرطان، أو حريق، أو غرق، أو زلق، أو سقوط، أو لدغة، أو تسمم طعام، أو طلقة طائشة.. وما فيروس كورونا عنا ببعيد..
وهنا أطرح سؤالي: ما الحكمة التي أرادها الله من هذه المحن وتلك المصائب؟.
وللإجابة على هذا تلك السيارة التي صنعت لتسير، لكن فيها مكابح، والمكبح يتناقض مع علة صنعها، هي صنعت لتسير، والمكبح يوقفها، لكنَّ المكبح ضروري جداً لسلامتها.
      وأنت يا ابن آدم خلقك الله لتعمر أرضه وتحقق عبادته..خلقك للسعادة في الدنيا والآخرة، ولكن قد تزل قدمك، وقد تنحرف عن الهدف، وقد تقع في خطأ، وقد تنسى الله، وقد تغفل عنه، وقد تأكل المال الحرام، وقد تعتدي على أعراض الأنام، فتأتي المصيبة كرسالة من الله، وضماناً لهذه السعادة، وما من آية تتوضح فيها المصيبة كرسالة من الله كهذه الآية: "وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ".  سورة القصص: .47 والباء: باء السبب، أي: بسبب ما قدمت أيديهم، لقالوا يوم القيامة: "رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ".  سورة القصص : 47.
    فينبغي أن نعلم علم اليقين أن فيروس كورونا هو في حقيقته رسالة من الله مفادها: يا عبدي، عندك خلل، إما في عقيدتك، وإما في معاملاتك، وإما في سلوكك.. فانتبه.
    هذا.. ولنعلم أن غايات البلاء تحتلف وإن توحّدت مظاهره، فالبلاء الواحد قد يكون اختباراً لأفراد وجماعات معينة، ويكون عذاباً لآخرين وتأديباً لهم. قال سبحانه وتعالى: "وَاتّقُوا فِتْنَةً لاَتُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصّةً..." الأنفال/25. فالفتنة التي هي مصداق من مصاديق البلاء لا تختص بصنف من أصناف المجتمع، بل تشمل الجميع، المؤمنين وغير المؤمنين.
     ولنعلم ـ أيضا ـ أن في فترات المحن والمصائب تختبر المبادئ والشعارات المرفوعة، وتوضع معاني الإيمان والأخوة والتضامن على المحك فيظهر الصادقون من الكاذبين، ويتميز الأوفياء عن المتنكرين البخلاء العاجزين عن فعل الخير، المتأخرين عن القيام بالواجب. فالعاقل في هذه الفترة لا يهمه من أين جاء فيروس كورونا، وهل هو طبيعي أم هو من فعل حرب بيولوجية وراءها أيادٍ بشرية أو سياسات دول بعينها؟ وإنما عينه على سلامة الناس الصحية، وواجبه يتحدّد في توعية الناس بما يجب عليهم القيام به لمواجهة الخطر.
    وحيثما أقام الإنسان في أرض الله الواسعة يجب أن يلتزم بدينه وأخلاقه وبالتعليمات الصحية والإدارية التي يصدرها المعنيون في البلدة التي يعيش فيها، ويعتبر التقيد بهذه التعليمات نوعًا من الالتزام الأخلاقي والديني العام لإن الوقاية خير من العلاج..
.
   ولا شك أن الوطن مع كلّ محنة أو جرح في خاصرته يعود بفضل الله ثم بفضل تظاهر جهود الخيّرين أفضل مما كان، ولا شيء مستحيل أمام هذا إن صدقت النوايا وحسنت ثقتنا في المولى عزّ وجلّ
   فلنبدأ من هنا.. في التغيير والعمل ولنترك لوم الزمان والدهر، فهو فعل الفاشلين العاجزين لا فعل الطموحين الناجحين، وقد قال الشاعر الإسلامي عدنان النحوي – في أبيات له جميلة قائلاً :
ما لي ألوم زماني كلما نزلت  * بي المصائب أو أرميه بالتهم
أو أدعى أبداً أني البريء وما  * حملت في النفس إلا سقطة اللمم
أنا الملوم فعهد الله أحمله  * وليس يحمله غيري من الأمم
فإذا أردنا أن نغير فلنغير من حالنا ومن فساد قلوبنا وأنفسنا يغير الله حالنا، ويرفع ما بنا من مصائب أرقتنا أو بلايا أقلقتنا.
