22 يناير 2012


الموضوع: التماس رضا الله
الخطبة الأولى
    الحمد لله العليّ القدير، أحمده سبحانه وهو اللطيف الخبير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد، فيا عباد الله: موعظة بليغة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، جديرة بأن تنقش على صفحات القلوب، وأن يتعرّف إلى ما تهدف إليه كل مخلص لدينه، مهتد بهدايته.
   كتب معاوية رضي الله عنه إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن اكتبي إلي كتابا توصيني فيه ولا تكثري عليّ. فكتبت رضي الله عنها:
"إلى معاوية سلام عليك، أما بعد: فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من  التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكّله إلى الناس، والسلام عليك".  رواه الترمذي في سننه.
    أيّها المسلمون: ليس من شكّ أن كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وكل عاقل حصيف، لا يفضّل رضا أحد من الناس، مهما ارتفع قدره، وعلا شأنه على رضا الرب المعبود، من بيده مقاليد الأمور.
   إنه لا يليق بالمؤمن أن يعيش في الدنيا، تتوزّعه هموم كثيرة، وتتنازعه غايات شتّى. هاته تميل به إلى اليمين، وتلك تجذبه إلى الشمال، فغير المؤمن في صراع دائم داخل نفسه، وهو  في حيرة بين إرضاء غرائزه، وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه. ومرة أخرى أيّ الأصناف يرضيهم ويسارع في هواهم في المجتمع الذي يعيش فيه؟ وهيهات.. هيهات، فإن رضا الناس غاية لا تدرك.
إذا رضيَت عنّي كرام عشيرتي     فلا زال غضبانا عليّ لئامها
   ولعلكم ـ أيها المسلمون ـ تذكرون تلك الحكاية الشهيرة. حكاية الشيخ وولده والحمار. ركب الشيخ ومشى ولده وراءه، فتعرض الشيخ للوم النساء، وركب الولد ومشى الشيخ، فتعرض الولد للوم الرجال، وركبا معا فتعرّضا للوم دعاة الرفق بالحيوان، ومشيا معا و الحمار أمامهما فتعرضا لنكت أولاد البلد. فاقترح الولد أن يحملا الحمار ليستريحا من لوم اللائمين. فقال له الأب: لو فعلنا ذلك لأتعبنا أنفسنا ولرمانا الناس بالجنون، حيث جعلنا المركوب راكبا، يا بني: لا سبيل إلى إرضاء الناس.  
ومن في الناس يرضي كل نفس   وبين هوى النفوس مدًى بعيد؟
لكن، أيها المسلمون: إنّ المسلم قد استراح من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة، عليها يحرص، وإليها يسعى، وهي رضوان الله تعالى، لا يبالي معه برضا الناس أو سخطهم، شعاره:
 فليتك تحلو والحياة مريـــــــــرة    وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر   وبيني وبين العالمـــــــين خــراب
                               إذا صحّ منك الود فالكل هيّن    وكل الذي فـوق التراب تراب
ولنسمع ـ جميعا ـ هذه القصة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد، لنرى ما يصنعه الإيمان بالقلوب المؤمنة.
    قدم وفد تَجيب وهم من السَّكُّون باليمن، ثلاثة عشر رجلا مسلما. فسُرّ بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأكرم منزلتهم، وأمر بلالا أن يكرم ضيافتهم، وجعلوا يسألون النبي ويتعلمون منه. وأقاموا أياما ولم يطيلوا المكث، رغبة في رجوعهم إلى قومهم ليعلّموهم مما علّمهم رسول الله. ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يودّعونه. فأرسل إليهم بلالا، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود. ثم قال: "هل بقي منكم أحد؟، فقالوا: نعم. غلام خلّفناه على رحلنا، هو أحدثنا سنّا. قال: "أرسلوه إلينا"، فلما رجعوا إلى رحالهم. قالوا للغلام: "انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض حاجتك منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودّعناه". فأقبل الغلام حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله إنّي امرؤٌ من بني أبذَى،- يقول من الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم- فاقض حاجتي يا رسول الله. فقال: "وما حاجتك؟". قال: إنّ حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا قد قدموا راغبين في الإسلام، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإنّي والله ما أقدمني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل غناي في قلبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل الغلام: "اللهم اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه". ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم.
ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى سنة عشر من الهجرة، فقالوا: نحن بني أبذَى، فقال رسـول الله صلـى الله عليه وسلم: "ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟". قالوا يا رسول الله: ما رأينا مثله قطّ، وما حُدّثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر حولها ولا التفت إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله إني لأرجوا أن يموت جميعا". فقال رجل منهم: أوليس الرجل يموت جميعا يا رسول الله؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "تتشعّب أهواءه وهمومه في أودية الدنيا، فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية، فلا يبالي الله عز وجل في أيّها هلك". قالوا: فعاش الغلام فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا، وأقنعه بما رزقه الله!.
 فلما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم، ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه فذكّرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم أحد، وجعل أبو بكر الصديق يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به، فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا .
     أيها الناس: إن أمثال هذه النفوس الربانية لا تستميلها رياح المطامع والرغائب، ولا تعصف بها عواصف الخطوب والنوائب، إنهم أناس رضوا عن الله ورضي عنهم. أخلصوا له، فأجزل لهم العطاء، فعاشوا في الدنيا يمتلكون كل السعادة والهناء.
