26 أكتوبر 2022

الموضوع: ثورة نوفمبر الخالدة تعطر أجواء القمة العربية الواعدة

    الحمد لله، يا ربنا لك الحمد، فبنعمائك تمت الصالحات، صلّ وسلّم وبارك على أكمل المخلوقات، وبعد:

    فإن الجزائر تحيي بحر هذا الأسبوع بكل انتشاء واعتزاز الذكرى الثامنة والستين لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954 المجيدة، وإن هذا اليوم ليس كباقي الأيام، إنه يوم يزهو فيه الجزائريون بوطنهم، ويحتفلون فيه باستقلالهم، ويباهون به أهل الدنيا. يذكرون أبطالهم الأوفياء الذين قامت الجزائر على أكتافهم، ونهضت بهمتهم، وعلت بعزيمتهم، ويترحمون على من قضى نحبه من شهدائهم، ويدعون الله بالعمر المديد والصحة والعافية لمن ما زال على العهد ثابتا.

    إن هذا اليوم يذكرنا بثورة عظيمة، صنعت التاريخ، وبهرت العالم، وقهرت الجبابرة، وقصّرت آمال المستعمرين، وقصمت ظهور المستدمرين، وغيرت مجرى الأحداث وأعطت لشعوب العالم دروسا عملية في الجهاد والتضحية والثبات والإستشهاد.

   إنها ثورة الفاتح من نوفمبر 1954م، يوم الإثنين الخامس من ربيع الأول 1374 هـ.. كان عدد المجاهدين الذين فجّروها على المستوى الوطني يوم انطلقت شرارتها: 1200 مجاهد. وكلّ ما يملكون: 400 قطعة سلاح وقنابل تقليدية معدودة، وكان الله معهم وكان إيمانهم به عظيما، وكان صبرهم جميلا، فصدقهم الله وعده: "قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين".

   أيها المباركون: وإذا كان هناك تاريخ يُسجَّل لأفراد أو جماعات، فإن الثورة الجزائرية بعيدة عن هذا النهج، لأنها لم تكن ثورة أفراد، وإنما كانت ثورة شعب تقوده طليعة مؤمنة امتهنت المقاومة والكفاح، فسجّلت صفحات خالدة من البطولات والأمجاد.  

     هؤلاء الأبطال كما يذكر الشاعر صالح خرفي في قصيدته: "الجزائر ومولد الرسول" التي يخلْص فيها إلى التأكيد أنّ ثوار الجزائر ما هم إلاّ امتداد طبيعي لمجاهدي الأمة الإسلامية، ثاروا من أجل إحياء الإسلام، وإعادة أيامه الحافلة بالأمجاد والبطولات، حتى تخالهم عين الناظر إليهم، أنّهم جزء لا يتجزّء من مجاهدي أحد وبدر، فهو يقول:

ففي أرض الجزائر خير جند * يقيم لغابر الإسلام ذكرى
كأنّك فيهم (بعلي) ينادي * لقد وعد الإلهُ الخلقَ نصرا
فهُبّوا لاقتحام النّار وابنُوا * على جثث الفدا للمجد جسرا
وسيف الله يذكيها فيمضي * كأسرع من وميض البرق سرى
فليت العين منك رنت إليهم * إذن لتذكّرت "أحدا وبدرا"

   وبهذا لا غيره، أكدت ثورة نوفمبر أنها لم تكن ردا آنيا دفعت إليه أحداث طارئة، بل كانت مشروعا حضاريا متكاملا في الثقافة والمنهج واللغة والهوية. فكانت العربية والاسلام والجزائر هي مثلث الوعي والهوية، وقاعدة الحشد والانتماء، ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة، كان واضحا أنها اهتدت إلى سبل الرشاد، فكان أهمّ ما تجلّى فيها أنها معلّقة بهدف واضح محدد جلي، إنه حرية الجزائر أرضا وشعبا..

  ومن هنا كان انتصارها حقيقياً، وكانت حريات الشعوب أمانة في جيل نوفمبر الذي حقق انتصاره كمقدمة طبيعية وحقيقية وقوية لانتصار الشعوب وحريتها واستقلالها، وإن مقولة: "إذا كانت مكة قبلة المسلمين، والفاتيكان قبلة المسيحيين، فإن الجزائر تبقى قبلة الثوار"، العبارة التي قالها ذات يوم الزعيم الثوري الإفريقي اميلكال كابرال، لخص من خلالها صدى الثورة الجزائرية التي دوّت عاليا خمسينيات القرن الماضي، واستلهمت منها حركات التحرر في كل قارات العالم أجمع، فكانت مثلها الأعلى، وسارت على دربها لتحقيق حريتها. وحُق لنا أن نقف بإجلال لنجدّد سابغ الترحم على أبطال المقاومة الشعبية- وعلى شهداء الوطن نقرأ فاتحة الكتاب.  

    أيها السادة: واليوم.. على درب الأُلى الذين ساروا على نهج الهدى إصرارا وانتصارا ثورة نوفمبر الخالدة من جديد تعطر أجواء القمة العربية الواعدة، فبقناعة تامة وإيمان لا يضعف من قبل القيادة الحكيمة للجزائر المحروسة بعين الرحمن، وبعد أن أُثخِنت الأمةُ العربية بجراحاتها، وحلُمَت بها كرها واستيقظت بها كرها، ها هي الجزائر على موعدِ عرسٍ يومي 1 و 2 من نوفمبر المقبل بحضور عدد كبير من القادة العرب، في فعاليات القمة العربية الحادية والثلاثين، تزامنا مع الذكرى الـ 68 لانطلاق ثورة نوفمبر المجيدة، وإن اختيار السيد رئيس الجمهورية لهذا التاريخ والمصادقة عليه من قبل نظرائه العرب، هو علامة مشجعة ورمزية، للتعبير عن تصميم القادة العرب على تأكيد استقلالهم في نظام عالمي جديد ناشئ ولا مكان فيه للضعفاء.  

(هذا نوفمبر.. قم وحيّ (المجمعا)
تبقى لمن جهل العروبة مرجعا)

   ولا يخفى على أيّ عاقل أن الحوار طبيعة بشرية، ولا يمكن للبشر أن يعيشوا في مجتمع واحد من دون أن تدور بينهم العلاقة اللغوية التي من بينها الحوار والنقاش. فالحوار لغة أصله من الحَور، وهو الرّجوع عن الشّيء وإلى الشّيء، فعن طريق الحِوار الفعَّال يتبادل المجتمعون الأفكار والمعلومات، ويُقيّمونها، ويُعيدون بناءها، مما يجعلهم سببا في بقاء سفينة الأمة العربية آمنة مطمئنة، تنعم بالسخاء والرخاء والتنمية والازدهار..  