كان الفضيل رحمه الله يقول: "إنما جعلت العلل ليؤدب بها العباد، ليس كل من مرض مات". وكان الحسن البصري رحمه الله، إذا دخل على مريض قد عوفي، قال له: "يا هذا، إن الله قد ذكَّرك فاذكره، وأقالك فاشكره. فهذه الأسقام والبلايا كفاراتٌ للذنوب، ومواعظ للمؤمنين، يرجعون بها عن كل شرَ كانوا عليه.
  هذا ما قلت، وأستغفر الله لي ولكم، وهو الكريم الرحيم.. كاشف كل بلوى، وسامع كل شكوى نسأله أن يرفع بلاء فيروس كورونا وما يصحبه من عسر وضيق عنا وعن كل كاتب و قارئ وناشر هذه الرسالة..  
   وأن يعيننا على أنفسنا حتى نستقيم على أمره.. ويرزقنا سعادة لا تنقطع، ويكفينا شر الغيب ويرزقنا من اليقين ما يهون به علينا مصائب الدنيا..   وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله..

04 فبراير 2020


الموضوع: فيروس كورونا.. يُحدِث حالة طوارئ صحية عالمية..  

    الحمد لله المبدأ المعيد، الفعال لما يريد، خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً لا يستأخرون عنها ساعة ولا يستقدمون، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، وأشهد أن محمد عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلوات ربي وسلامة عليه وآلة وصحبة والتابعين لهم بإحسان ما تعاقب اللي والنهار.
   أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله -عز وجل-، التي هي معتصم عند البلايا، وسلوان عند الهم والرزايا
    واعلموا -حفظكم الله ورعاكم أن الإسلام ربط الأسباب بمسبباتها، وناط النتائج بمقدماتها، وليس في الوجود شيء أعزّ من الصحة، ولا أدلّ على ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سأله العباس بن عبد المطلب، قال: "قلت يا رسول الله :علمني شيئا أسأل الله عزّ وجل؟،  قال: سل الله العافية، فمكثت أياما ثم جئت ، فقلت يا رسول الله : علمني شيئا أسأله الله عز وجل ؟، فقال يا عباس، يا عمّ رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة". رواه الترمذي وقال حديث صحيح. فعلى المفتقر إلى الصحة أن يسعى وراءها بكل ما أوتي من قوة وعلم، وعلى المتمتّع بها أن يحتفظ بها كل الإحتفاظ، وأن يباعد بنفسه عن الأمراض المعدية، عملا بقوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".  وشرّ المهلكات أمراضٌ تتفشّى، وعدوى تنتشر.

وللأسف.. تتوالى على البشر في هذه الأزمنة المتأخرة، أمراض وأوبئة ـ من حيث لم يكونوا يحتسبون ـ يخشون فتكها، ويحاذرون ضرها. عرف الناس من الأمراض الكوارثية: "السيدا ـ الأيدز"، ثم حمى الوادي المتصدّع التي أصابت الأغنام، ثم جنون البقر، ثم أنفلونزا الطيور ثم أنفلونزا الخنازير،  ليظهر في هذه الأيام  فيروس كورونا.. الجندي المتوّج والخطر الأكبر الذي يخشاه العالم الآن؟. أعاذنا الله وإياكم وجميع المسلمين من الأمراض والأوبئة.
    لقد دقّت منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر، وأعلنت حالة الطوارئ، فيروسات دقيقة وكائنات عجيبة، وحالات تحوّل وبائي من هذه الفيروسات، حيّر البشر وأقلق الباحثين، هلعٌ ورعبٌ، إغلاقٌ للمدارس، وفحصٌ في المطارات. وتوقّف للرحلات.. والله المستعان..
   وبالمناسبة ومن هذا المنبر أحيي الحكومة الجزائرية التي قامت بما يجب أن تقوم به حيث أجْلَت رعايا تونسيين وليبين وموريتانيين إلى جانب رعاياها الجزائريين من منطقة ووهان التي تعتبر بؤرة فيروس كورونا الجديد، على متن طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الجزائرية . والتي حملت أيضا هبة من الجزائر إلى الصين تحتوي على 500 ألف قناع ثلاثي الطبقات و20.000 نظارة وقائية و300.000 قفاز". باعتبار أن رسالة الرحمة تلزمنا بالانحياز إلى إنسانيتنا قبل كل شيء..