 فاللهم إنا نسألك أن تجعلنا منهم. أقول قولي هذا ...
الخطبة الثانية
         الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. صلى الله عليه وسلم.
أما بعد، فيا عباد الله: لقد استمعتم إلى قصّة هذا الشابّ الذي عمر الإيمان قلبه، فلم يجعل همّه ما يشغل كثيرا من الناس من زهرة الدنيا، بل تعلقت همّـته بما عند الله، ممّا هو خير وأبقى، حين طلب حاجته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت حاجته غير حاجة رفاقه، بل غير حوائج  أكثر الناس، كانت حاجة دينه قبل دنياه، حاجة روحه قبل جسده، حاجته من الرسول أن يسأل الله له المغفرة والرحمة، وأن يجعل غناه في قلبه، حاجته -ولا ريب- قرّت بها عينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وقد ودّعه وعاد إلى أهله ووطنه. ولكن الرسول الخبير بنفوس الرجال لم ينس هذا الشاب على بعد المكان ومرور الزمان. وفي موسم الحجّ سأل عنه قومه سؤال المربي العارف عن التلميذ النجيب، وأجابوه بما سرّ قلبه وحمد الله عليه وقال كلمته الناصعة الفريدة: "إني لأرجو أن يموت جميعا".
   عباد الله: الناس يموتون على ما عاشوا عليه، فمن عاش جميعا، مات جميعا، ومن عاش أوزاعا شتى وأجزاء متناثرة مات كما عاش ، وقليل من الناس بل أقلّ من القليل ذلك الذي يعيش لغاية واحدة، ويجمع همومه في همّ واحد يحيا له ويموت عليه، ذلك هو المؤمن البصير، الذي جعل غايته  الفرار إلى الله، وسبيله اتباع ما رسم الله، وكل شيء فيه لله وبالله، نشيده: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".
     روى الطبراني عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت الدنيا هِمّته وسَدمه، ولها شَخص، وإياها ينوي جعل الله الفقر بين عينيه وشتّت عليه ضيعته، ولم يأته منها إلا ما كتب له منها، ومن كانت الآخرة همّته وسدمه ولها شخص، وإياها ينوي، جعل الله عز وجل الغنى في قلبه، وجمع عليه ضيعته، وأتته الدنيا وهي صاغرة ".
     أيها المسلمون: في هذا البيان الشافي ما يحفّز أرباب اليقين في الله، أن يحرصوا كل الحرص على بلوغ رضاه والتعلق به دون سواه، فهو المعطي النافع الضّار، وهو على كل شيء قدير.
    فاللهم إن نسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، واجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك يا خير الشاكرين. ربنا اغفر لنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين. 

18 يناير 2012


الموضوع: حوادث المرور
الخطبة الأولى
      الحمد لله ربّ العالمين، أمرنا بالتمسك بهذا الدّين لنكون من المفلحين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصا له الدّين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
     أما بعد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". متفق عليه
      أيها المسلمون: في هذا الحديث الشريف بيّن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنّ الإيمان: عقيدة وعمل، ونظام وأدب، وخلق واستقامة، وهو درجات متعددة، وخلال متشعّبة، ومنازل متفاوتة، عُليا ودُنيا.
 فأفضلها وأعلاها: النطق بكلمة التوحيد، لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كتعبير عن التوحيد الذي لا يتمّ الإيمان إلاّ به، حيث أن هذا القول تتفرّع عنه أركان الإيمان بالرسل والكتب الإلهية والملائكة واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه.
 وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهذا كعمل سلوكي يعبر عن باقي الأعمال والعبادات. سواء أكانت عبادة خالصة كالصلاة والزكاة وما نحوهما، أو أعمال صالحة حث الشرع عليها لتحقيق المصالح التي لابد للناس منها، كالزواج والبيع وما إليهما. فالإيمان إذا استُعمل مطلقا فمعناه جميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة.
    ولقد اختار الرسول صلى الله عليه وسلّم هذا الوصف ـ إماطة الأذى عن الطريق ـ لشدّة أثره في حياة الناس، ولقد كان إعجازا إلهيا أن ينصّ النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الخصلة بذاتها باعتبارها جزءا أساسيا من الإيمان .
   أيها المسلمون: إن آداب الطريق وأخلاق السير مشكلة كبرى للإنسانية، اهتمت بها التشريعات السماوية والتشريعات الوضعية، لأنّ صلة الناس بالطرقات ضرورة، وارتباط الناس بأخلاق السير واجبة. فعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس في الطرقات"، فقالوا: يا رسول الله مالنا من مجالسنا بدّ، نتحدث فيها!. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال: "غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر". متفق عليه.
     أيها المسلمون: لقد حاور النبي صلى الله عليه وسلّم أصحابه فيما يتعلق بالطرقات، ورسم لها حقوقا، إنها حقوق اجتماعية واجبة على كلّ جالس ومتحرّك من أبناء المجتمع، فإماطة الأذى من شعب الإيمان.
     ماذا يعني الأذى؟. إنّ الأذى في اللغة يعني الضرر الحسّي والضرر المعنوي، ويا ليتنا لا نجد للأذى مكانا إلاّ في كلمات اللغة!. ولكن ما أكثر مظاهر هذا الأذى في البيوت والمستشفيات. ليس غريبا ولا عجيبا أن يُطلق بعض الإعلاميّين والمتابعين لحوادث السيارات لهذا الأذى، بإرهاب الطرقات.!