  وإني لآمل لقادتنا منقلباً حميداً، فإن أنظار ما يزيد على مليار وثمانمئة مليون من المسلمين محدقة نحوهم، بعد أن تلوَّعُوا في مجتمعاتهم بأنواع الرزايا والمشكلات التي حلَّت بهم وبإخوانهم، لعله أن تلوح لهم بارقةُ أملِ تحقيق الوثبة المبتغاة على درب النهضة الشاملة..  

  وبغض النظر على مستوى المشاركة فيها، ستكون هذه القمة العربية في دورتها العادية مقارنة بقمم سابقة، محطة فاصلة في التاريخ العربي في إطار دراسة الملفات المطروحة في أبعادها المحلية والإقليمية والدولية، لتحقيق آمال وطموحات الشعوب العربية في مسائل الإستقرار والأمن والسلام والرخاء..  

   أيها المباركون: وفي التاريخ منعطفات مصيرية من يهتبلها ويقتنصها في سبيل تحقيق غايته، هو من ينحت على صفحاته المجد، وإن الصبح لقريب بإذن الله.. والجزائر وعلى رأسها السيد عبد المجيد تبون _حفظه الله وسدّد خطاه_بهذا لا تسعى إلى مجد خاص، ولا إلى مصالح أيديولوجية بقدر ما تقف على مسافة واحدة من الجميع، لتؤكد مرّة أخرى على أنها ستبقى وفية لمبادئها الأصيلة، الداعية إلى إعلاء الحق ونصرة المظلومين مهما طال الزمن، ومهما كان الثمن.. "وهي تتطلّع ـ كما قال وزير دبلوماسيتها ـ أن تشكّل هذه القمة الهامة فرصة لاتخاذ قرارات جريئة بروح توافقية"، وذلك بالنظر الى الملفات المعروضة على القادة، فهي محطة فاصلة في لمّ الشمل وتوحيد الرؤى بين الدول العربية في ظل الإنقسامات التي يشهدها الواقع العربي، خاصة ما تعلق بالقضية الفلسطينية التي أثرت عليها تداعيات حملة التطبيع مع الكيان الصهيوني بشكل كبير، بالإضافة إلى ملفات أخرى لا تقلّ أهمية..  

   وعلى وتر ذكرى أول نوفمبر يعزف القلم أنغاماً، يمتد صداها إلى فضاءات القمة العربية لهذا الأمل المشروع، فلقد علمتنا ثورة نوفمبر أن التاريخ يسجل ويدوّن وإن لم ينطق اليوم، وأن المرء حين يذهب، فلن يُذكر عنه في الدنيا إلا ما قدمه من أمرٍ لصلاح الدين والدنيا، أو عكس ذلك، وإطباق ثناء الناس على إنسان أو ذمه لن يكون بعيداً عن الحقيقة، فالناس شهداء الله في الأرض..

هذا، وسلام على نوفمبر 1954، سلام على ذكراه الثامنة بعد الستين.   

   جعل الله همّة القادة على قدر أهداف قمّتهم، وأصلح أحوالهم، ويسر أمورهم، ودبّرهم على ما فيه الخير في دينهم ودنياهم، وجعلهم رحمة على رعاياهم، وجمع كلمتهم على ما فيه خير الأمة ورفعتها، وحفظ الله الجزائر، وحفظ لها رئيسها، وحفظ لها رجالها، وأدامها إثمدا في كل عين كل ودود، وعلقما في عين كل حسود..وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين..

13 مايو 2021

 

موضوع الخطبة: العيد رسائل فرح رغم الألم

الخطبة الاولى

    الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر ما صام صائم وأفطر، الله أكبر ما قام مصلّ لله في السحر واستغفر، الله أكبر ما أشرق صباح العيد وأسفر، الله أكبر ما أدّى المؤمن زكاة فطره وتطهّر، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا..

  الحمد لله الرحيمِ الغفَّار المَرجوِّ ثوابُه، العزيزِ الجبَّار المَخشيِّ عذابه، المتكبِّرِ القهَّار المَرهوبِ عقابُه، الجوادِ الكريم الذي شمِل العالَمين إنعامُه، وعمَّ جميعَ المخلوقين إكرامُه، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الموصوف بالخلق العظيم، والرحمة بالمؤمنين، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، ورضي عن أصحابه أجمعين.

   أما بعد، فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واشكروه على ما منّ به عليكم من إتمام شهر الصيام، وسلوه القبول والغفران، واعلموا أن هذا اليومَ يومُ عيد يفرح فيه المؤمنون بما منَّ الله به عليهم من نعمة الأمن والإيمان والسلامة والإسلام، "قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ". يونس: 58.

أتاكم العيد بالأفراح فاحتفلوا * وأكثروا من تهاني العيد واتصلوا
وبلّغوا الأهل والأصحاب تهنئة * بالعيد يزهر فيها الحب والأمل

    أيها المسلمون: لقد اكتست الجزائر المحروسة ـ والحمد لله ـ حلّة زاهية مفعمة بالنفحات الإيمانية والبركات الربانية خلال شهر رمضان الفضيل، ورغم الألوان القاتمة التي رسمتها جائحة كورونا إلا أنه ساد فيه جو من الخشوع المخضّب بالفرحة على وجوه الناس بعد أن رفع الله الحجر الصحي وتبسَّمت لهم الدنيا، أرضُها وسماؤها شمسُها وضياؤها، فصاموا لله عدّة رمضان كاملة وقاموا لياليه وأدّوا زكاة فطرهم، وها هم خرجوا لصلاة العيد يكبّرون الله على ما هداهم إليه، وقد امتلأت قلوبهم فرحًا وسرورًا، يسألون الله الرضا والقبول، ويحمدونه على الإنعام بالتمام.   

   كيف لا؟ ورمضان يأتي كل عام حاملًا لنا فيضًا من الهدايا والمنح الربانية السخية؟. وكيف لا؟، وهو الشهر الكريم الذي أنزل فيه القرآن، قال تعالى: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ". البقرة:185، قال ابن كثير في هذه الآية: "يمدح ـ الله ـ تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم". الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر.  ولله الحمد. 