     وللأسف.. يواصل فيروس كورونا الانتشار سريعا، ممّا سبب قلقًا في جميع أنحاء العالم، حيث تحذر البلدان من السفر إلى الصين وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن "العالم بأسره يجب أن يكون في حالة تأهب"، فقد أعلنت المنظمة الآن عن حالة طوارئ صحية عالمية، حيث توفي أكثر من 200 شخص، وهناك حوالي 9800 حالة من فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم. ووفقا لتقرير مجلة " express" انتشر فيروس كورونا إلى أكثر من 9800 شخص على مستوى العالم..
    ووفقًا لمركز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، فإن الفيروسات التاجية هي مجموعة من الفيروسات التي تنتج أعراضًا مشابهة لأعراض الأنفلونزا. يمكن أن تتراوح الأعراض بين سيلان الأنف والسعال والتهاب الحلق والحمى، ولكن يمكن أن تتصاعد أيضًا إلى التهاب رئوي، ويحصل كورونا Coronavirus على اسمه من كلمة "corona" التي تعني التاج باللغة اللاتينية.
   وإلى يومنا هذا لم تظهر البحوث العلمية الآلية حول كيفية انتشار عدوى فيروس كورونا الذي يصيب البشر وكيفية انتقاله من شخص إلى آخر، ومع ذلك يعتقد الباحثون أن فيروسات كورونا تنتقل بواسطة السائل (الرذاذ) الذي يخرج عن طريق السعال أو العطاس من خلال الجهاز التنفسي. أو من خلال اللمس أو مصافحة شخص مصاب بالفيروس سبب آخر لنقل العدوى. أوملامسة سطح أو جسم عليه الفيروس ومن بعدها لمس الأنف أو العين أو الفم.
 وعليه ينصح الأطباء لتجنب الإصابة بالعدوى عند انتشار العدوى بشكل سريع، بالبقاء في المنزل والتمتع بالراحة وفي حال ظهور الأعراض لديكم، ينصح بتجنب الاتصال المباشر مع الآخرين. كم تعتبر عملية تغطية الفم والأنف بمنديل بشكل دائم أو أثناء السعال أوالعطس، عملية فعالة ويمكن أن تساعد أيضاَ في منع انتشار فيروس كورونا بشكل كبير.

     ومن المهمّ ـ يا عافاني الله وإياكم ـ  عليكم أن تتجنّبوا ذلكم الجدل الفقهي الذي أثير في العالم العربي، حيث اعتبر بعضهم أنه “عقاب” من الله ضد السلطات الصينية بسبب اضطهادها لأقلية مسلمي الإيغور في إقليم تركستان الشرقية (تشنجيانغ)، وهو ما رفضه البعض الآخر، مشيرين إلى أن الفيروس انتقل إلى الإقليم الصيني المذكور، كما أصاب دولا إسلامية كماليزيا. كما أن هناك الكثير من الأمراض التي تنتشر في البلدان الإسلامية، وهذا لا يعني أنها غضب من الله..
   بل اعلموا أن هذه الأمراض التي يرسلها الله على عباده إنما هي رحمة بعباده ليرجعوا إليه، وليعرفوا أنه المتصرف بعباده كما يشاء، فلا اعتراض عليه، له الملك وله الحمد وله الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير، كان الفضيل رحمه الله يقول: "إنما جعلت العلل ليؤدب بها العباد، ليس كل من مرض مات". ثمّ إن الله -تعالى- بين أنه سيُري الناسَ آياته في الآفاقِ والأنفسِ حتى يتحقّق لهم اليقينُ بأن رسالة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- حق، فقال –تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ".  فصلت:53. وقد أخبرنا سبحانه بأنه سيبتلينا، وذلك حتى نهيئ أنفسنا لاستقبال ما قضى به تعالى، ونكون من الراضين بهذا القضاء. قال تعالى: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين  الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون  أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون". البقرة:155ـ157.
  ولذا فالإسلام يعترف بالأسباب المادية المعتادة للأمراض وفقا لسنن الله الجارية في الخلق، فهو يقرّ العدوى بوصفها سببا من أسباب نقل المرض، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: "فرّ من المجذوم  فرارك من الأسد". بل إن من روائع ما جاء به الإسلام وسبق به فكرة العزل والحجر الصحي في حالة انتشار الأمراض المعدية. فقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه". وقد فهم هذا المعنى أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما أراد دخول الشام ومعه كبار الصحابة وقد استشرى الطاعون فيها ومات الآلاف، فأخذ بالأسباب والحذرِ والحيطةِ ورجع ومن معه إلى المدينة، وهذا هو الحَجرُ الصحي بعينه بلغة اليوم.
