08 يناير 2021

   الموضوع الأنانية والإيمان ضدان لا يجتمعان

الخطبة الأولى

   الحمد لله ألّف بين قلوب المؤمنين فأصبحوا بنعمته إخواناً، ونزع الغلَّ من صدورهم فكانوا في الدنيا أصحاباً وفي الآخرة خلاناً، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغنا لديه زلفى ورضواناً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله تصديقاً به وإيماناً، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه على دينه قولاً وعملاً وعدلاً وإحساناً..

   أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واذكروا نعمته عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا؛ فحافظوا على هذه الأخوة بالتسامح والتعاطف ومحبة الخير للجميع، وامتثلوا وصية نبيكم : "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسَّهر". واعلمواـ رحمكم الله ـ أن التوادّ والتّراحم لا يتحقَّقان إذا كان كلّ فرد يفكّر في مصلحته فقط دون مصلحة الآخرين، وفي راحته فقط دون راحة غيره.. فقيمة المجتمع في أخلاقه، ولن ينجح مجتمعٌ لا يعرف أفراده إلا كلمة (أنا)، ولا يكمل إيمان فرد لا يرى الخير إلا لنفسه فقط، قال : "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه". فبيّن  أن من أهمّ عوامل رسوخ الإيمان في القلب أن يحب الإنسان للآخرين حصول الخير الذي يحبه لنفسه من حلول النعم، وزوال النقم، وبذلك يكمل الأيمان في القلب.

    وحينما نقلب سير سلفنا وصالحي أمتنا نرى في أخبارهم عجبًا، وفي سيرهم تربية وعبرًا في هذا الشأن، روى الإمام الغزالي رحمه الله، عن محمد بن المنكدر وكان تاجر أقمشة: أنه كانت له قطع بعضها بخمسة دراهم وبعضها بعشرة، فباع غلامه وهو غائب عن الدكان قطعة بعشرة، وهي من ذات الخمسة، فلما عاد ابن المنكدر وعرف ذلك، لم يزل يبحث عن المشتري طوال النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد باع لك ما يساوي خمسة بعشرة، فقال المشتري: يا هذا قد رضيت، فقال ابن المنكدر وإن رضيت، فإننا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا؟، فرد عليه ابن المنكدر خمسة دراهم.

   وحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي رحمـه الله قال: "حدثني بعض الثقات المعمّرين الذين أدركوا عهد الأشراف في الحجاز، أن تجار مكة كانوا في ذلك العهد على جانب عظيم من المواساة لزملائهم، والنظر في مصالحهم، والإخلاص والإيثار لهم، قال: كان بعض التجار إذا أتاه زبون في آخر النهار، وقد باع ما يكفيه لقوت يومه، وما حدّده من الربح والوارد، ولم يكن زميله الجار سعيد الحظ في ذلك اليوم، قال له في لطف وهدوء: دونك هذا الدكان الذي هو بجواري تجد عنده ما تجد عندي، وقد لاحظت قلة الزبائن عنده هذا اليوم، فهو أحق أن تشتري منه"!.   

  وللأسف.. ولو نظرنا حولنا لوجدنا أن الأنانيَّة أصبحت صفةً لا تستدعي الخجل، بل بتنا نسمع في مجتمعنا من يقولون: "الله يجيب الغفلة بين المشتري والبائع"، وممّن يعتبرون الأنانيّة "شطارة"، وأنَّ الحياة هي لمن يحبّ ذاته ويقدِّمها ويُفضّلها على أيّ شيء آخر. فالأنانيّ هو "الشّاطر" الّذي يعرف كيف يعيش، كيف يقتنص الفرص لحسابه الشَّخصيّ، كيف يربح أكثر ولو بمنافسةٍ غير شريفة.. وليست صورة الأنانية وحب المصلحة مقتصرة اليوم على التاجر، فهناك نماذج كثيرة تلقى بظلالها الكئيبة على مجتمعنا حين يفقد بوصلة الإيمان،  فتجد بعضهم يلغي الطابور ويقفز إلى الأمام في مكتب البريد أو عند الطبيب أو غير ذلك، وكأن الآخرين لا وجود لهم إلا كعقبة أمام تحقيق أهدافنا الخاصة. ويكاد لا يلتقي جزائريان إلاّ ويشتكيان من ظواهر سلبية عدّة يعاني منها مجتمعنا، فهذان يشتكيان من عدم احترام شروط النّظافة وآدابها وأحكامها. وهذان يشتكيان من تهوّر السائقين وكثرة حوادث السير. وهذان يشتكيان من سوء العشرة بين الجيران وعدم تعاونهم على ما فيه صالحهم. وهذان يشتكيان من الحرفيين مهما كانت صنعتهم وعدم إتقانهم وعدم التزامهم بالمواعيد.

أليس هذا هو واقعنا؟ولكن للأسف نرمي المسؤولية على الآخر، الذي ليس هو إلاّ نحن!.