هذه الحوادث المرورية أرّقت الجفون وأراقت العيون! وما لها ألاّ تفعل؟ 
 لقد كشفت مصالح الدرك الوطني، أن حصيلة عام (2009م) خلّفت أزيد من (24715)حادث، و(3829) قتيل، و(43782) جريح. وبهذا فالجزائر تحتل المرتبة الخامسة عالميا.
حقا إنها لمأساة مروّعة، وصور مزعجة، وظاهرة تستوجب الإهتمام!.
     أيها المسلمون: ليت الناس وخاصة مستعملي الطرق ـ راكبين ومشاة ـ ينفذون هذا التوجيه النبوي ويميطون الأذى عن الطريق.
     نعم ـ يا عباد الله ـ كثرت حوادث المرور في عصرنا كثرة فاحشة، وأصبح الأذى سمة بارزة وظاهرة محيّرة. وذلك لأن بعض سائقي السيارات متهورين، لا يراعون حرمة النفوس، ولا يبالون بقانون المرور، يسيرون بسرعة جنونية داخل العمران وخارجه، في الطريق المستقيم أو شديدالمنعرجات، غير مبالين بالإشارات المنبّهة والمحذّرة، ربما يجاوز أحدهم وهو لم يضمن السلامة، أو ربما ركب سيارته وهو لم يضبط أو يفحص أجهزتها.
وبالطبع تكون العاقبة حوادث مؤلمة، ينتج عنها خسائر في المال والأرواح، وحسرة وندم في قلوب مسبّبيها، وقديما كانت العرب تكنّي العجلة بأمّ الندامة.
     ألا تعلم أيها السائق لو أن شخصا أراد أن يسير بسرعة مائة كلم في الساعة، فسار بسرعة ثمانين. كم تأخر ؟.
 إنه لم يتأخر سوى اثنتي عشرة دقيقة في سير ساعة كاملة. ما أيسر هذا التأخر الذي به وقاية النفس والمال من الخطر، إن السرعة لا تقرّب المسافات بل تبعدها !.
      أيها المسلمون: أعود فأقول إنّ حوادث السيارات كثرت، ونتائجها أرعبت، لأنها لم تستعمل على الوجه الصحيح، بل بطرق عشوائية، ولم يلتزم سائقوها بقواعد السير وأنظمته. وفي ضوء هذه الظواهر المؤلمة أصبحت هذه الوسيلة مصدر خطر على الأفراد والجماعات. ألا يعلم هؤلاء أنّ من أفرط في السرعة أو لم يحترم إشارات المرور وتسبّب في حادث فهو مُدان؟ . نقل الشيخ أحمد حماني رحمه الله في فتاويه عن القاضي أبي الوليد بن رشد أنه: "إذا أصابت الدابة أحدا وعليها راكب أو لها قائد أو سائق، فإن الراكب لها أو السائق أو القائد هو المصيب.  ولكن خطأ ".  ثم قال رحمه الله: "والسيارة في حكم الدابة". اهـ. (ج2:ص:305).
و جاء في فتوى لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف: "إن السّرعة المفرطة مع وجود مانع قانوني إن نجم عن ذلك حادث قتل، فإن المتسبّب فيه مُدان، ويستحق أن تطبق عليه العقوبات المنصوص عليها في القانون كما تترتب عليه الدية والكفّارة". (رسالة المسجد العدد4لعام 2003).
       أيها المسلمون: إن الكفّارة والدّية عقوبتان تجبان على كلّ من تسبّب في قتل مسلم. أما الكفارة فهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد كما هو الواقع، فصيام شهرين متتابعين، إن أفطر من غير عذر شرعي قبل تمامهما ولو بيوم، وجب عليه استئنافهما من جديد، وهذه الكفارة هي حق الله تعالى، لا تسقط ولو عفا أهل القتيل، وهي تتعدد بتعدد الأموات، فإن كان الميت واحدا فشهران، وإن كانوا اثنين فأربعة شهور.
 أما الدية فهي حق لأهل القتيل، ومقدارها ألف دينار ذهبي، وهو ما يعادل: (4كلغ و250غ من الذهب). وقيمتها بالدينار لعامنا هذا(2009م) هو: (11475000.00دج ).
عباد الله: وحيث أن هذا المبلغ باهض فقد جعلت الشريعة الإسلامية دية الخطأ على عاقلة  القاتل وهم أهله، كما يمكن التصالح مع أهل القتيل على مبلغ يتراضيان به عملا بقوله: "ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلّمة إلى أهله إلاّ أن يصدّقوا". النساء:92.
  أيها المسلمون: أعرف أن قدر الله لا يُردّ، ولكن أعرف أن من قدر الله ضبط النفس، وضبط قواعد المرور، وضبط أجهزة السيارة.
    فاتقوا الله في أنفسكم وفي إخوانكم، واشكروا الله على ما أنعم به عليكم في هذا العصر من السيارات التي  تحملكم، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشقّ الأنفس. وكونوا ممن لا تزيده النعم إلا طاعةً لله واستقامةً على أمره، ولا تكونوا ممّن أبطرته النعمة واستعان بها على المعصية، والتزموا في هذه الحياة نهجا يصلح لكم الدين والدنيا معا، ويعصمكم من تفريط الجاهلين ومزالق الخاطئين. واذكروا على الدوام قول رسول الملك العلام: "اتقّ الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
 نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم.