    بهذا يحاصر الإسلام الوباء والمرض في أضيق نطاق، ويحال بينه وبين الإنتشار، فحتى السليم ـ بمقتضى هذا الحديث ـ لا يجوز له الخروج من البلد الموبوء خشية أن يكون حاملا لمكروب المرض وهو لا يدري..
     فالله.. الله في صحتكم فلا تهملوها، وفي صحة الناس فاحفظوها، وفي نصائح أهل الذكر والمتخصصين فنفذوها. وإذا كان المرض قدرا من الله للمعرّضين للإصابة والعدوى من جرّاء المحيط أو طبيعة العمل أو إهمال شروط الوقاية، فالتداوي قدرٌ مثله. فقد جعل الله لكل شيء سببا، ولكل داء دواء، والله على كل شيء قدير . جاء في الحديث: "ما أنزل الله داءً إلا أنزل شفاء". رواه البخاري ومسلم. وروى الترمذي: "يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء".
     واسمعوا إلى هذه المحاورة الممتعة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الصحابي الجليل أبي خزامة، قال: "قلت يا رسول الله، أرأيت رقىً نسترقي بها، ودواءً نتداوى به، وتُقاة ـ وقايةً ـ نتقيها، هل تردّ من قدر الله شيئا؟. قال صلى الله عليه وسلم: "هي من قدر الله". رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم .
  وأخيرا..  لا شك أن أفضل سبل الوقاية من هذا الفيروس إضافة إلى الأسباب المادية: التحصن بذكر الله تبارك وتعالى-, فيحرص الإنسان على أذكار الصباح والمساء، روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَن قال حينَ يُصْبِحُ وحينَ يُمْسي: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شرِّ ما خلَق لم يضُرَّه شيءٌ وجاء عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من عبدٍ يقولُ في صباحِ كلِّ يومٍ ومساءِ كلِّ ليلةٍ: بسمِ اللَّهِ الَّذي لا يضرُّ معَ اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وَهوَ السَّميعُ العليمُ، ثلاثَ مرَّاتٍ، إلا لم يضرَّهُ شيءٌ".   
فالله تعالى هو الحافظ هو الحفيظ: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا)، (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ)، وإذا كان الله -تبارك وتعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا فكيف بك أيها المخلوق الضعيف؟!

 نسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه، وأن يكلأنا برعايته، وأن يدفع عنا وعن المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

03 ديسمبر 2019

الموضوع: مظاهرات 11 ديسمبر 1960ـ كانت فصل الخطاب في زمن الارتياب، فكونوا اليوم يدأ واحدة قي مواجهة التحدّيات.. ولا يثبّطنكم المرجفون..

الخطبة الأولى
   الحمد لله الذي منّ علينا بوطن من خيرة الأوطان، ونشر علينا فيه مظلة الإستقرار والأمان، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له المنزه عن الأنداد والأولاد والأعوان، واشهد أن نبينا محمدا عبدالله ورسوله المؤيد بالحجة والبرهان. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأزواجه واصحابه ومن تبعهم باحسان، صلاة وسلاما متجددين بتجدد الأزمان.
    أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى واذكروا أيامه لعلكم تتذكرون، اذكروا أيام الله بنصر أوليائه، واذكروا أيام الله بخذلان أعدائه، واذكروا أيام الله إذا نزل للقضاء بين عباده فقضى بينهم بفضله وعدله لعلكم توقنون.