أيها المسلمون: كم نحتاج إلى الحديث النبوي: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" في حياتنا اليومية، مع أنه يكاد لا يخفى على أحد؟، ولكن ليسأل كل منا نفسه إلى أي مدىً طبقت هذا الحديث؟.

 وكم من موقف مر عليك حكمت فيه تلك المعاني الجميلة؟.

لقد قص النبي على أصحابه قصة رجلين مؤمنين، ضربهما مثلاً لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من العفاف والزهد والإيثار قال: "اشترى رجل من رجل عقاراً له، فوجد الرجل الذي اشتري العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال للذي اشترى العقار منه: خذ ذهبك عني، إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب.

فقال الآخر: إنما بعتك الأرض وما فيها!

قال : فتحاكما إلى رجل.. فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد؟

فقال أحدهما: لي غلام.

وقال الآخر: لي جارية.

فقال الحكم : أنكحوا الغلام الجارية: وأنفقوا على أنفسكم منه وتصدقا" (القصة رواها مسلم في صحيحه).

وهكذا يرى الناس لوناً ممتازاً من النفوس: رجلان وأمامهما جرة فيها ذهب لا يتقاتلان عليها. ولكن يتدافعانها، يقول كل منهما لصاحبه: هي لك.. على حين نرى الإنسان دائماً يقول: هذا لي!.

 ألا فليتذكر الجميع بأن خزائن الله ملأى وتسع الجميع والقمة تسع الجميع، فلا يعني أن ثمة أمرٍ جاء إليك ودفعت جزءً منه إلى الآخر أو دللت الآخر عليه أن الأمر انتهى، أنت تتعامل مع الكريم الذي خزائنه ملء السماوات والأرض لا تنقصها نفقه فكلما قدمت قدّم الله لك.   

    أسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم من أصحاب النفوس التي تحب الخير للغير، وأن يصلح لنا نياتنا وذرياتنا، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وأستغفر الله العظيم.

الخطبة الثانية

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو يتولى الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،   صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين

   أما بعد، روى الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في معرض ترجمته للسري السقطي رحمه الله فقال: قال أبو بكر الحربي: سمعت السري يقول: حَمِدْتُ اللهَ مَرَّةً، فَأَنَا أَسْتَغْفِرُ مِنْ ذَلِكَ الحَمْدِ مُنْذُ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً. قِيْلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: كَانَ لِي دُكَّانٌ فِيْهِ مَتَاعٌ، فَاحْتَرَقَ السُّوْقُ، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: أَبْشِرْ، دُكَّانُكَ سَلِمَتْ. فَقُلْتُ: الحَمْدُ للهِ، ثُمَّ فَكَّرْتُ، فَرَأَيْتُهَا خَطِيئَةً. اهـ وقال: فمذ قلتها وأنا نادم حيث أردت لنفسي خيرا دون المسلمين.

   هذا من دقائق مكارم الأخلاق لمن تأمل القصة جيداً..  فالسّرّي رحمه الله قد شعر بأنه قد تلبس بأَثَرَة وأنانية، دون شعور بعطف ورحمة تجاه إخوانه المصابين، وهذا ما أشعره بالخطيئة إذ حمد الله على سلامة دكانه ولم يواس الناس فيما هم فيه، والنبي  قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

فلنتفقد أنفسنا ولنحكم بعد ذلك على إيماننا. فالأنانية والإيمان ضدان لا يجتمعان؟.

     ألا فكونوا على الجادة الكريمة التي إنما تسلكها الأنفس الشريفة التي تخلقت بأخلاق الصالحين، جاء في صحيح مسلم عن النبي  أنه قال: "من أحب أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يُؤتى إليه". وهذا أصلٌ عظيم ينبغي أن نستحضره في كل تعاملاتنا، وأن نتواصى به، وأن نُعلِّمه أهلينا وأولادنا وأصدقائنا..

 اللهم أعنا على أداء حقك، والإحسان إلى خلقك، واصرف عنا السوء والفحشاء، واجعلنا من عبادك المخلصين، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعاصيان، واجعلنا من الراشدين..

06 نوفمبر 2020

 

 الموضوع:   هنيئا بصلاة الجمعة وتدشين جامع الجزائر في ذكرى نوفمبر وربيع البشائر.  

 

الخطبة الأولى

   الحمد لله رب العالمين.. الحمد لله على ما أراد بنا من عاجل الخير وآجله، ومؤتنفه وراهنه، فجعل لنا في أنفسنا مواعظ، وفي أبداننا زواجر، يرشدنا ويهدينا، ويكفّنا عما يرْدِينا، من مرض بعد صحة، وفقر بعد غنى، وبلاء بعد لطف، لنعتبر بتغير الأحوال علينا، وتغيير الحدثان إِيانا، حمداً تتألف أشتاته، وتتّصل أمدادّه، نبرأ إليه من الثقة إلا به، ومن الأمل إلا فيه، ومن التسليم إلا له، ومن التفويض إلا إليه، ومن التوكل إلا عليه، ومن الطلب إلا منه، ومن الرضا إلا عنه، ومن الذل إلا في طاعته، ومن الصبر إلا على بابه.  ونشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته الأجلاء، وسلّم تسليما كثيرا..