      أيها المسلمون: وإن من رسائل العيد أن الله أراد لنا الخير من كل أطرافه، وأتم علينا نعمته من كل جوانبها، وحبّب إلينا ما شرعه لنا من الخير، فقال تعالى في تضاعيف آيات الصيام: "يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ". البقرة: 185. فأبشروا يا عباد الله بفضل الله، وأبشروا يا عباد الله بعطاء الله، وأبشروا يا عباد الله عند لقاء الله، فاليوم يوم الفرح والسرور، ويوم القيامة توفون أعظم الأجور. جاء في الحديث: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الطُّرُقِ، فَإِذَا صَلَّوْا، نَادَى مُنَادٍ: أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ، فَارْجِعُوا رَاشِدِينَ إِلَى رِحَالِكُمْ، فَهُوَ يَوْمُ الْجَائِزَةِ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ الْجَائِزَةِ» أخرجه الطبراني وغيره، وفي إسناده ضعف، ولكن له شواهد مرفوعة وموقوفة، تقوي الاستشهاد به في فضائل الأعمال.

   فيأيها المعيّدون: إنكم في يوم من أيام الله، إنه يوم عيد الفطر المبارك الذي جعله فرحة للصائمين، ومكرمة للقائمين؛ روى البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -- قال: "لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُما، إذا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ"،  فإن من رسائل العيد تأكيد على سمو شريعة الإسلام ومبانيه العظام. قال ابن الأعرابي: "سمّي عيدًا لأنّه يعود كلّ سنة بفرح متجدّد". وهذا المعنى في العيد هو الوارد في السنة النبوية الصحيحة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ؟، فقال رسول الله: "يا أبا بكر، إنّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا". أخرجه البخاري، فافرحوا بهذا العيد، افرحوا رغم الوباء؛ فرسالة عيد الفطر في ظل جائحة كورونا تعلمنا أن الفرح يجلو الأحزان، وإن المنح تستخرج من المحن، والمؤمن دائم الفرح بالله تعالى وبطاعته، دائم الرضا بقضائه وقدره، ومن رضي عن الله تعالى رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وتذكروا أن فيروس كورنا علّم العالمَ أجمع درسا فصيحا بليغا، وهو أن أفراده يعيشون معنى السفينة الواحدة، فما يصيب المرء في شرق الكوكب يتأثر به من يحيا على أرض بعيدة في أقصى غربها، علّمهم أن يعيشوا معنى المصير الواحد، وأن كل خير يتنزّل على الأرض سينعم به إخوتهم في الخلق في مكان آخر، ولذا وجب على الجميع وعلينا خاصة كمسلمين أن نظهر أصالة أخلاقنا وحقيقة إنسانيتنا في إبراز التضامن الاجتماعي بين أبناء المجتمع، وأن نعيش هموم غيرنا ونتخلّى عن فكرة النجاة الفردية، علينا أن نقتدي برسول الله في مشهد يوم القيامة حينما يسجد تحت العرش ويشفع عند ربنا الجليل للفصل بين العباد، ويقول ضارعا: "يا رب أمتي أمتي"،  ونحن نقول يا رب: أمتنا الإنسانية، يا رب قومنا، يا رب وطننا، يا رب أهلنا، يا رب شبابنا، هكذا دون تفرقة بين أحد منهم، لا يليق في وقت الأزمات أن يستأثر أحد دون غيره، أو ينشغل بنفسه عن الآخرين.. وإن نظرة عجلى على حال الأمة الإسلامية وما تعانيه من فرقة وانقسام،  وانفصام عن الذات والهوية، حتى كادت كالهباء المنثور الذي تعبث به رياح العبث السياسي والتيه الأخلاقي، والتشظّي  غير المحمود العواقب والعقبات.  مما يجعلنا نستحضر ما قاله الشاعر عمر بهاء الدين الأميري، قوله:

يقولون لي: عيد سعيد وإنه * ليوم حساب لو نحس ونشعر

أعيد سعيد..  يا لها من سعادة * وأوطاننا فيها الشقاء يزمجر

       أما آن للأمة الإسلامية أن تتخذ من جائحة كورونا محطة للتأمل والعبر بضرورة التوحّد والتعاون والتآزر تجنبا للفُرقة التي ألهبت شرر الخلافات وأوقدت لهيب الحروب في كل مكان، في العراق واليمن وسوريا وليبيا وغير ذلك، مع استحضار ما تعرّض ويتعرض له المسجد الأقصى من انتهاكات، عقب اقتحام قوات الإحتلال لباحات المسجد الأقصى وإلقاء قنابل والغاز المسيل للدموع على جموع المصلين الصائمين، وعلى وقع الدماء اليوم التي ما زالت تسيل، وويلات القصف والتدمير، وآهات الملاحقة والتقتيل، ومرارات الترويع والتخويف يستقبل إخواننا عيد الفطر هناك.. والمسلمون ـ حولهم ـ تفرّقوا شيعاً وفرقاً وأقطاراً، وما بالهم تمزَّقوا في صراع لا يرضاه الله ولا يأذن به؟!.

كم يستغيث المستضعفون وهم * قتلى وأسرى فما يهتزُّ إنسانُ
ما ذا التقاطع في الإسلام بينكمُ * وأنتمُ يا عباد الله إخوانُ

   ألا وإن من سنن الله، أنه ـ سبحانه ـ لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الإنحراف عن المنهج وسلوك الطريق الخاطئ . قال تعالى:"ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ". الأنفال:53. ألا وإن صلاح المجموع لا يتأتَّى إلا إذا صلح الأفراد، وصلاح الأعمال لا يمكن إلا إذا صلح الفؤاد، فطهروا ـ رعاكم الله ـ سرائركم، وانظروا إلى الدّين ببصركم وبصائركم، فإنه ـ وأيم الله ـ مليء بالأنوار والأسرار، وإنه لخير كفيل بالعزّة والإنتصار، وبدونه لا يمكن أن نظفر باستقرار ولا ازدهار، ولقد أقام الله سبحانه وتعالى علينا الحجة منذ أن قال بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله  من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم".  أخذ الله بيدي وأيديكم للسير وفق سير القرآن، وأجارنا جميعا من كيد الشيطان ومكر الإنسان، وتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، هو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

الخطبة الثانية

   الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد..