الخطبة الثانية
       الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد، فيا عباد الله: إن تنظيم المرور وإماطة الأذى عن الطريق لا يأتي جزافا ولا يتحقق عفوا. قال تعالى: "إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم". فالمشكلة الكبرى وأساس الأزمة هو العنصر البشري، وقد ظهر هذا في بحث لمجموعة الدرك الوطني لولاية سيدي بلعباس عام (2009م). قال صاحب البحث مشكورا: "عدد ضحايا الطريق يزداد بصفة محسوسة، حيث أضحت حوادث المرور آفة اجتماعية تحصد آلاف الضحايا"،  ويضيف صاحب البحث فيقول: "من خلال التحليل للأسباب الرئيسة لحوادث المرور يتبين أنّ العنصر البشري ـ سائقين وراجلين ـ  يتصدّر الطليعة في وقوع الحوادث وذلك بنسبة: 83% ".
   أيها المسلمون: أعلم وتعلمون أن القوانين تفرض عقوبات رادعة لمخالفي قانون المرور، ولكن ـ أحسب ـ  أنها لا تؤدّي نتائجها، ولا يزول هذا الأذى من طرقاتنا إلا إذا طبقنا إحدى الشُّعَب التي ذُكرت في الحديث النبوي الشريف، فالشعور الداخلي بجمال الخير وقبح الشر، بحيث تنفر النفس من الشيء القبيح، وتسرّ  بالشيء الجميل، إن هذا الأمر لا يحدث إلا بالمعرفة الصحيحة بما جاء به الدين، هذه المعرفة تتحوّل من فكرة إلى شعور، ومن عِلم إلى تذوّق. فيستطيع الإنسان أن يفرق بين الخير والشرّ، والنافع والضارّ، والمباح والممنوع، بحيث يصبح مؤمنا يستفتي قلبه، وإن أفتاه أهل الفتوى، وإن خلا الطريق من رجال شرطة المرور. فالحياء لا يأتي إلا بخير، ولهذا شوّق النبيّ صلى الله عليه وسلّم أصحابه ورغّبهم في أن يتحلّوا بالحياء. فقال: "والحياء شعبة من الإيمان".
   أصدر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قانونا يمنع غشّ اللبن، وذلك بخلطه بالماء، ولكن هل تستطيع عين القانون أن ترى كلّ مخالف، وهل تستطيع يده أن تقبض على كلّ غاشّ. الإيمان هو الذي يعمل عمله في هذا المجال.
ها هي الأمّ تقول لابنتها: "قومي إلى اللبن فامذُقيه"، ( اخلطيه بالماء). ولكن هذه البنت تذكّر أمّها بأن أمير المؤمنين منع هذا. فتقول الأم: "أين نحن من أمير المؤمنين، إنه لا يرانا؟. وتردّ الإبنة بالجواب المفحم: "إن كان أمير المؤمنين لا يرانا، فربّ أمير المؤمنين يرانا"!
هذه هي أخلاق المجتمع المسلم في دفع الأذى، فالأخلاق التي لا يرعاها ضمير مؤمن، فهي على حدّ قول الشاعر: 
كمثل الطّبل يسمع من بعيد   وباطنه من الخيرات خال
فهل نجد سائقا يتوقّف أمام إشارة الوقوف الإجبارية دون مراعاة لرجال شرطة المرور؟.
وهل نجد سائقا يسير بسرعة متّزنة غير خائف من جهاز رصدِ السرعة. (الرادار)؟.
وهل نجد مارّا يعبُر الطريق من الممرّ الخاص بالراجلين امتثالا لضميره وإيمانه؟. 
     أيها المسلمون: إنّ هذا هو الإيمان، فالإيمان ليس مجرّد إدراك ذهني أو تصديق قلبي غير متبوع بأثر عملي في الحياة.. كلا، إنه اعتقادٌ وعملٌ وإخلاصٌ. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
  فاتقوا الله ـ عباد الله ـ: واستمعوا إلى توجيه نبيكم صلى الله عليه وسلم، واعلموا أن الطريق مرفق عامّ، من حقّ كل شخص الإستفادة منه دون أن يتعرَّض لأذىً أو مضايقة من أحد، والمطلوب من المسلم أن يُبعد ويَبتعد عن كل ما يسبّب ضررا للآخرين.
     وفّقني الله وإياكم إلى كل خير، وجنّبني وإياكم كل شرّ. اللهم حبّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بين بيننا واجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفّق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى وخذ بنا صيته إلى البرّ والتقوى. واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصلّ اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الموضوع: أنفلونزا الخنازير
الخطبة الأولى
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". آل عمران: 102. "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسّاءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا". النساء:1. "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما". الأحزاب:70ـ71.اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله.
     أما بعد، فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، اتقوا الله ربكم، وراقبوه في السر والعلن، فبتقوى الله عز ّوجل تَصلُح الأمور، وتتلاشى الشرور، ويَصلُح للناس أمر الدنيا والآخرة.
     أيها المسلمون: روى البخاري في صحيحه ـ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". وروى ابن حبان وغيره من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح معافىً في جسده، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا".