    أما بعد، عباد الله: اتقوا الله -تعالى-؛ فإنَّ في تقواه خلَفًا من كل شيء، وليس من تقوى الله خلَف. واذكروا أنكم فارقتم مثل هذا المجلس المبارك أكثر من سبعة شهور، ولو قيل له تحدّث، لقال عنكم:

تَمَهَّلْ رُوَيْدًا عَنْ نَاظِرِيْ * يَرَى أَيَّ أَرْضٍ هُمُ سَالِكِينا

لَئِنْ غُيِّبُوا اليَوْمَ عَنْ نَاظِرِي * فَفِي القَلْبِ صَارُوا مِنَ السَّاكِنِينَا

أيها المسلمون: لا عجب أن حزَن أهل الإيمان حين حيل بينهم وبين مساجدهم حماية من الوباء فبكوا لفراقها، ولا عجب أن فرحوا بالعودة إليها مرّة أخرى، فبكوا للصلاة فيها، فهي أنسهم وراحتهم وبهجتهم، حيث مناجاة ربهم سبحانه وتعالى "فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". الْجَاثِيَةِ: 36- 37

عُدْتُمْ لِبَيْتِ اللهِ والعَوْدُ أَحْمَدُ * مِنْ بَعْدَ مَا فَارَقْتُمُوهَا فَاسْعَدُوا

هَذِي بُيُوتُ اللهِ أَيُّ مَنَازِلٍ * تَهْفُو عَلَى قَلْبِ المُحِبِّ وَتُنْجِدُ

    حقَّ الآن للطيور أن تغادر في أوكارها، والأرواح أن تجدّد في مساجدها مسارها، ‏ليمضي الجميع معًا لمواصلة السير في عمارة الكون بطاعة الله وعبادته، وعمران المساجد حسًّا ومعنًى، والاستمرار في البناء والعطاء.. واستشعار المسؤولية في استبقاء النعمة ودوامها بفعل الأسباب المعنوية والمادية لمواجهة هذا الوباء والابتلاء.. فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه بمواجهة الأمر بالتوكل عليه وتعظيم شعائره، وبالشكر الحقيقي لنعمه، قال الله تعالى: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ". إبراهيم: 07.

    فاشكروا الله، وتذكروا -وفقكم الله- أن حمد الله والثناء عليه والإكثار من ذكره أجلّ وأفضل من النعم التي أنعم بها من صحة ورزق، وتوسعة عليكم في أمور الدنيا؛ فقد روى ابن ماجة بإسناد حسن عنه قال: "ما أنعم الله على عبد بنعمة، فقال: الحمد لله إلا كان ما أعطى أفضل مما أخذ".  وإن نعم الله ـ تبارك وتعالى ـ على عباده كثيرة لا تحصى، وأعظم نعمة أنعم الله بها على الثقلين الأنس والجنّ: أن بعث فيهم عبده ورسوله وخيرته من خلقه محمدا ، ليخرجهم به من الظلمات إلى النور، ويرشدهم إلى سبيل النجاة والسعادة، ويحذّرهم من سبل الهلاك والشقاوة، قال تعالى: "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ". آل عمران: 164.

   أيها المسلمون: وفي هذه الأيام تحيي أمتنا ذكرى مولده وهي تعيش ظروفًا صعبة في ظاهرها، ولكنها تحمل في طياتها الخير الكثير لمستقبل الإسلام والمسلمين وللبشرية جمعاء، وإن الأمة التي تجعل من الأحداث التي مرت بها دافعا قويا نحو الأمل والعمل، وتأخذ من ماضيها لحاضرها، وتستفيد من الأزمات والمحن الدروس والعبر، وتستثمر وقتها في البناء والتنمية، إنما تشقّ طريقها الصحيح نحو مستقبل زاهر بإذن الله..

    هذا.. وإن الجزائر على لسان شاعر ثورتها ـ مفدي زكريا رحمه الله ـ تمثّل في الوجود رسالة، رسالة ردّدت صداها جبالنا وصحارينا ومدننا وقرانا التي هبّ كل مواطن فيها ليصنع ملحمة تاريخية قلّ مثيلها في العالم، وعلى رجع صداها يسير المخلصون من أبناء الجزائر وبناتها. قال شاعر الثورة رحمه الله في خواطره وأسمعا:

إن الجزائرَ في الوجود رسالةٌ * الشعبُ حرّرها وربُّك َوَقّـعا
إن الجزائرَ قطعةٌ قدسـيّةٌ  *  في الكون لحّنها الرصاصُ ووقّعا

    وها هم الأخيار في الجزائر على درب الأُلى الذين ساروا على نهج الهدى، يصلون الحاضر بالماضي في تحمُّل المسؤولية في مسيرة البناءِ والإخلاص للوطن وحسن العطاءِ.