    أيها المسلمون: إن نصر الله لأوليائه في كل زمان ومكان وأمّة هو نصرٌ للحق وذلّةٌ للباطل، وأخذٌ للمتكبر، ونعمة ٌعلى المؤمنين إلى قيام الساعة، فاتقوا الله تعالى وتعلّموا ما يكون به عبرةٌ لكم، واطّلاعٌ على حكمة ربكم في تقديره وتشريعه. فقد قص الله في القرآن الكريم أحوال الأمم السابقة وما جرى بيِنهم وبيِن أنبيائهم، وأمرنا باستخلاص العبر من تلك الأحداث، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ ..}. يوسف:111
    وهذا أسلوبٌ من الأساليب القرآنية للتذكير بنعم الله، لأن نعم الله تعالى وعطاياه ومنحه من آثار ربوبيته سبحانه وتعالى، بل هو أسلوبٌ أقرب إلى الحس والمشاهدة، بحيث لا يصعب إنكاره إلا من جاحدٍ للنعمة كافرٍ بها، ونحن نجد فيضًا من الآيات المذكِّرة بنعم لله تعالى على اختلافٍ في هذه النعم، ففي سورة إبراهيم على نبينا وعليه السلام، نقرأ قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }، (إبراهيم:5). فهذه الآية صريحة في بيان أيام الله، وأنها مما امتنّ الله تعالى به على بني إسرائيل من نعمة النجاة من عذاب فرعون وبأسه، وهو حريٌّ بهم أن يُذعِنوا بالطاعة والانقياد لله تعالى والإخلاص له بالعبادة. ولقد جاء مثل هذا التنبيه في خطاب مشركي قريش، حيث قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}. (إإبراهيم:28ــ29). حيث ذكر ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن هؤلاء هم كفار أهل مكة، جاءتهم نعمة الله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا النعمة، وجحدوا بها وأهلكوا أنفسهم وقومهم في الدنيا يوم بدر، وفي الآخرة حيث ماتوا على الكفر والعياذ بالله. قلت: وأيُّ نعمة أعظم من نعمة الإسلام والهداية إلى التوحيد، وأي خسارة أعظم من الإعراض عن هذه النعمة.
    وإذا كان الخطاب موجه في كل ذلك إلى أولئك، فإننا مخاطبون بمثل ما خوطبوا به، ومذكَّرون بمثل ما ذُكروا به، ومُحذَّرون بمثل ما حُذِّروا منه، وقد أنعم الله علينا بمثل ما أنعم عليهم، وبأوفرَ مما أعطاهم وأجلّ، فمن واجبنا أن نذكُر نعم الله علينا ونشكره عليها..
  عباد الله: وإن أيام الجزائر وقصة َاستقلالها قصةٌ طويلة الفصول، حزينة الأحداث، تجمع بين البطولة والمأساة، بين الظلم والمقاومة، بين القهر والاستعمار، بين الحرية وطلب الاستقلال، كان أبطال هذه القصة الفريدة أكثر من مليون شهيد، وملايين اليتامى والثكالى والأرامل، كتبت أحداثها بدماء قانية غزيرة أهريقت في ميادين المقاومة، وفي المساجد وفي الجبال الوعرة، حيث كان الأحرار هناك يقاومون .
   وما مظاهرات {11 ديسمبر من عام1960م}  إلا ذكرى تاريخية هامة، وحلقة مشرِّفة لملحمة من ملاحم ثورة التحرير المباركة. والتي عبَّرت بحقّ تعبيرا قويا عن صمود واستبسال الشعب الجزائري في سعيه نحو الإستقلال، فبعد وقائع المظاهرات المساندة لسياسة ديغول يوم 9 ديسمبر في عين تيموشنت والداعية إلى اعتبار الجزائر للجميع في الإطار الفرنسي، ومظاهرات المعمِّرين يوم 10 قبله الداعية إلى اعتبار الجزائر فرنسية، زحفت المظاهرات الشعبية في أرجاء الوطن بقيادة جبهة التحرير الوطني يوم 11 ديسمبر لتعبِّر عن وحدة الوطن، والتفاف الشعب حول الثورة مطالبا بالإستقلال التام، هاتفة: الجزائر مسلمة، الجزائر جزائرية.
      حيث خرجت مختلف الشرائح في تجمعات شعبية في الساحات العمومية عبر المدن الجزائرية كلها، ففي الجزائر العاصمة عرفت "ساحة الورشات" كما كان يطلق عليها إبان ثورة التحرير (أول ماي) كثافة شعبية متماسكة مجنّدة وراء العلم الوطني وشعارات الاستقلال وحياة جبهة التحرير الوطني. 
   ودامت هذه المظاهرات لأزيد من أسبوع، في جميع المدن والقرى الجزائرية.. وكشفت بفعل الصّدى الذي أحدثته على أكثر من صعيد حالة الإرتباك التي أصابت الاستعمار، وعن مدى إصرار الشعب الجزائري على افتكاك سيادته المسلوبة، وجاء ردّ فعل السلطات الفرنسية قويا تجاه المظاهرات، إذ قابل الجيش الفرنسي الجموع الجزائرية بالدبابات والمدافع والرشاشات، وأمطروهم بنيران القنابل وأطلقوا عليهم الرصاص، كما قامت الشرطة الفرنسية بمداهمات ليلية لاختطاف الجزائريين من منازلهم والإغارة عليهم وهم يوارون شهداءهم، (كما هو الحال في مقبرة القَطّار وسيدي أمحمد،) مما زاد في عدد القتلى، بالإضافة إلى سلسلة الاعتقالات التي مست عددا كبيرا من الجزائريين.  