   أيها المسلمون: الصحة من أجلّ نعم الله على عباده، وأجزل عطاياه، وأوفر منحه ـ بل العافية المطلقة من أجلّ النعم على الإطلاق ـ فحقيقٌ بمن رزق حظا من التوفيق مراعاتها وشكرها، والعمل على حفظها ووقايتها، وعدم الإقدام على أيّ سلوك أو تصرّف يؤدي إلى التفريط فيها أو تبديلها أو تغييرها. قال تعالى: "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد". إبراهيم: 7. وقال سبحانه: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم". الأنفال : 53.
    فمن هاتين الآيتين يتبين أن عدم الشكر أو التبديل والتغيير يؤدي إلى زوال تلك النعم، ونعمة الصحة ـ كما أسلفنا ـ من أكبر النعم  التي أنعم الله بها على عباده، والعقوبة بالطبع   هي: المرض .
قال تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون". الروم:41. والمراد بالفساد في الأرض: النقص في الزروع والثمار، والنقص في الأنفس وكثرة الشرور.
  قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسيره التحرير والتنوير: "وفساد البر يكون بفقدان منافعه وحدوث مضاره، مثل حبس الأقوات من الزرع والثمار والكلأ، وفي موتان الحيوان المنتفع به، وفي انتقال الوحوش التي تصاد من جراء قحط الأرض إلى أرضين أخرى، وفي حدوث الجوائح من جراد وحشرات وأمراض".21 /110.  وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تيسير الكريم الرحمن، في تفسير كلام المنان: "أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء، وغير ذلك".ج4 ص90.
       عباد الله: وما هذه الأمراض المعدية القذرة، والأوبئة المستعصية المهلكة، التي نسمعها هنا وهناك، إلا مظهر من مظاهر هذا الفساد. قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر الآية: "ظهر الفساد في البر والبحر..." الروم:41. قال: "ونزِّل هذه الآية على أحوال العالم، وطابق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كل وقت، في الثمار والزرع والحيوان، وكيف يحدث من تلك الآفات، آفات أخر متلازمة، بعضها آخذ برقاب بعض، وكلما أحدث الناس ظلما وفجورا أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخَلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم". زاد المعاد326/4.
     عباد الله: وتتوالى على البشر في هذه الأزمنة المتأخرة، أمراض وأوبئة ـ من حيث لم يكونوا يحتسبون ـ يخشون فتكها، ويحاذرون ضرها. عرف الناس من الأمراض الكوارثية : "السيدا ـ الأيدز"، ثم حمى الوادي المتصدع التي أصابت الأغنام، ثم جنون البقر، ثم أنفلونزا الطيور التي أثبت كثير من الباحثين أن سببها الخنازير التي احتضنت المرض، ثم نقلته الطيور منها. لتظهر في هذه الأيام أنفلونزا الخنازير، أو أنفلونزا المكسيك. أعاذنا الله وإياكم وجميع المسلمين من الأمراض والأوبئة.
     لقد دقّت منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر، وأعلنت حالة الطوارئ، فيروسات دقيقة، وكائنات عجيبة، وحالات تحول وبائي في هذه الفيروسات، حيّر البشر وأقلق الباحثين. هلعٌ ورعبٌ، إغلاقٌ للمدارس، فحصٌ في المطارات. بل إن هذه المنظمة قررت رفع حالة التأهب لمواجهة هذا الوباء إلى الدرجة الخامسة، وهي الدرجة التي تسبق إعلان حالة وباء عالمي.
     لكن ـ على رسلكم ـ إنّ من فضل الله علينا وعلى الناس، أن العالم الإسلامي كانت إصابته بهذا المرض محدودة، لأن الذي قدّر فهدى، قد دل الإنسان على خيري الدنيا والآخرة، وهداه إلى ما فيه مصلحته، وحفظ نفسه وعقله ونسله.
    نعم أيها المسلمون: إن الإسلام ربط الأسباب بمسبباتها، وناط النتائج بمقدماتها، وليس في الوجود شيء أعزّ من الصحة، ولا أدلّ على ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سأله العباس بن عبد المطلب، قال: "قلت يا رسول الله :علمني شيئا أسأل الله عزّ وجل؟،  قال: سل الله العافية، فمكثت أياما ثم جئت ، فقلت يا رسول الله : علمني شيئا أسأله الله عز وجل ؟، فقال يا عباس، يا عمّ رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة". رواه الترمذي وقال حديث صحيح .
    فعلى المفتقر إلى الصحة أن يسعى وراءها بكل ما أوتي من قوة وعلم، وعلى المتمتّع بها أن يحتفظ بها كل الإحتفاظ ، وأن يباعد بنفسه عن الأمراض المعدية، عملا بقوله تعالى : "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".  وشرّ المهلكات أمراضٌ تتفشّى، وعدوى تنتشر.
   وفيروس الأنفلونزا الخنازيرـ كما عرّفته منظمة الصحة العالمية ـ هو مرضٌ تنفسي حادّ، شديد العدوى. وهو ينتقل بين البشر بنفس الطريقة التي ينتقل بها فيروس الأنفلونزا الموسمية، أي عن طريق ملامسة شيء به الفيروسات، ثم لمس الأنف أو الفم، أو من خلال السعال والعطاس. وأعراضه كذلك، وتتمثل في الإرتفاع المفاجئ في درجة حرارة الجسم والسعال والألم في العضلات والإرهاق، ولا يمكن التفريق بينه وبين الأنفلونزا العادية إلا عن طريق إجراء فحص مخبري، لذا ففي حالة ظهور الأعراض يجب الذهاب سريعا لتشخيص ذلك في المستشفيات والمراكز المتخصصة، ويتمّ التشخيص بأخذ عينة من الأنف أو الحلق لتحديد ما إذا كان المريض مصابا بفيروس أنفلونزا الخنازير. وفي هذه الحالة يمنح المستشفى المريض العناية الخاصة، فإن الذي خلق الداء خلق الدواء. قال صلى الله عليه وسلم: "لكل داء دواء فإذا أصيب دواءٌ الداءَ بَرَأ بإذن الله عزّ وجل".  وفي رواية ابن حبان: "فإذا أصبتَ دواءُ الداءِ بَرَأ بإذن الله تعالى".