     ففي شهر مولده ـ شهر البشائر ـ تمّ بتوفيق من الله اغتنام هذه المناسبة العظيمة، والتي توافق أيضا- هذا العام- ذكرى ثورة أول نوفمبر الخالدة وافتتح المسجد الأعظم ـ مسجد الجزائر ـ الذي تختزل في طياته أكثر المعارك الحضارية والفكرية والدينية احتداما، وهو يردّ بشموخه الذي يمتدّ على طول خليج واجهة بحر الجزائر، على رغبة فرنسا في تحويل الجزائر المسلمة إلى أرض مسيحية، كما أعلنها قبل 188 سنة ملك فرنسا شارل العاشر، وكما فعلت ذلك حين إعلانها العام 1930 في الذكرى المئوية الأولى لاحتلال البلاد، على انتصار الصليب على الإسلام..

     إنها الطريقة نفسها التي تردّ بها اليوم هذه الأرض الطيبة التي شيّد عليها المسجد، والتي ابتلعت عام 1541 أسطول شارلكان، وكانت قد حولتها فرنسا خلال احتلالها إلى أكبر حاضنة للتبشير في الجزائر وأفريقيا وتحمل اسم كاردينال التبشير (لافيجري)، ومصنعا لتفريخ "الآباء البيض"، لتحتضن اليوم أعظم مشروع إسلامي في القارة الإفريقية، بعد أن استرجعت الأرض هويتها وتحوّل اسمها معطرا باسم خير البرية (المحمدية).

وطنٌ تَخُطُّ له الملاحمَ جُرْجُرَهْ * وَيجيء يَقرأ في الوجوه نوفَمبرَهْ
وَيسيرُ يرسُمُ بالنضال خلودَه * حِكَما على قِبَبِ الجَمال مُعطّرةْ

 اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، واجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين.. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية

   الحمد لله.. عزّ جاره، وجلّ ثناؤه، ولا إله غيره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

   أما بعد، أيها المسلمون: لقد كان وما زال ميلاد سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ميلادا لكلّ الفضائل الحميدة السّامية، وللشجاعة والبطولة ونكران الذات، وكان ميلاد الثورة الجزائرية وما زالت ميلادا لكلّ الفضائل الحميدة، وللشجاعة والبطولة ونكران الذات. وعلى ركب الخلف الخيار يمضي السلف الأبرار وفاء للذاكرة التي صنعها رجال نوفمبر، وأن ميراث محمد صلى الله عليه وسلم محفوظ محشوم مخدوم مفدى بالأرواح في كل زمان ومكان، ولعل هذا الذي تراه في الجزائر المحروسة بعين الرحمن.. فالحمد لله على كلّ ذلك، والحمد لله الذي أذن لنا في إقامة جمعتنا وسماع خطبتنا التي كانت قد منعت عنّا بعد مُضيّ فترة ليست بالقصيرة مع ما سبقها من احترازات وتدابير وقائية لدفع جائحة كورونا، وكأن هذه الجائحة جاءت لتدرِّبنا على اتخاذ الإجراءات الوقائية، واستشعار المسؤولية من الجميع، مع القناعة بأن الوباء أمرٌ واقع وخطير، ولا زال يتخطّف الناس من حولنا، وتبقى الآن المسؤولية في يد المجتمع الذي يحتاج إلى مواصلة التحرّز والإحتياط والأخذ بالبرتوكولات الموصَى بها إلى أن يزول تمامًا وبالكلية بإذن الله وحوله وقوته.

    أيها المسلمون: وإن كانت جائحة كورونا علّمتنا أن الإنسان قد يفرّ من أقرب المقربين إليه، ويبتعد ممّن يحبه ويواليه، ولئن كان هذا اليوم – بقصد صحة الأبدان-، فإن يوم القيامة سيفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ويلجأ لربه ومولاه، خوفاً من العذاب.. فاتقوا الله وأطيعوه، "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ".البقرة: 281. وتذكّروا أن الله امتدح الأنبياء فقال: "أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ". الأنبياء:90.

وَلَا تُبْقِ فِعْلَ الصَّالِحَاتِ إِلَى غَدٍ * لَعَلَّ غَداً يَأْتِي وَأَنْتَ فَقِيدُ  

      هذا.. وبالمناسبة نثمّن ونشكر ما قامت به الدوائر الوزارية والأيادي البيضاء والجهات الوصية للحد من انتشار الفيروس، ومن كانوا ولا يزالون على أرض المعركة يبلون بلاء حسنا من أطباء وباحثين وممرضين وكل الكوادر الإدارية التي تصاحبهم، ولا ننسى أولئك الذين اتخذوا التضامن في هذه المرحلة سبيلا، وأطلقوا حملات واسعة لدعم الفقراء والمحتاجين، وحتى للمستشفيات بالمعدات الطبية اللازمة. فأجر وعافية لهم ولكل من ساهم ويساهم من قريب أو بعيد بعمل طيّب أو قول حسن.. ورحم الله من قضوا في هذه الجائحة وأنزلهم منزل الشهداء.. ونسأل أن يلطف بنا فيما نزل وفي قضائه إذا نزل، إنه لطيف لما يشاء..