    ولقد كان وقع هذه الظاهرات على المستوى الخارجي كبيرا، حيث كشفت للعالم حقيقةَ الاستعمار الفرنسي ووجْهَه الإجرامي، كما أكسبت هذه الأحداث جبهة التحرير الوطني دعما دوليا واسعا، حيث اقتنعت هيئة الأمم المتحدة بإدراج ملف القضية الجزائرية في جدول أعمالها وصوتت اللجنة السياسية للجمعية العامة لصالح القضية الجزائرية ورفضت المبررات الفرنسية التي كانت تهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي. (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ..)، (إبراهيم:42). (..وَيمكُرُونَ وَيَمكُرُ الله ُوَالله ُخَيرُ الماكِرِينَ)، (الأنفال:30).
    فمظاهرات 11 ديسمبر 1960م ـ أيها المسلمون ـ كانت فصل الخطاب في زمن الارتياب لميلاد ثورة نوفمبر الحقيقة والأسطورة، وأظهرت الصورة التي كانت تغيبها فرنسا الاستعمارية عن الشعب الجزائري في التلاحم والاتحاد لنصرة قضيته التي رسمها نوفمبر الثورة بريشة الجهاد، وبمداد دم الشهداء، جوهرها الصدق والإيمان والوفاء للوطن.
   نعم.. إن ذكرى 11 ديسمبر 1960 ذكرى خالدة في سجل إنجازات هذا الشعب الأبيّ الذي جسَّد روح التضامن والوحدة، وعبَّر بصدق للعالم أجمع عن مطلبه السامي لحرية وطنه، مدركا أنْ لا بديل عن الاستقلال غير الفعل الثوري والصبر على المكاره ورفع التحديات والسمو بالهمّة إلى مستوى الوعي التاريخي، كان نشيده:
نحن جند في سبيل الحق ثرنا وإلى استقلالنا بالحرب قمنا
لم يكن يصغى لنا لما نطقنا فاتخذنا رنة البارود وزنا
وعزفنا نغمة الرشاش لحنا وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا
يا فرنسا قد مضى وقت العتاب وطويناه كما يطوى الكتاب
يا فرنسا إن ذا يوم الحساب فاستعدي وخذي منا الجواب
ان في ثورتنا فصل الخطاب وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا
     وإذا كنا ـ أيها المسلمون ـ نحيي هذه الذكرى فإننا نهدف إلى استلهام العبر من سيرة الأبطال الذين وهبوا أنفسهم في سبيل الله والوطن، رجال لم تُغرهِمْ زخارف الدنيا ولا بريق المناصب ولا كسب الأموال، فتحدَّوا الصعاب وخاضوا معركة الشرف والكرامة، فكتبت لهم الشهادة، فهم في أعلى عليِّين. "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".
   فكونوا اليوم صفّا واحدا في كتيبة واحدة متراصّة لمواصلة الطريق، واحرصوا على تحمُّل المسؤولية في مسيرة البناءِ، والإخلاص  وحسن العطاء. كونوا خير خلف لخير سلف، سيروا على درب الأُلى الذين ساروا على نهج الهدى، وتدربوا على التضحية والفداء. صلوا الحاضر بالماضي، لتبلغوا أرفع مدارج العز في العاجلة، وخير منازل المقرّبين في العقبى .
    وإلى الله نتوجَّه ـ جميعا ـ بالشكر على ما أنعم به علينا من تخليصنا من أنياب شيطان الإستعمار، وأعاد أرض الإسلام إلى أمَّة الإسلام، ونستنزل رحمات الله الصيِّبة وصلواته الزكيَّة الطيبَّة، لشهدائنا الأبرار. فاللهم ارحمهم واجعل درجاتهم في عليين، ووفقنا للسير على طريقهم يارب العالمين.