      هذا واعلموا ـ أيها المسلمون ـ أن هذه الأمراض التي أرسلها الله على عباده إنما هي رحمة بعباده ليرجعوا إليه، وليعرفوا أنه المتصرف بعباده كما يشاء ، فلا اعتراض عليه، له الملك وله الحمد، وله الخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير، وقد أخبرنا سبحانه وتعالى بأنه سيبتلينا، وذلك حتى نهيئ أنفسنا لاستقبال ما قضى به تعالى، ونكون من الراضين بهذا القضاء. قال تعالى: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين  الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون  أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون". البقرة:155ـ157.
     اللهم إنا نسألك العفو والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة، واجعلنا يا ربنا ممن إذا بتلي صبر، وإذا أنعمت عليه شكر، وإذا أذنب استغفر. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وأجارني وإياكم من سخطه وعقابه الأليم وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين أجمعين.

الخطبة الثانية
     الحمد لله، الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر ، نحمده على آلائه، كما نحمده على بلائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه.  فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأتباعه وإخوانه.
        ثم أما بعد، أيها المسلمون: إن الإسلام يعترف بالأسباب المادية المعتادة للأمراض، وفقا لسنن الله الجارية في الخلق، فهو يقرّ العدوى بوصفها سببا من أسباب نقل المرض، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: "فرّ من المجذوم  فرارك من الأسد". بل إن من روائع ما جاء به الإسلام وسبق به فكرة العزل والحجر الصحي في حالة انتشار الأمراض المعدية. فقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه". 
    بهذا يحاصر الإسلام الوباء والمرض في أضيق نطاق، ويحال بينه وبين الإنتشار، فحتى السليم ـ بمقتضى هذا الحديث ـ لا يجوز له الخروج من البلد الموبوء خشية أن يكون حاملا لمكروب المرض وهو لا يدري .
   فالواجب على الجميع محاربة هذه الأمراض والأوبئة المهلكة بكل الوسائل التي يرشدهم إليها الموثوق بهم، من إجراءات الوقاية من هذا المرض، ومن تعاطي المصل واللقاح وأنواع التطعيم للصغار والكبار. فإنه قد جاء في الإسلام تحذيرٌ عامٌ من التورط فيما يعود على الإنسان بالضرر، سواء أكان هذا الضرر خاصا به، أو متعديا إلى غيره. قال تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة". البقرة:195. وقال أيضا: "يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم". النساء:71. وجاء في الحديث: "لا ضرر ولا ضرار". رواه ابن ماجة.
    فالله.. الله ـ أيها المسلمون ـ في صحتكم فلا تهملوها، وفي صحة الناس فاحفظوها، وفي نصائح أهل الذكر والمتخصصين فنفذوها.  فقد جعل الله لكل شيء سببا، ولكل داء دواء، والله على كل شيء قدير . جاء في الحديث: "ما أنزل الله داءً إلا أنزل شفاء". رواه البخاري ومسلم. وروى الترمذي: "يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء".
     واسمعوا إلى هذه المحاورة الممتعة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الصحابي الجليل أبي خزامة، قال: "قلت يا رسول الله، أرأيت رقىً نسترقي بها، ودواءً نتداوى به، وتُقاة ـ وقايةً ـ نتقيها، هل تردّ من قدر الله شيئا؟. قال صلى الله عليه وسلم: "هي من قدر الله". رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم .
    نعم ـ أيها المسلمون ـ إذا كان المرض قدرا من الله للمعرّضين للإصابة والعدوى من جراء المحيط أو طبيعة العمل أو إهمال شروط الوقاية، فالتداوي قدرٌ مثله.
    فتداووا ـ يا عباد الله ـ واستعينوا بالله ولا تعجزوا. قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل : قدّر الله وما شاء فعل". رواه مسلم عن أبي هريرة.
    هذا ما قلت وسمعتم، فصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية، وأفضل البشرية، محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة . اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر أعداء الدين. اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء، وقنا الزلازل والمحن، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن يا سميع الدعاء، اللهم فرّج همّ المهمومين من المسلمين، واقض الدّين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين. ربنا اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولوليّ أمرنا ولسائر المسلمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

الموضوع: الإنتحار مركب إلى النار
الخطبة الأولى
    الحمد لله الذي أمر بالإصلاح، ونهى عن الفساد، وحثّ على رعاية مصالح العباد، ورغّب في عمارة البلاد. أحمده سبحانه، فهو للحمد أهل، وأشكره على واسع المنّة والفضل. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أمر بشكر المحسنين، والتعاون عل ما فيه الخير للناس أجمعين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
     أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن سعادة الدنيا والآخرة بصلاح القلوب وانشراحِها، وزوالِ همومِها وأتراحِها .فألزموا طاعة الله وطاعة رسوله، تدركوا هذا المطلوب، واذكروا الله كثيرا."ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
   أيها المسلمون: جاء رجل إلى يونس بن عبيد ـ العابد الزاهد ـ يشكو فقره وحاجته. فسأله يونس: أيسرك أن يَذهب بصرك، وتُعطى مائة ألف؟. فيجيب الرجل: لا.