    ودامت رزنامة مواعيد انتصارات الجزائريين..  فهنيئا بصلاة الجمعة وتدشين جامع الجزائر في ذكرى نوفمبر وربيع البشائر.. وهنيئا لهم ـ أيضا ـ بميلاد دستور نتمنى أن تتجلى فيه رابطة الوفاء للشهداء والتمسك بالذاكرة التي تليق بهم وبتاريخهم ومكتسباتهم وقيمهم، وتجعلهم يتفيّأون بظلال وطنهم وينعمون برخائه وأمنه واستقراره وتماسك نسيجه الإجتماعي، وطنا يجمع لحمتهم مع جغرافيا ملهمة..

  ودامت الجزائر بإذن الله مسقية الأرجاء بالإيمان، مشرقة الأغصان بالأمان، آمنةً مطمئنة ساكنةً مستقرة، إثمدا في عين الودود، وعلقما في عين الحسود، ويسر الله لأبنائها حكمة مستمدَّةً من تعاليم الإسلام تسدِّد الرأي وتثبِّت الأقدام، وألفة تجمع الشمل، ووحدةً تبعث القوَّة، وعزيمةً تقطع دابر الاستعمار من النفوس بعد أن قطعت دابره من الأرض،

   اللهم وأوصل أيامنا بعد هذا بأجمل السعادات وأكمل البركات، وأعد شمس العافية إلى مدارها ببلدنا وببلاد المسلمين أجمعين، ونسألك اللهم على أداء حقك، والسلامة من حقوق خلقك، ووفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وخذ بناصيته إلى العافية والبر والتقوى، وهيء له البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الخير وتعينه عليه. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

24 مايو 2020

الموضوع: لو كنت خطيبا في هذا العيد تحت ظل جائحة كورونا.. لقلت: 