   الحمد لله معيدِ الجُمعِ والأعياد، ومبيدِ الأُمَمِ والأجناد، وجامعِ الناس ليومٍ لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد. والصلاة والسلام على عبده ورسوله المفضَّلِ على جميع العباد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحشر والتًّناد.

  أما بعد، عباد الله: واعلموا ـ أيضا ـ إن من رسائل العيد أن جمال هذا الدّين يتلخّص في وعد الله تعالى المؤمنين بالحياة الطيبة، قال تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً". فمهما كانت الظروف صعبة فلا بد من الفرحة، تحقيقا لشعيرة من شعائر الإسلام العظيمة. إنه العيد السعيد الذي جاء بعد عبادة فيها مشقة ومتعة، قال ابن القيم الجوزية رحمه الله: "وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقّة والكلفة بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمناً وتبعاً في بعضها لأسباب اقتضته لا بد منها هي من لوازم هذه النشأة، فأوامره سبحانه وحقه الذي أوجبه على عباده وشرائعه التي شرعها لهم هي قرّة العيون ولذّة القلوب، ونعيم  الأرواح وسرورها، وبها شفاؤها وسعادتها وفلاحها وكمالها في معاشها ومعادها، بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذّة ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك". فلنشُدّ ـ أيها المسلمون ـ بالنواجذ على استمرار عبوديتنا لله وطاعتنا وتقوانا وخشيتنا له حتى يُختمَ لنا بالخير والإيمان، ونسعد في الدنيا والآخرة . الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد..

     عباد الله: قد آن لكم أن ترجعوا راشدين إلى بيوتكم على غير الطريق التي أتيتم منها، فاعلموا أنكم في الدين إخوة، وأن المؤمن الحق يرضى بأقدار الله -تعالى-؛ فيشكره على الأقدر الجميلة، ويصطبر على الأقدار المؤلمة؛ ففي كل ذلك خير له، قال : "عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلّا المؤمنُ".  فافرحوا ـ أيها المسلمون ـ في مواطن الفرح واشكروا ربكم على ذلك، واصبروا في مواطن البلاء، حتى تعيشوا بين سعادة أقدار الخير، وبين عبودية التسليم والرضا بأقدار الله المؤلمة. فالمؤمن لا يفسد فرحه وباء، ولا يمنعه من سعادته بلاء، ورحم الله الإمام الشافعي؛ حيث قال:

ولرب نازلةٍ يضيق بها الفتى * ذرعاً وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها * فرجت وكنت أظنها لا تفرج

    فإن من رسائل العيد التي امتنَّ الله بها على عباده في العيد إظهار الفرح، فاحرصوا فيه على صفاءِ النُّفوس وتصفيتها مِن الضغائن والشحناء، حتى يَغفر لكم ربُّكم. كونوا في العيد مِن أهل العفو والصَّفح والتجاوز، وتغافلوا عن الزَّلات والهفوات، وأظهروا الأُلْفة والتآلف، واجتنبوا الفُرْقة وأسبابها، وابتعدوا عن الخصومات والمنازعات. تصافحوا وتزاوروا وتبادلوا التهاني والتبريكات، ولكن مع مراعاة الإحترازات الوقائية كارتداء الكمامات وغيرها من الإجراءات المعلنة للحد من انتشار فيروس كورونا، والله نسأل العافية للجميع.. هذا، وتذكّروا ـ دوما ـ أن المحبة ليست قولا باللسان ولا تعبيرا بالأركان، وإنما هي ميل القلب واطمئنانه إلى أخيه المسلم، فانثُروا عبير الحبّ بين طيات هذه الأيام السعيدة وتَمتعوا بأجواء العيد التي تَملأ الكونِ إشراقا وبهجة.. ليس من أجل العيد فقط بل هذا هو منهاج الله الدائم الذي نتّبعه في كل أيام الله.  

    أسعدنا الله وإياكم بهذا اليوم الجديد، والعيد السعيد، وجعل شهرنا شاهدا لنا بأداء فرضه، وألا يجعلنا ممن جد واجتهد ولم يرضه،  ووصل أيامنا بعده بأجمل السعادات وأكمل البركات، وأعاد شمس العافية إلى مدارها ببلدنا وببلاد المسلمين أجمعين، وأبقانا في عافية وسعد ورزق موفور بمنّه وكرمه وفي الخير متعاونين، اللهم واربط على قلوب ﻓﻲ المسجد الأقصى وأكنافه، واحفظهم بما تحفظ به عبادك الصالحين، وقيد له قائدا كصلاح الدين يحرّره من أيدي الغاصبين ويعيد لنا أمجاد حطين، بمنك وكرمك يا قوي يا متيناللهم وأبرم لهذه الأمة أمرا رشدا، تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك .اللهم الطف بنا وبالمسلمين فيما جرت به المقادير، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولولي أمرنا ولجميع المسلمين والمسلمات، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد صلاة تهب لنا بها أكمل المراد، وفوق المراد، في دار الدنيا ودار المعاد، عدد ما علمت وزنة ما علمت وملء ما علمت. وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين.

                                  عيد سعيد وكل عام والأمةُ الإسلاميةُ في عزة ورفعة وتأييد 

08 أبريل 2021

 الموضوع: بين يدي شهر الغفران..

الخطبة الأولى

   الحمد لله الذي أنعم علينا بمواسم الطاعات التي تضاعف فيها الحسنات وتمحى فيها السيئات، أحمده حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شىء قدير، يفتح لنا في رمضان أبواب الجنان، ويغلق أبواب النيران، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، خير من صلى وصام، وأطعم الطعام وألان الكلام، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

  أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله -تعالى- واشكروه على تيسيره، قال تعالى: "هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ". [الحج:78]. وقال: "مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ" [المائدة:6]. ومن تيسيرِ الله ورفعِه الحرج عنا: أن حدّد بدايات مواقيت العبادات ونهايتَها بعلامات واضحة يعرِفُها كلُّ أحدٍ من العامة والمتعلمين. ومن ذلك: بدايةُ شهر رمضان المبارك ونهايته، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تَرَوُا الهلالَ، ولا تُفطروا حتى تروه؛ فإنْ غُمَّ عليكم فأَكْمِلُوا العُدَّةَ ثلاثين".