أيسرك أن يَذهب سمعك، وتُعطى مائة ألف؟. فيجيب الرجل: لا.
أيسرك أن تَذهب يداك ورجلاك، وتُعطى مائة ألف؟. فيرد الرجل: لا.
أيسرك أن يَذهب عقلك ولسانك، وتُعطى مائة ألف؟. فيقول الرجل: لا. 
وهنا ضحك يونس، وقال للرجل: أنظر ـ إذن ـ كم معك من مئات الألوف، وأنت تشكو الحاجة؟.
   عباد الله: إن نعم الله على الناس أجلّ من أن تحصى وتعدّ، ولكنّ الحمق والطمع والجهل، يستر تلك النعم عن كثير من الناس، وصدق الله إذ يقول: "إ ن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون". سورة البقرة: 243.
    نعم –وللأسف- إن بعضا من الناس أصبحوا عَلَفاً لليأس والقنوط، وكأنهم بقية من عصر الظلام والغابة، مشكلتهم أن يحطِّموا ذواتهم ويتخلصون منها بالتخلص من الإحساس بها. إن هذا الذي يستعِرُ في كيانه رغائب الانتحار، وكأنه قد اختفى من أمامه كلُّ أمل، تراه منطلقا كالوحش السائب، غيرَ مقيِّدٍ سلوكَه بقوانين، طاغيا على حقوق الآخرين، يقول: (أعطوني كذا و إلا أحرقت نفسي..؟). يريد أن يذهب إلى النار على مركب من نار!. نسأل الله العافية والسلامة!.
هل الإنتحار يحل مشكلة البطالة، أو الفقر، أو السكن، أو البيروقراطية..؟.
إن الصبيّ إذ غضب أو أُغضب كسّر لعبه، لأنه يئس اتجاه مشكلته، فحطم المشكلة، ولا بأس. فهو يستكشف ويتعلم. أما هؤلاء فيحطمون ذواتهم .. فلسفة غامضة، ولذّة مخبولة.
    ألا ما أحقر همّة من جعل أكبر همّه دنياه!، وما أبعد عن السداد من عرف الله وعامل سواه!. قد غلب الطمع على النفوس فأهلكها، واستولت الذنوب على القلوب فسوّدتها!. تُرى لو كانت قلوبُ هؤلاء مطمئنةً بالإيمان، أتكون حالهم هكذا؟.
ألا فاعلموا ـ عباد الله ـ أن الله جعل اليائسين من رحمته في عداد الكفار الضالين، قال تعالى: "وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ". يوسف: 87. وقال أيضا: "وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ". الحجر:56.
    فيا ذوي العقول الصحاح، ويا ذوي البصائر والفلاح: إن الإسلام يحترم حياة الإنسان، ولا يجعلها ملكا لصاحبها، بل هي ملكٌ للذي خلقها، وهي ملكٌ للحياة الإنسانية التي أصبحت تشكل جزءا منها، ومن هنا لا يملك الإنسان-أيّ إنسان، ومهما كانت الأسباب ـ أيّ أسباب ـ أن يتخلص منها بالانتحار. بل ولا يملك حتى إهمالها. قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي في السنن: "إن لنفسك عليك حقا". ولا أن يعرِّضها للخطر والهلاك. قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا". رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة. وفي صحيح ابن حبّان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « خَرَجَ برجل خَراجٌ (أي ما يخرج بالبدن من قروح) ممن كان قبلكم، فأخذ سكينا فوجَأَ بها، فما رقأَ الدم عنه حتى مات، فقال الله تبارك وتعالى: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة».
وهل تعلمون ـ يا عباد الله ــ إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ترك الصلاة على المنتحر عقوبة له، وزجرا لغيره، وإن كان أذن للناس في الصلاة عليه. ففي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " ُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه". فأيّ وعيد يا عباد الله أعظم من هذا الوعيد، وأيّ حرمان بعد هذا الحرمان من النعيم في منازل الرضوان؟.
    ألا يا عباد الله: من ذا الذي يبلغ عني أولئك الإعلاميين في قنوات التلفزيون. وأولئك الكتّاب في الجرائد اليومية. أولئك الذين يقومون بعمليات إشهارية آثمة، ودعوة مجانية إلى هذه الجريمة الشنعاء؟. قد جعلوها طفرة اليوم وتقليعة العصر. جعلوا الإنتحار متعةً ونوعًا من اللذة، وكأنهم يوحون إلى الشباب بالإقدام على هذه الطريقة لتحقيق مطالبهم؟.  
    أما عاقلٌ رشيدٌ منهم يقول: قال الله تعالى: "وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا"؟. النساء 29-30.