الخطــبة الثانــية
     الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الأمين. اللهم صل وسلم على هذا النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
     أما بعد، أيها المسلون: فإذا كان الجزائريون خرجوا في ذلك اليوم في مظاهرات رافضين لكل ما هو فرنسي وواقفين صفا واحدة وقالوا كلمة واحدة "لا لجزائر كقطعة فرنسية، ونعم لجزائر حرة أبية" . فما أحوجنا ـ اليوم  ـ في أزمنة هذه الأحداث الجسام التي تعصف بأمتنا هنا وهناك، إلى أن نذكِّر أنفسنا ونذكِّر الناس بأيام الله فينا، فالتذكّر والتذكير في القرآن قضية ملحّة تهزّ عقول البشر هزا عنيفا، وتزيح أستار الغفلة التي تلقيها عليها بين الحين والحين نوازع النفوس الآثمة ومغريات الحياة، وذلك ليعود للعقل البشري صفاءه، لأن تلك السنن، سنن الله ولن تجد لها تبديلا ولا تغييرا.
     فالجزائر تمر اليوم بمرحلة تاريخية حساسة وفارقة في تاريخها الحديث، وهي بمثابة إعادة تأسيسٍ لدورها الريادي والحضاري في المنطقة العربية والعالم، وستفرز ـ بحول الله ـ من يشكّل الوجهة الحضارية لمستقبلها، وإن من يقرأ المشاهد ـ قراءة صحيحة ـ ولو على عجل يعرف أن أعداءً كثيرين لا يريدون للجزائر أمانًا ولا استقرارًا ولا رخاء ولا ازدهارًا،  يحركون مَا ـ وَمَنْ ـ يستطيعون لإطالة عمر الأزمة وإحداث الخلل وزعزعة الأمن ليسهل التآمر والتفكيك لتوجُّهات الشعب الجزائري، فهم يرغبونها فوضى ويبغونها عوجًا.
  وليس بعيدا عنكم تغريدة ذلكم النائب الأوروبي الفرنسي ذوي الأصول الإسرائيلية "رفاييل غلوكسمان" ، والتي جعلت البرلمان الأوروبي يخصص إحدى جلساته لمناقشة الوضع في الجزائر، للتشويش الممنهج في الوقت الذي يستعد فيه الجزائريون لانتخاب رئيس الجمهورية، وهذا تدخل سافر واستفزاز للشعب، وعمل مفضوح ومنبوذ يريد إشاعة الفوضى وترويج الفتنة وضرب استقرار البلاد.
   ولقد خفي على هؤلاء أن الجزائر على لسان شاعر ثورتها تمثّل في الوجود رسالة، رسالة ردّدت صداها جبال وصحاري ومدن وقرى الجزائر التي هبّ كل مواطن فيها ليصنع ملحمة تاريخية قلّ مثيلها في العالم، وعلى رجع صداها يسير المخلصون من أبناء الجزائر وبناتها. قال ـ رحمه الله ـ في خواطره وأسمعا:
إن الجزائرَ في الوجـود رسالةٌ الشعبُ حرّرها وربُّك َوَقّـعا
إن الجزائرَ قطعةٌ قدسيّةٌ في الكون.. لحّنها الرصاصُ ووقّعا
     ومن هنا يفرض علينا الواجب الديني والوطني والخلقي ضرورة التحلّي باليقظة والإيجابية والوعي والبعد عن السلبية والهوى والعصبية والعاطفة، فهناك مستجدّات ومتغيّرات تستوجب وتستلزم من العقلاء وأهل الخير جميعًا الوقوف صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص حتى لا يتحقّق للأعداء والمرجفون ما يكيدون، وإذا فات الفوت لا ينفع الصوت..
    أيها المباركون: وإن الشريعة إنما جاءت ـ كما قال ابن تيمية رحمه الله ـ "بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، ورجّحت خير الخيريْن بتفويت أدناهما"، وكما يقال: "ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشرّ الشرين".
إن اللبيب إذا بدا من جسمه * مرضان مختلفان داوى الأخطرا
   فإياكم.. إياكم وتعطيل مصالح الناس وإعاقة جهود الارْتِقاء بالمجتمع، فإن ذلك مدعاةٌ لكل من يعجز عن محاكاة الصورة المثالية للتراجع وترك العمل.. ورحم الله عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد -رحمه الله- حيث روي أنه لما استعمل على الجزيرة وعلى قضائها وخراجها ميمون بن مهران -رحمه الله- صَعُبَ عليه أن يُحاكيَ الوضع المثاليَ هناك، فكتب إلى عمر يستعفيه قائلا: كلّفتني ما لا أَطيق. فكتب إليه عمر: "اجْبِ من الخراج الطَّيب، واقض بما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فادفعه إليَ؛ فإن الناس لو كان إذا كبُر عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا".  البداية والنهاية لابن كثير 9/317.