   هذا وإن الجزائريين كغيرهم من غالبية الدول الإسلامية على موعد مع تحرّي هلال شهر رمضان المعظم لهذا العام (يوم الاثنين 29 شعبان 1442هـ الموافق لـ 12 أفريل 2021 م). أهله الله علينا وعليكم بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والفراغ من الأشغال والبعد عن الأسقام..

   عباد الله: وإنّ غائباً يعود مرّة في العام لأهلٌّ أن يُتهيَّأ لاستقباله ويُستعدّ لقدومه، وبخاصةٍ إذا كان خيره وبركته عمِيمَين، وإن بلوغ رمضان نعمة عظيمة وفضل كبير من الله تعالى، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان، فطوبى للمشمّرين.

   فعن طلحة بن عبيد الله أن رجلين من بُلَىٍّ قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا فكان أحدهما أشدَ اجتهادا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم توفي، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثوه الحديث، فقال: من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشد الرجلين اجتهادا ثم استشهد، ودخل هذا الآخر الجنة قبله!. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى . قال: وأدرك رمضان، فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة، قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض . رواه ابن ماجه

  أيها المسلمون: إن بلوغ شهر رمضان من نِعَم الله العظيمة على العبد المسلم؛ لأنه من مواسم الخير، تفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران. وهو شهر القرآن، فحريٌّ بالمسلم أن يدعو ربَّه تعالى أن يبلِّغه شهر رمضان على خير في دينه وفي بدنه، ويدعوه أن يعينه على طاعته فيه، وأن يتقبل منه عمله، وكذلك كان السلف الصالح يفعلون. قال معلى بن الفضل واصفا أحوال السلف مع رمضان: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم".

  ولكن للأسف انحرف فهمُ كثير من الناس لحقيقة الصيام فراحوا يجعلونه موسماً للأطعمة والأشربة والحلويات، واستعدوا لذلك قبل شهر رمضان بفترة طويلة خشية فوات بعض الأطعمة؛ أو خشية غلاء سعرها، وتراهم يجدّدون الأفرشة وأواني المطبخ، ويعيدون طلاء بيوتهم. وقد جهلوا - بحق – حقيقة الصيام في شهر رمضان، وسلخوا العبادة والتقوى عنه. ثم ها هي القنوات الفضائية تتبارى وتتسابق ـ إلا من رحم الله ـ في تزيين المنكرات وتجميل الباطل مستعينة بشياطينها الأنسية لتجدّد المنافسة ببث بعض المسلسلات والأفلام لستجتذب بعض الناس فتؤخرهم عن صلاة الجماعة وعن صلاة التراويح، فتحوّل المنافسة في شهر القرآن من منافسة في العبادة إلى منافسة في اللهو والتسلية.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. 

  أيها المسلمون: ولا نعدو الحقيقة إن قلنا: إنّ هؤلاء وأولئك جانبوا الرشاد وحادوا عن الصواب إنهم يجرّدون أيام رمضان ولياليه الثمينة من روحانيته، ويحولونه ميدانا يتسابقون فيه إلى إشباع شهواتهم الجسدية والنفسية مبالغين ومسرفين. يذكر أنه: باع قوم من السلف جارية، فلما اقترب شهر رمضان رأتهم يتأهّبون له ويستعدّون بالأطعمة وغيرها. فسألتهم عن سبب ذلك؟ فقالوا: نتهيّأ لصيام رمضان. فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردّوني عليهم.

   ألا إنما الإستعداد للصيام ـ يا عباد الله ـ يكون بتنقية البطن من الحرام وتطهير القلب من الآثام. فالصيام مخالفة للشهوات وليس مسابقة وتفرغا واستعدادا للملهيات والمشتهيات.. إن الصيام عبادة لا شهوة، وإن الجنة حفّت بالمكاره، وإن النار حفت بالشهوات. الصيام عبادة لا عادة، فلنكن رشداء فلا تذهب أتعابنا سدى، ولتكن استقامتنا في هذا الشهر كفارة لما قبله وتدريبا لما بعده.

فاحرصوا ـ رحمكم الله ـ على تهيئة الأجواء الإيمانية، واقتنصوا فرص الخير في شهر الخير، فالشقي من حُرم الخير في شهر الخير. واستقبلوا هذا الشهر بالفرح والسرور والإستبشار، واطرقوا أبواب الجنان بالتوبة والاستغفار والإنابة إلى الله واللجوء إليه.. أطرقوا أبواب الجنان بالتضرع والوقوف على أعتاب بابه مرددين: "لن نبرح بابك حتى تغفر لنا". أطرقوا أبواب الجنان بالصيام والقيام والصلاة بالليل والناس نيام.. أطرقوا أبواب الجنان بالطاعات والقربات وبالإلحاح في الدعاء، فإن أبا الدرداء كان يقول: "جِدّوا بالدعاء، فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له".

  فاللهم بارك لنا فيما بقي من شعبان، وسلمنا إلى رمضان وسلم لنا رمضان وتسلمه منا متقبلاً، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

   أما بعد، عباد الله: فشهر رمضان أقبلت نسماته وهلت خيراته، تستعدّ فيه الجنة لاستقبال الصائمين من باب الريان، فعن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن في الجنة لبابا يدعى الريان يدعى له الصائمون، فمن كان من الصائمين دخله، ومن دخله لم يظمأ أبدا".

   فاستعدوا له ـ أيها المسلمون ـ استعداد الذي أُعطِي الفرصة ليفوز برحمة الله وجنانه، ويحظى بعفوه وغفرانه، ويعتق نفسه من النيران.

  هذا، واعلموا أن رمضان إنما جاء ليرهف الإحساس ويسمو بالمشاعر ويرقى بالوجدان، ومن الأمور الفاضلة المعينة على ذلك والتي يغفل عنها كثير من الناس في آخر شهر شعبان: الصدقة على الفقراء وإعانتهم ليتقوّوا بذلك على مصاريف شهر رمضان، فكم من أناس - الله أعلم بحاجتهم وفقرهم ـ "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف..". فاكسبوا الرهان في هذا الميدان، فإذا كان رمضان يرهق جيب الغني الكاسب، فكيف حال الكاسد المعدوم، وذلك واقع مشهود.. ولقد وردت أخبار كثيرة أن السلف رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يخرجون زكاة أموالهم في شهر شعبان، يتعجّلون بإخراجها قبل رمضان كفاية للفقير والمسكين والمحتاج قبل رمضان حتى تعينهم الزكاة على الإستعداد لرمضان فلا ينشغلوا بفقرهم وحاجتهم في الشهر الكريم، وبهذا فهُمْ قد اغتنموا وقتهم ووقت الفقير. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان المسلمون إذا دخل شعبان أكبُّوا على المصاحف فقرءوها، وأخرجوا زكاة أموالهم تقويةً لضعيفهم على الصوم".