جاء في: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن السعدي رحمه الله: "وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ". أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل الإنسان نفسه. ويدخل في ذلك الإلقاءُ بالنفس إلى التهلكة، وفعلُ الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك. وقال ابن كثير رحمه الله: "أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه معتديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه "فسوف نصليه نارا". الآية. وهذا تهديد شديد، ووعد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد". ا.هـ. وقال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) فيه مسألة واحدة - قرأ الحسن (تقتِّلوا) على التكثير. وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية: النهي أن يقتل بعض الناس بعضا. ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: "ولا تقتلوا أنفسكم" في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناول النهي". ا.هـ.    
وقال ابن تيمية رحمه الله في فتاويه: "قال مسروق: من اضطرّـ أي إلى أكل المييتة أو لحم الخنزيرـ فلم يأكل حتى مات دخل النار، وذلك لأنه أعان على نفسه، وترك ما يقدر عليه من الأكل المباح له في هذه الحالة، فصار بمنزلة من قتل نفسه".
   تُراني ـ بعد هذا ـ ماذا أقول لأولئك الذين يحاولون أن يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة؟. وأولئك الذين يحبون أن تنتشر هذه الجريمة وتشيع؟.
 إنِّي هنا لا أدافع عن أحد، ولا أقول إننا نعيش في مجتمع فاضل عادل، ولا أن ضمانات العيش والعمل والسكن مكفولة لكلّ قادر ولكلّ عاجز، ولا أنّ حوافز الخير في مجتمعنا مجتمعة، ولا حوافز الشرّ منعدمة. أي لا أقول أن كلّ فرد منا مكفول الحقوق، معترفا له بكل الخصائص. ولكني أقول: لقد أعطانا الله الحياة وديعة، وأغرى همتنا بالعمل، وقال يخاطبنا: "وإني مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون". والإسلام لا يريد منا أن نعطي ظهورنا للحياة والأحياء. فرسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ ". رواه مسلم عن أبي هريرة.
    يا رعاكم الله: إن القلوب إذا استولى اليأس عليها قنطت ولم تصل إلى مطلوبها، وإن الناس إذا تخاذلوا واستبعدوا الأمور، وقالوا هذا مستحيل، هذا لا يمكن، فلن يصلوا إلى غاية. ولكن القلوب الحية والأُمَّة الواعية هي التي تقابل الفكرة الإصلاحية بالقوة والعزيمة الصادقة، والتصميم على الوصول إلى الغاية المطلوبة بالطريقة الشريفة الصحيحة، ما دامت تؤمن بصحة القصد، وسلامة السبيل. فلا تكن ـ أخي ـ من أولئك الذين يفرّون من وجه الحياة كلما نزل بهم خطب أو بلاء، أو تأخر لهم أمل أو رجاء.
  شمّر  وكافح  في الحياة  فهذه    دنياك  دار  تناحر   وكفاح
وإذا ألح عليك خطب لا تهن   واضرب على الإلحاح بالإلحاح
وخض الحياة وإن تلاطم موجها خوض البحّار رياضة السبّاح
    ألا واتقوا الله تعالى ـ يا عباد الله ـ وتفكروا في حِكَم المولى في تصريف الأمور، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. واعلموا أن ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير ، وأن هذه الشدّة واللأواء لا بد أن يفرجها مَن هو على كل شيء قدير، ولا بدّ أن يبدّل الشدّة بضدّها، والعسر بالتيسير، بذلك وعَدَ، وهو الصادق السميع البصير، اتقوا الله، واطووا مرحلة الحياة بخطىً ثابتة، لا يحَوِّلها عن الإيمان وتعاليم الدين عواصف الفتن، ولا يزحزحها عن الرضاء بقضاء الله وقدره الشدائد والمحن. ولا يخرجها عن الرشاد والفساد استفزازات الشيطان وتسويلاته.
   اللهم اعصمنا عن الزلل، ووفقنا لصواب القول والعمل، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، وأجارني وإياكم من سخطه وعقابه الأليم، وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين أجمعين. 
                                                               الخطبة الثانية
    الحمد لله المتحبب لعباده بترادف نعمائه، أحمده سبحانه على سرائه وضرائه. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل من عرف الله وشكره على نعمه وآلائه.
    أما بعد، فيا عباد الله: جاء في الحديث عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يبعث كل عبد على ما مات عليه". وأنّ هذا ما يحفّز الهمم على حسن العمل، وملازمة السنن، والإخلاص لله في القول والفعل، ليموت العبد على خير حال، وليكون قرير العين في المآل.
     فاتقوا الله ـ عباد الله ـ وأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته، وإنما ينال بطاعته وخدمته، واحمدوه على الهداية للإسلام، واشكروه على الكفاية من الرزق والغنى عن الآثام، وانظروا إلى من فضلتم عليه بالعافية والرزق والعقل والتوفيق، فإنه أحرى لشكر النعم والهداية لأقوم طريق.
   أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " .
   مَنّ الله علينا وعليكم بالقيام بحقه والقناعة بميسور رزقه، إنه جواد كريم. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، واحفظ علينا ديننا وثبتنا عليه إلى الممات، فإنه عصمة أمرنا. اللهم أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم إنا نسألك اليقظة في الأمور، والحكمة في التدبير، وحسن العاقبة والمصير. اللهم وهيئ للأمة الإسلامية من أمرها رشدا، ولاة صالحين، يقضون بالحق وبه يعدلون، لا يخافون في الله لومة لائم، لا يحابون قريبا لقربه، ولا قويا لقوته، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك الوهاب، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم، وصل اللهم وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.