  فالإسلام شرع النظام ونبذ الاختلاف المؤذي في جوانب الحياة كلها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في السياسية الشرعية: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالإجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بدّ عند الإجتماع من رأس". وساق رحمه الله الحديثين السابقين إلى أن قال: "ويقال: ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك". ا.هـ
البيتُ لا يُبتنى الا له عمدٌ * ولا عماد اذا لم تُرْس أوتاد
فان تجمَّعَ أوتادٌ وأعمدةٌ * وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم * ولا سراة إذا جُهالهم سادوا
  أيها المباركون: إن وطننا بحاجة إلى وقفة جديرة بحجمه وأهميته وقَدْره من رجال يستحقون أن يحملوا للوطن الكثير من العرفان، وأن يقدّموا له الجزيل من ردّ الجميل، والعطاء لأجل الوطن ليس صَدَقة أو مِنّة، ولكنه واجب وترجمة لمسؤولية لا يجوز التملّص منها، وإثبات بأنّ للوطن رجالاً يحيون من أجل الوطن.   
    فلا يثبطنّكم أصحاب المصالح والمرجفون الذين يوهنون قوى الأمة، ويفتّون في عضدها، أولئك لا يريدون إلا الفتنة وتفرق الشمل، فكونوا يدًا واحدة في مواجهة التحديات، وجنبًا إلى جنب وبكل ما أوتيتم من قوة ورأي وجهد في بقاء سفينة المجتمع الجزائري آمنة مطمئنة، تنعم بالسخاء والرخاء، لتصبح عصية على كل اختراق، ثابتة راسخة أمام أي ريح هوجاء قد تهب من هنا أو هناك، والله خير الحافظين..
    وليس من حق أي إنسان أن يوزع صكوك الوطنية علي الناس طالما هناك إجماع علي التغيير والهدف واحد ومتفق عليه، وهو خروج الشعب من هذه الهبَّة والحراك الباهر بحصيلة مركَّبة من نتائج باهرة ليس أعلاها قطع رأس أخطبوط الفساد، ولن يكون أدناها منح البلد رئيسا يتمتّع بقدر كبير من الشرعية، يؤطّر وبطانته الخيّرة لمنهج وطني شامل يقود الوطن وأهله إلى بر الأمان، ويسيّس أهلها بالإحسان..
     ثم بعد ذلك، وقبل ذلك.. لعل لله مَشيئةً تفوق طموح الشعب الجزائري، ويريد بهم ولهم فوق ما يطمحون.. قال العالم الرباني سيدي عبد الرحمن الثعالبي فخر الجزائر المحروسة وصاحب تفسير الجواهر الحسان رحمه الله:
إنّ الجزائر في أحوالها عجب * ولا يدوم بها للناس مكـروه
ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع * إلا ويُسرٌ من الرحمن يتلوه
نعم.. فالجزائر ـ ستظل بحول الله ـ وبتماسك أبنائها محروسة عصيّة على الإنكسارات، وقوة متماسكة ضد الشرور، فلا مجال للذين يشكلون أدوات هدم، أو يتوهمّون أن باستطاعتهم النيل من تماسك الوطن وأبنائه..  ورحم الله الشاعر الكبير البرناوي الذي رحل في الرابع والعشرين من فبراير عام 2009، في قوله
قد كنا أمس عمالقة * في الحرب نذل أعادينا
وإنا اليوم عمالقة * في السلم حماة مبادينا
أبطالا كنا لا نرضى * غير الأمجاد تحيينا
نزهو بالماضي في ثقة * والحاضر يعلو ماضينا
      #دامت الجزائر بفضل الله إلى ما شاء الله علقما في عين كل حسود، وإثمدا في كل عين كل ودود، وسقى أرجاءها المشرقة وأغصانها المورقة شآبيب الإحسان ومهدها بالأمن واالإيمان، ووفق أبناءها لاختيار الرجال الصالحين الذي يعينونهم على دينهم ودنياهم، وبارك فِي أَرْضِها وسمائها، وأكثر خيرها في بَرِّها ومائِها، وحفظ أهلها وأمنها وعقيدتها من كيد الأعداء ودسائس المغرضين، وجعلها آمنة مطمئة وسائر بلاد المسلمين.. وصل اللهم وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..