  هذا.. والمؤمن يتجاوب مع نداءات الفقراء والضعفاء، متجاوزًا بمشاعره كل الفواصل، متسلقًا بمبادئه كل الحواجز، يتألم لألمهم ويحزن لأحزانهم، مبتدئًا بالموالاة والمواساة من بيته وموطنه ولإخوانه من بني جلدته صَحْبه وأقاربه، يستقبل رمضان بنفسٍ معطاءة ويد ٍبالخير فياضة، ويبسط يده بالصدقة والإنفاق..

  فيا ذوي الهمم العالية: لا تغفلوا عن نفحات وبركات شهر شعبان، تلمّسوا ذوي الحاجات وأعينوهم، انتهزوا هذه الفرصة، وقوموا بما يجب عليكم القيام به. وتسابقوا إلى الخيرات والطاعات، واجعلوا من رمضان شفاء لنفوسكم، ومظهرا لوحدتكم، وتجديدا لصلتكم بدينكم..

 أسأل الله أن يبارك لي ولكم في شعبان، وأن يبلغنا شهر رمضان ويتسلمه منا متقبلا.. اللهم ارزقنا عمرا مديدا، وقولا سديدا، وعملا صالحا كثيرا، اللهم أجزل لنا العطية، وأصلح لنا النية، وأحينا فيه الحياة المرضية، وأعنا على أنفسنا حتى نستقيم على طاعتك.. اللهم واشمل بعفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن كان له فضل علينا. اللهم وأدم على الجزائر الأمن والأمان وعلى سائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. آمين..

07 فبراير 2021

 الموضوع: التلقيح ضد كورونا فرار من قدر الله بقدر من الله إلى قدر الله..
الخطبة الأولى
 
    الحمد لله، آوى مَنْ إلى لطفه أوَى، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، داوى بإنعامه مَنْ يئس من أسقامه الطب والدوا، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، مَنِ اتَّبَعَه كان على الهدى، ومَنْ عصاه ضلَّ وفي خزيِ الغوايةِ هوى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاةً تبقى وسلامًا يتوالى.
   أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق تقواه؛ فبالتقوى تجلب الخيرات وتستدفع المكروهات وينال الإنسان بذلك سعادة الدارين، قال تعالى: "وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون". واعلموا أن الله -تعالى- بمنه وكرمه وإحسانه وحكمته جعل لكل مرض يصيب المؤمن دواء، وقد أخبر بذلك الصادق المصدوق 
 فيما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : "مَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ". وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله : "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أَُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ".

   أيها المسلمون: من هذين الحديثين يتبين لنا أمران: أولهما: أن الله سبحانه وتعالى هو المقدّر لكل شيء وإليه يرجع كل شيء وهو المتصرف في عباده وقادر على أن يختبرهم فينزّل بهم الداء والمرض وذلك بقدرته عزّ وجلّوالأمر الثاني: أن هذا الداء الذي نزل والمرض الذي حلّ بالإنسان، له دواؤه، وله علاجه، والله هو الشافي.
قال ابن القيم رحمه الله: "وفي قوله : "لكل داء دواء" تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء وبَرَدَ من حَرارة اليأس وانفتح له باب الرجاء، وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه"
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن في هذا الحديث ملمحين:
الملمح الأول: تقوية لنفس المريض، حيث يطمئن ولا ييأس لأنه يعلم أن لدائه دواء، وبهذا تطييبُ نفسه ويزول عنه الحزن عنه، فكم صحيحٍ مات من غير مرَض، وكم من مريضٍ عافاه الله وعاش دهرًا بعد مرَضِه!
الملمح الثاني: تقوية لنفس الطبيب، وحثٌّ على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فهذا المرض الذي أعياكم له دواء ابحثوا عنه.. فجميع الأﺩﻭﺍﺀ ﻟﻬﺎ ﺃﺩﻭﻳﺔ، فينبغي ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺴﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺗﻌﻠﻤﻬﺎ، ﻭﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺑﻬﺎ ﻭﺗﻨﻔﻴﺬﻫﺎ. قال الشيخ السعدي في بهجة قلوب الأبرار، عند شرح حديث أبي هريرة السابق: "عموم هذا الحديث يقتضي: أن جميع الأمراض الباطنة والظاهرة لها أدوية تقاومها، تدفع ما لم ينزل، وترفع ما نزل بالكلية أو تخففه. وفي هذا: الترغيب في تعلم طب الأبدان"...ا.هـ
   ولا يظن ظانّ أن الأخذ بالأسباب واستعمال الدواء واللقاح للتخلص من الأمراض ردّ لقضاء الله وقدره، بل إن ذلك كله من قضاء الله وقدره، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أرأيتَ رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «هي من قدر الله» رواه أحمد والترمذي. فالحمد لله الذي لكل داء دواء، ولكل أزمة مخرج، وبمعرفة الأسباب يمكن استنتاج الحلول لمواجهة ما يعترض الأفراد والمجتمعات من أزمات، والتعامل معها بكل جدية وحذر، والخروج الآمن من آثارها، وهذه الحلول لا تخص أزمة دون أخرى، بل هي شاملة لكل أنواع الابتلاءات..
    هذا.. وإن من البشارات السارة والنعم المتجددة ما يسره الله من اكتشاف اللقاحات النافعة لمرض كورونا المستجد، وقد خضعت هذه اللقاحات التي وافقت منظمة الصحة العالمية على استخدامها لاختبارات وتجارب سريرية صارمة للتأكد من أنها آمنة وفعالة، وهناك العديد من اللقاحات المرشحة الواعدة في طور الإعداد، وبعضها قيد المراجعة للموافقة عليها، والله يُري عباده في الابتلاء قوته وقدرته، كما يريهم في الدواء والشفاء لطفه ورحمته.
    عباد الله: والمسلم الذي يعرف عقيدته يعلم بأنه يجب عليه الأخذ من الأسباب الشرعية ما يواجه به القدر من القدر، وهكذا قال عمر رضي الله عنه: "نفر من قدر الله إلى قدر الله، وندفع قدر الله بقدر الله"، فكورونا قدر من الله والتلقيح قدر من الله، وهكذا نفر بقدر الله من قدر الله إلى قدر الله في قدر الله، ونحن تحت سلطانه ومشيئته وإرادته سبحانه وتعالى.. قال الفقهاء: "إن استعمال الدواء المقطوع بفائدته بإخبار الأطباء لعلاج مرض يقعد المريض عن القيام بواجباته تجاه الله وتجاه الناس، أو مرض يودي بحياته أو بعضوٍ من أعضائه، واجب ديني يرقى إلى مستوى الفرض".
    ولكن على الرغم من هذه الأجواء المتفائلة التي يعيشها العالم للخروج من هذه الجائحة، إلا أن الخبراء لا زالوا يشدّدون على أهمية مواصلة تطبيق إجراءات الحماية مثل التباعد الاجتماعي وغسل الأيدي ووضع الكمامة لوقف انتقال العدوى وجعل ذلك جزء من نمط حياة جديد على المجتمع أن يتبناه كممارسة صحية للوقاية والنجاة في زمن كثرت فيه الأمراض وعزت فيه وسائل العلاج. فالأصل في الوقاية أنها مرحلة استباقية تحفظية لمنع وصول الداء إلى الجسد في الابتداء، فهي خط الدفاع الأول ضد المرض، فإذا وصل الداء للجسد كان العلاج هو خط الدفاع الثاني، ولذلك كانت الوقاية مقدمة على العلاج، لأنها آمن منه خطرا، وأيسر تبعة، وأقل تكلفة، فتحفظ بذلك على الإنسان جهده وصحته وماله، وتحفظ على المجتمع ما يمكن أن يتحمله من تبعات المرض وآثار تطبيبه وتكاليف علاجه.
  نسأل الله العافية لنا ولكم والشفاء لجميع المرضى، ونسأله خير هذا للقاح وخير ما صنع له، ونعوذ به من شره، وشر ما صنع له، وأن يقوي عزائم الجهات الوصية على عمل الخير وخير العمل.. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
 