بعد التكبير والحمد والثناء لمستحق الحمد وأهله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعبده.. والترضّي على آله وصحبه:
أما بعد، أيها الناس، قولوا للناس:
أتاكم العيد بالافراح فاحتفلوا * واكثروا من تهاني العيد واتصلوا
وبلّغوا الاهل والاصحاب تهنئة * بالعيد يزهر فيها الحب والامل
لإنكم في يومٍ تبسّمت لكم فيه الدنيا، أرضُها وسماؤها، شمسُها وضياؤها، صمتم وقمتم شهر رمضان المبارك، ثم ها آنتم في بيوتكم تسألون الله الرضا والقبول، وتحمدونه على الإنعام بالتوفيق للصيام والقيام..  
فبشرى لكم– أيها الصائمون– إيمانا واحتسابا، عاقبة حميدة، وقدوم على الله مفرح، تقبل الله صيامكم وقيامكم، وبارك لكم في عيدكم..  
أيها الناس، قولوا للناس: إن الذاكرةَ ملكةٌ مستبِدّة، قد تفرض عليكم أمورًا لم تكونوا تريدونها، ولعلّ في هذا اليوم يُدَوي في مسمع كثيرٍ منكم دَويَّ الطبل قول أبى الطيب المتنبي، وقد تَرك مصرَ في يوم عيد، وهو يُنشد:
عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ * بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيه تجْديدُ
أو تذكرون قصيدة المعتمد بن عبّاد (1040 - 1095) ملك أشبيلية في الأندلس، الذي أسره يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، وحبسه في منطقة أغْماتَ بالقرب من مدينة مراكش بالمغرب، ومنع عنه أي عطاء، حتى اضطرّت بناته أن يغزلن الصوف ليوفّرن له ولأنفسهن القوت، فلما رأى بناته بعد أن أتين لزيارته حافياتٍ وكسيراتٍ فقيراتٍ في أول عيد يأتي عليه وهو سجين، أنشد هذه القصيدة التي تفيض أسى وحزناً، وكأنه اختزل لنا هذه الحال في تلك، فقال:
فيمـا مضى كنت بالأعياد مسروراً * فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة * يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدامُ حافيةٌ * كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
ولكن صدق الله القائل: "وإن أكثر الناس لا يشكرون"، فلنعترف أننا عشنا رغدا من العيش، وتنعّمنا من خيرات رب العالمين، وإن كانت هناك شدائد فرضتها جائحة كورونا، فذلك قضاء الله وقدره، والحياة وأقدارها تتفاوت بصعودها وهبوطها، بمفاجآتها السارة والحزينة، تأتي الأشياء على حين غفلة، وترحل كذلك، وهل باستطاعتنا منع الأشياء من الحدوث؟.
ولذا، فقولوا للناس، أيها الناس: إننا سنستمر في الحياة بإرادة الله، لأن الله استخلفنا وناظر ما نعمل وما ذا تعلمون، فلنسير صفا واحدا في الهمّة مع المحنة، ولن تؤثر جائحة كورونا علينا ولا على عيدنا، لأن العيد من شعائر الله، "ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب". فلنفرح، ولنلبس للسرور وشاحا، فهذا يوم الجائزة ، ويوم الفرحة الصغرى كما جاء في الحديث، إنه فرحة الإنتصار على الذات في صوم رمضان وقيامه، وإنها للذة تستحق الإظهار، وإن السعادة في العيد لا تكمن في المظاهر والشكليات، وإنما تتجسّد في المعنويات وعمل الصالحات، ويومكم هذا يومٌ أنور أزهر، ويومٌ محجَّلٌ أغر.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد..
أيها الناس، قولوا للناس: أن في فترات المحن والمصائب كما في جائحة كورونا، تختبر المبادئ والشعارات المرفوعة، وتوضع معاني الإيمان والأخوة على المحك، فيظهر الصادقون من الكاذبين، ويتميز الأوفياء عن المتنكرين العاجزين عن فعل الخير، المتأخرين عن القيام بالواجب.
والمسلم دائما كما أوصاه دينه، عينه على نفع الناس وسلامتهم، وواجبه يتحدّد في توعيتهم بما يجب عليهم القيام به لمواجهة الحياة وتحديات الخطر، وحيث ما أقام الإنسان في أرض الله الواسعة يجب عليه أن يلتزم بدينه وأخلاقه وبالتعليمات الصحية والإدارية التي يصدرها المعنيون للإحتراز من وباء كورونا في البلدة التي يعيش فيها، ويعتبر التقيّد بهذه التعليمات نوعًا من الالتزام الأخلاقي والديني العام، لأن الوقاية خير من العلاج.. والحجر الصحي المنزلي ضرورة شرعية ووطنية وأخلاقية، يجب على الجميع الإلتزام بها.. وليس من الشجاعة أن يخالف أحد الإحترازات الضرورية للوقاية من هذا الوباء، والمسؤولية مشتركة لسلامة الجميع.. فلا يكن المسلم سبباً في نشر المرض، ولا في إيقاع الضرر بالآخرين، مما يفرض على الجميع خلال الفترة الحالية تجنب التجمعات والالتزام بالتعليمات لعبور المرحلة الراهنة بأمان.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد..
أيها الناس، قولوا للناس: إن كانت أزمة كورونا أجبرتنا جميعاً على المكوث في المنازل في هذا العيد وقبله، إلا أنها أعادتنا إلى أيام لطالما افتقدناها، وهي الأيام التي كان يجتمع فيها كل أفراد الأسرة معا، ويتجاذبون أطراف الحديث، وها نحن قد اجتمعنا وتحادثنا، وكأن هذا الفيروس جاء ليذكرنا بمن لدينا من أحباب. جاء كنوع من الإفاقة لنا ولمشاعرنا الإنسانية، جاء مضيئا للون الأحمر لينبهنا: "استمتعوا بأحبابكم وبتلاقي الأرواح قبل فراقها".
ولهذا فإن ألغت جائحة كورونا في هذا العيد تبادل التبريكات والتهاني بالزيارات والمصافحة باليد والتقبيل والعناق بين الأصدقاء والأقارب، فلقد عوضنا الله ـ برحمته ـ المعايدات الإلكترونية، في ظل وجود الهواتف الذكية وتطبيقات الرسائل الفورية، ووسائل التواصل الاجتماعي عبر إرسال التهاني، فاستغلوا الفرصة للاتصالات الصوتية أو حتى المرئية بين العائلات.. واتركوا السجايا تنطلق على فطرتها، والعواطف والميول تبرز على حقيقتها، فإننا بإيماننا نفرح رغم الألم..
ومن هنا، قولوا للناس، أيها الناس، لنبدأ في التغيير والعمل من أجل فرحة الجميع، ولنترك لوم الزمان والدهر، فذلك فعل الفاشلين العاجزين، لا فعل الطموحين الناجحين، وقد قال الشاعر الإسلامي عدنان النحوي في أبيات له جميلة:
ما لي ألوم زماني كلما نزلت * بي المصائب أو أرميه بالتهم
أو أدّعى أبداً أنّي البريء وما * حملت في النفس إلا سقطة اللمم
أنا الملوم فعهد الله أحمله * وليس يحمله غيري من الأمم
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد..
واذكروا ـ أيها الناس ـ في يومكم هذا، وفي كل يوم، رجالٌ ونساءٌ لكم في خطوط النار الأولى، في ميدان معركة مكافحة جائحة كورونا، من أطباء وممرضين وكوادر إدارية وأمنية، وكل الذين يبلون بلاء حسنا.. أولئك المباركون أينما حلوا، همّة علياء، وعزيمة شاهقة بارتفاع هامات السماء.. فكونوا معهم ولو بكلمة طيبة، أو دعوة صادقة، وشدُّوا العزائم، وتنافسوا في الخيرات، وتحدّثوا بنعمة ربكم عليكم.. وتذكروا أيضا إخواناً لكم أقعدهم فيروس كورونا، وهم في المستشفيات على الأسِرَّة البيضاء يرقدون، فلا تنسوهم وجميع مرضى المسلمين من دعوة صالحة. وترحموا على اولئك الذين سقطوا في ميدان معركة كورونا، تقبلهم في عليين. الله كبر.. الله اكبر.. ولله الحمد.. .
  قولوا للناس، أيها الناس: إن الطاهرة عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنّيان.. فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني.. وقال: مزمارُ الشيطان عند رسول الله؟! فقال له الرسول: "دعْهما .. يا أبا بكر إنّ لكل قومٍ عيداً، وهذا عيدنا"..  "دعهما.. هذا عيدنا..". كم مرّة تداول المسلمون في العيد هذا الحديث النبوي؟!
وكم مرة ردّدوا هذا البيت الكئيب: عيدٌ .. بأية حالٍ عدت يا عيدُ؟! الجواب مُعرٍّ لمدى وعيِنا، ولحقيقة اقتدائنا ..
قولوا للناس، أيها الناس: "هذا عيدنا".. فلنُخلص الفرحَ فيه لله مع أبنائنا وبناتنا وأهلينا أجمعين، ولنجعل فرحة العيد تنتصر على كورونا، ولنختار ثوب العافية بالبقاء في المنازل حتى نخرج إلى البر الأمين بإذن رب العالمين، ولنتذكر ما أبقى الله لنا من خير، وما أنعم به علينا من فضل، فلئن حلّت بنا محن، فقد أبقى الله لنا منحاً، ولئن أصابتنا نقم، فقد أبقى الله لنا نعماً "وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها"، ونحن أحوج ما نكون إلى أمل يدفع إلى عمل، وفأل ينتج إنجازاً، ولا تُمحى الهزائمُ إلا بالعزائم ..
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد..
وأخيرا.. أيها الناس: هذه خطبتي محمّلة بالتبريكات والتحيات العطرة، أسأل المنان أن يوصلها الآذان، ويبلغها الجنان، وأن يسعدكم بهذا اليوم الجديد، والعيد السعيد، ويوصل أيامكم بعده بأجمل السعادات وأكمل البركات، وأن يعيد شمس العافية إلى مدارها ببلدنا وببلاد المسلمين أجمعين، وأن يبقينا في عافية وسعد ورزق موفور بمنّه وكرمه، إنه غفور شكور، وصلى الله على سيدنا محمد ما دامت الأيام والشهور، وسلم تسليما..