الخطبة الثانية
   الحمد لله الذي متعنا بنعمة العافية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله ربه بخيري الدنيا والآخرة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
   أما بعد، عباد الله: اعلموا أن واهب الحياة ومقدّر الموت، هو ربنا وهو الذي وهب لنا الصحة وابتلانا بالمرض ليختبرنا لأجل مسمى، ولا ينبغي أن يصيبنا الهلع بسبب الإصابة بالمرض والتسليم، فهذه سنة الحياة في دار الرحيل والفناء..
و: من لم يمت بـ"كورونا" مات بغيره * تعددت الأسباب والموت واحد
    فاتقوا الله تعالى في السراء والضراء، وتعرفوا إليه في الرخاء يعرفكم في الشدة، واعلموا أنكم فقراء إليه دائماً وأبداً لا تستغنون عنه طرفة عين، فالقوي منكم لا يغتر بقوته، والضعيف منكم لا ييأس من رحمته كما قال الخليل عليه السلام: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء:80] وكما قال أيوب عليه السلام: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء:83] فعلقوا آمالكم به وتوكلوا عليه فهو نعم الوكيل.
 أسأل الله العظيم أن يمن علينا وعليك بالعافية، وأن يمنحنا جميعاً صحة الأبدان وسلامتها من الأمراض الباطنة والظاهرة، وأن يجعلنا جميعاً ممن إذا أُنعِم عليهم شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا. كما أسأله جل في علاه أن يُعافي كل مُبتلى، وأن يشفي كل مريض، وأن يرحم كل ميت من أموات المسلمين، إنه وليُ ذلك والقادر عليه، وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً.

08 يناير 2021

   الموضوع الأنانية والإيمان ضدان لا يجتمعان

الخطبة الأولى

   الحمد لله ألّف بين قلوب المؤمنين فأصبحوا بنعمته إخواناً، ونزع الغلَّ من صدورهم فكانوا في الدنيا أصحاباً وفي الآخرة خلاناً، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغنا لديه زلفى ورضواناً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله تصديقاً به وإيماناً، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه على دينه قولاً وعملاً وعدلاً وإحساناً..

   أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واذكروا نعمته عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا؛ فحافظوا على هذه الأخوة بالتسامح والتعاطف ومحبة الخير للجميع، وامتثلوا وصية نبيكم : "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسَّهر". واعلمواـ رحمكم الله ـ أن التوادّ والتّراحم لا يتحقَّقان إذا كان كلّ فرد يفكّر في مصلحته فقط دون مصلحة الآخرين، وفي راحته فقط دون راحة غيره.. فقيمة المجتمع في أخلاقه، ولن ينجح مجتمعٌ لا يعرف أفراده إلا كلمة (أنا)، ولا يكمل إيمان فرد لا يرى الخير إلا لنفسه فقط، قال : "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه". فبيّن  أن من أهمّ عوامل رسوخ الإيمان في القلب أن يحب الإنسان للآخرين حصول الخير الذي يحبه لنفسه من حلول النعم، وزوال النقم، وبذلك يكمل الأيمان في القلب.

    وحينما نقلب سير سلفنا وصالحي أمتنا نرى في أخبارهم عجبًا، وفي سيرهم تربية وعبرًا في هذا الشأن، روى الإمام الغزالي رحمه الله، عن محمد بن المنكدر وكان تاجر أقمشة: أنه كانت له قطع بعضها بخمسة دراهم وبعضها بعشرة، فباع غلامه وهو غائب عن الدكان قطعة بعشرة، وهي من ذات الخمسة، فلما عاد ابن المنكدر وعرف ذلك، لم يزل يبحث عن المشتري طوال النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد باع لك ما يساوي خمسة بعشرة، فقال المشتري: يا هذا قد رضيت، فقال ابن المنكدر وإن رضيت، فإننا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا؟، فرد عليه ابن المنكدر خمسة دراهم.

   وحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي رحمـه الله قال: "حدثني بعض الثقات المعمّرين الذين أدركوا عهد الأشراف في الحجاز، أن تجار مكة كانوا في ذلك العهد على جانب عظيم من المواساة لزملائهم، والنظر في مصالحهم، والإخلاص والإيثار لهم، قال: كان بعض التجار إذا أتاه زبون في آخر النهار، وقد باع ما يكفيه لقوت يومه، وما حدّده من الربح والوارد، ولم يكن زميله الجار سعيد الحظ في ذلك اليوم، قال له في لطف وهدوء: دونك هذا الدكان الذي هو بجواري تجد عنده ما تجد عندي، وقد لاحظت قلة الزبائن عنده هذا اليوم، فهو أحق أن تشتري منه"!.   

  وللأسف.. ولو نظرنا حولنا لوجدنا أن الأنانيَّة أصبحت صفةً لا تستدعي الخجل، بل بتنا نسمع في مجتمعنا من يقولون: "الله يجيب الغفلة بين المشتري والبائع"، وممّن يعتبرون الأنانيّة "شطارة"، وأنَّ الحياة هي لمن يحبّ ذاته ويقدِّمها ويُفضّلها على أيّ شيء آخر. فالأنانيّ هو "الشّاطر" الّذي يعرف كيف يعيش، كيف يقتنص الفرص لحسابه الشَّخصيّ، كيف يربح أكثر ولو بمنافسةٍ غير شريفة.. وليست صورة الأنانية وحب المصلحة مقتصرة اليوم على التاجر، فهناك نماذج كثيرة تلقى بظلالها الكئيبة على مجتمعنا حين يفقد بوصلة الإيمان،  فتجد بعضهم يلغي الطابور ويقفز إلى الأمام في مكتب البريد أو عند الطبيب أو غير ذلك، وكأن الآخرين لا وجود لهم إلا كعقبة أمام تحقيق أهدافنا الخاصة. ويكاد لا يلتقي جزائريان إلاّ ويشتكيان من ظواهر سلبية عدّة يعاني منها مجتمعنا، فهذان يشتكيان من عدم احترام شروط النّظافة وآدابها وأحكامها. وهذان يشتكيان من تهوّر السائقين وكثرة حوادث السير. وهذان يشتكيان من سوء العشرة بين الجيران وعدم تعاونهم على ما فيه صالحهم. وهذان يشتكيان من الحرفيين مهما كانت صنعتهم وعدم إتقانهم وعدم التزامهم بالمواعيد.

أليس هذا هو واقعنا؟ولكن للأسف نرمي المسؤولية على الآخر، الذي ليس هو إلاّ نحن!.

أيها المسلمون: كم نحتاج إلى الحديث النبوي: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" في حياتنا اليومية، مع أنه يكاد لا يخفى على أحد؟، ولكن ليسأل كل منا نفسه إلى أي مدىً طبقت هذا الحديث؟.

 وكم من موقف مر عليك حكمت فيه تلك المعاني الجميلة؟.

لقد قص النبي على أصحابه قصة رجلين مؤمنين، ضربهما مثلاً لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من العفاف والزهد والإيثار قال: "اشترى رجل من رجل عقاراً له، فوجد الرجل الذي اشتري العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال للذي اشترى العقار منه: خذ ذهبك عني، إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب.

فقال الآخر: إنما بعتك الأرض وما فيها!

قال : فتحاكما إلى رجل.. فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد؟

فقال أحدهما: لي غلام.

وقال الآخر: لي جارية.

فقال الحكم : أنكحوا الغلام الجارية: وأنفقوا على أنفسكم منه وتصدقا" (القصة رواها مسلم في صحيحه).

وهكذا يرى الناس لوناً ممتازاً من النفوس: رجلان وأمامهما جرة فيها ذهب لا يتقاتلان عليها. ولكن يتدافعانها، يقول كل منهما لصاحبه: هي لك.. على حين نرى الإنسان دائماً يقول: هذا لي!.

 ألا فليتذكر الجميع بأن خزائن الله ملأى وتسع الجميع والقمة تسع الجميع، فلا يعني أن ثمة أمرٍ جاء إليك ودفعت جزءً منه إلى الآخر أو دللت الآخر عليه أن الأمر انتهى، أنت تتعامل مع الكريم الذي خزائنه ملء السماوات والأرض لا تنقصها نفقه فكلما قدمت قدّم الله لك.   

    أسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم من أصحاب النفوس التي تحب الخير للغير، وأن يصلح لنا نياتنا وذرياتنا، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وأستغفر الله العظيم.

الخطبة الثانية

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو يتولى الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،   صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين

   أما بعد، روى الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في معرض ترجمته للسري السقطي رحمه الله فقال: قال أبو بكر الحربي: سمعت السري يقول: حَمِدْتُ اللهَ مَرَّةً، فَأَنَا أَسْتَغْفِرُ مِنْ ذَلِكَ الحَمْدِ مُنْذُ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً. قِيْلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: كَانَ لِي دُكَّانٌ فِيْهِ مَتَاعٌ، فَاحْتَرَقَ السُّوْقُ، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: أَبْشِرْ، دُكَّانُكَ سَلِمَتْ. فَقُلْتُ: الحَمْدُ للهِ، ثُمَّ فَكَّرْتُ، فَرَأَيْتُهَا خَطِيئَةً. اهـ وقال: فمذ قلتها وأنا نادم حيث أردت لنفسي خيرا دون المسلمين.

   هذا من دقائق مكارم الأخلاق لمن تأمل القصة جيداً..  فالسّرّي رحمه الله قد شعر بأنه قد تلبس بأَثَرَة وأنانية، دون شعور بعطف ورحمة تجاه إخوانه المصابين، وهذا ما أشعره بالخطيئة إذ حمد الله على سلامة دكانه ولم يواس الناس فيما هم فيه، والنبي  قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

فلنتفقد أنفسنا ولنحكم بعد ذلك على إيماننا. فالأنانية والإيمان ضدان لا يجتمعان؟.

     ألا فكونوا على الجادة الكريمة التي إنما تسلكها الأنفس الشريفة التي تخلقت بأخلاق الصالحين، جاء في صحيح مسلم عن النبي  أنه قال: "من أحب أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يُؤتى إليه". وهذا أصلٌ عظيم ينبغي أن نستحضره في كل تعاملاتنا، وأن نتواصى به، وأن نُعلِّمه أهلينا وأولادنا وأصدقائنا..

 اللهم أعنا على أداء حقك، والإحسان إلى خلقك، واصرف عنا السوء والفحشاء، واجعلنا من عبادك المخلصين، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعاصيان، واجعلنا من الراشدين..