                         كل عام وأنتم بخير.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

19 مارس 2020

الموضوع: فيروس كورونا رسالة من الله..
.
   الحمد لله، نحمده ونستغفره وندعوه دعاء المستغفر التائب أن يحفظنا من كل شرّ حاضر أو غائب، ونصلي ونسلّم على الحبيب المصطفى أهل الفضائل والمواهب، وعلى الصحب والآل ومن تبع عددَ ما في الكون من عجائب وغرائب..
   أما بعد: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، والتزام هداه، فتقوى الله تعالى حصن أمام كل فتنة، وعدة في كل محـنة، فاتقوا الله -عباد الله-، فيما تعـتقدون وما تقولون وتفعلون، "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ".
   أيها المباركون: في قلب أزمة فيروس كورونا تذكرت كلام القائد الشيوعي الملحد [ لينين] حين قال: عقود تمر على الأمة لا يحصل فيها شيء، ثمَّ تمر سنون تحصل فيها عقود، وصدق وهو كذوب
 وكان من الواجب أن يكون المسلمون المتابعون لأخبار فيروس كورونا أكثر الناس اعتبارا وعملاً واستشعاراً للمسؤولية، وأن تغرس في نفوسهم بواعث عمل، ووقود همة، وعزمة إرادة لتغيير ما بأنفسهم.
     فالحياة وأقدارها تتفاوت بصعودها وهبوطها، بمفاجآتها السارة والحزينة، تأتيك الأشياء على غفلة وترحل على غفلة. وهل باستطاعتنا منع الأشياء من الحدوث؟.
     هيا تعالوا معي لنتمعن في هذه اللوحة من الفن التجريدي التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم: روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: خَطَّ النَّبِيُّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعاً، وَخَطَّ خَطاًّ فِي الوَسَطِ خَارِجاً مِنْهُ، وَخَطَّ خِطَطاً صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: "هَذَا الِإنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ -أو قد أحاط به - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخِطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا". .
   بهذه الخطوط الشريفة التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض الرملية، من أجل التعليم والتفهيم والتقريب، اكتملت لوحة من الفن التجريدي، والتي بيَّن فيها صلى الله عليه وسلم بما رسمه، كيف يحال بين الإنسان وآماله الواسعة، بالعلَل والأمراض المقعدة، أو الهرم المفني، أو بالأجل المباغت.. وفي هذا إشارة إلى الحضّ على قصر الأمل، والاستعداد لبغتة الأجل..
   يا عافاني الله وإياكم: ها هو ذا الإنسان الضعيف، تغزوه الأغراض، غزوا فيه إلحاح: عدوى، أو سرطان، أو حريق، أو غرق، أو زلق، أو سقوط، أو لدغة، أو تسمم طعام، أو طلقة طائشة.. وما فيروس كورونا عنا ببعيد..
وهنا أطرح سؤالي: ما الحكمة التي أرادها الله من هذه المحن وتلك المصائب؟.
وللإجابة على هذا تلك السيارة التي صنعت لتسير، لكن فيها مكابح، والمكبح يتناقض مع علة صنعها، هي صنعت لتسير، والمكبح يوقفها، لكنَّ المكبح ضروري جداً لسلامتها.
      وأنت يا ابن آدم خلقك الله لتعمر أرضه وتحقق عبادته..خلقك للسعادة في الدنيا والآخرة، ولكن قد تزل قدمك، وقد تنحرف عن الهدف، وقد تقع في خطأ، وقد تنسى الله، وقد تغفل عنه، وقد تأكل المال الحرام، وقد تعتدي على أعراض الأنام، فتأتي المصيبة كرسالة من الله، وضماناً لهذه السعادة، وما من آية تتوضح فيها المصيبة كرسالة من الله كهذه الآية: "وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ".  سورة القصص: .47 والباء: باء السبب، أي: بسبب ما قدمت أيديهم، لقالوا يوم القيامة: "رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ".  سورة القصص : 47.
    فينبغي أن نعلم علم اليقين أن فيروس كورونا هو في حقيقته رسالة من الله مفادها: يا عبدي، عندك خلل، إما في عقيدتك، وإما في معاملاتك، وإما في سلوكك.. فانتبه.
    هذا.. ولنعلم أن غايات البلاء تحتلف وإن توحّدت مظاهره، فالبلاء الواحد قد يكون اختباراً لأفراد وجماعات معينة، ويكون عذاباً لآخرين وتأديباً لهم. قال سبحانه وتعالى: "وَاتّقُوا فِتْنَةً لاَتُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصّةً..." الأنفال/25. فالفتنة التي هي مصداق من مصاديق البلاء لا تختص بصنف من أصناف المجتمع، بل تشمل الجميع، المؤمنين وغير المؤمنين.
     ولنعلم ـ أيضا ـ أن في فترات المحن والمصائب تختبر المبادئ والشعارات المرفوعة، وتوضع معاني الإيمان والأخوة والتضامن على المحك فيظهر الصادقون من الكاذبين، ويتميز الأوفياء عن المتنكرين البخلاء العاجزين عن فعل الخير، المتأخرين عن القيام بالواجب. فالعاقل في هذه الفترة لا يهمه من أين جاء فيروس كورونا، وهل هو طبيعي أم هو من فعل حرب بيولوجية وراءها أيادٍ بشرية أو سياسات دول بعينها؟ وإنما عينه على سلامة الناس الصحية، وواجبه يتحدّد في توعية الناس بما يجب عليهم القيام به لمواجهة الخطر.
    وحيثما أقام الإنسان في أرض الله الواسعة يجب أن يلتزم بدينه وأخلاقه وبالتعليمات الصحية والإدارية التي يصدرها المعنيون في البلدة التي يعيش فيها، ويعتبر التقيد بهذه التعليمات نوعًا من الالتزام الأخلاقي والديني العام لإن الوقاية خير من العلاج..
.
   ولا شك أن الوطن مع كلّ محنة أو جرح في خاصرته يعود بفضل الله ثم بفضل تظاهر جهود الخيّرين أفضل مما كان، ولا شيء مستحيل أمام هذا إن صدقت النوايا وحسنت ثقتنا في المولى عزّ وجلّ
   فلنبدأ من هنا.. في التغيير والعمل ولنترك لوم الزمان والدهر، فهو فعل الفاشلين العاجزين لا فعل الطموحين الناجحين، وقد قال الشاعر الإسلامي عدنان النحوي – في أبيات له جميلة قائلاً :
ما لي ألوم زماني كلما نزلت  * بي المصائب أو أرميه بالتهم
أو أدعى أبداً أني البريء وما  * حملت في النفس إلا سقطة اللمم
أنا الملوم فعهد الله أحمله  * وليس يحمله غيري من الأمم
فإذا أردنا أن نغير فلنغير من حالنا ومن فساد قلوبنا وأنفسنا يغير الله حالنا، ويرفع ما بنا من مصائب أرقتنا أو بلايا أقلقتنا.
كان الفضيل رحمه الله يقول: "إنما جعلت العلل ليؤدب بها العباد، ليس كل من مرض مات". وكان الحسن البصري رحمه الله، إذا دخل على مريض قد عوفي، قال له: "يا هذا، إن الله قد ذكَّرك فاذكره، وأقالك فاشكره. فهذه الأسقام والبلايا كفاراتٌ للذنوب، ومواعظ للمؤمنين، يرجعون بها عن كل شرَ كانوا عليه.
  هذا ما قلت، وأستغفر الله لي ولكم، وهو الكريم الرحيم.. كاشف كل بلوى، وسامع كل شكوى نسأله أن يرفع بلاء فيروس كورونا وما يصحبه من عسر وضيق عنا وعن كل كاتب و قارئ وناشر هذه الرسالة..  
   وأن يعيننا على أنفسنا حتى نستقيم على أمره.. ويرزقنا سعادة لا تنقطع، ويكفينا شر الغيب ويرزقنا من اليقين ما يهون به علينا مصائب الدنيا..   وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله..