25 مايو 2016



الموضوع: سلالة من البشر ولكنهم احترفوا "النفاق".

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من خير أمة أخرجت للأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من قالها وعمل بها له دار السلام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من صلى وصام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، ومن سار على نهجه واستقام.
أما بعد، عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، ولزوم أمره، واستحضار قوله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد". فصلت: 46.
قال صلى الله عليه وسلم: "مثَلُ المنافق كمثل الشَّاة العائِرَة بين الغنَمَين، تَعِير إلى هذه مرَّة، وإلى هذه مرة". رواه مسلم.
     الشاةالعائرة: المترددة الحائرة لا تدري لأي قطيع تتبع، ومعنى تَعير أي: تردّد وتذهب. وصدق الله إذ يقول: "مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً". سورة النساء: 143.
       أيها المسلمون: لا يخفى على عاقل أن كثيرا من المخادعين والمنافقين يتزاحمون في كادر الحياة يدفع بعضهم بعضا، ويتحالف ضعيف الحيلة فيهم مع من هو أكثر خبثا ودهاء، يحسبهم الجاهل أنهم مخلصون وأصحاب نوايا سليمة من شدة تملقهم وخبث نفاقهم.. أعني أولئك يعرفون في الأدبيات السياسية بـ"المتملّقين" أو "المتسلقين" أو "المتزلّفين" أو"الوصوليين" أو "الانتهازيين"، وبلغة بن باديس رحمه الله: "بني وي وي"، وبالعامية "بوزوج وجوه.." "وما يخدعون إلا أنفسهم ولكن لا يشعرون".
للأسف.. هم كثر في مجتمعاتنا ـ كقطع النقود يقضون أعمارهم بين جيوب الناس، وعلى أبواب المسؤولين وذوي الجاه، حربائيون متلونون حسب المعطيات والمواقف والمصالح.. هم سلالة من البشر ولكنهم احترفوا "النفاق". 
فهذا يتملَّق مدير عمله، ويكذب عنده له أو عليه إمَّا خوفاً وإمَّا طمعاً، ويسكت عمَّا يرتكبه من أخطاء، مصانعةً ومداهنةً!.
وذااك ينتصر للظَّالم ويؤيِّده ويدعم سلوكه السَّيئ ولا يقدم له النُّصح ولا يبيِّن له خطأه!.
وهؤلاء يمدحون شخصاً ويُكثِرون الثَّناء عليه في حضرته، فإذا تولَّوا عنه سلقوه بألسنة حداد!.
وأولئك يبالغون في المديح المزيَّف لذوي النُّفوذ من السِّياسيين أو الأعيان تملُّقاً وتزلُّفاً للتمسك بمصدر بئيس للاسترزاق!.
وما هذا كله إلا بسبب ضعف التدين وقلة الورع، والفتنة بزينة الدنيا والغفلة عن الآخرة، وقلة إحترام حقوق المسلمين..
يُذكَر أنه في زمان الخليفة المهدي رحمه الله، جاءه رجل وفي يده نعلٌ ملفوف في منديل.
 فقال: يا أمير المؤمنين، هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهديتها لك!. 
فقال: هاتها.
فدفعها الرجل إليه، فقبّـل باطنها وظاهرها، ووضعها على عينيه وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم، فلما أخذها وانصرف، قال المهدي لجلسائه:
أترون أني لم أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرها، فضلا علن أن يكون لبسها، ولو كذّبناه لقال للناس: أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّها عليّ، وكان من يُصدّقه أكثر ممن يدفع خبره، إذ كان من شأن العامة ميلها إلى أشكالها، والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالما، فاشترينا لسانه وقبلنا هديته وصدّقناه، ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح. ؟!
أيها الأفاضل: إذا كان هذا في ذلك الزمان، احتيال وعملية تورية وخداع واستخدام الحيل وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل الحصول على منافع مادية، فما بالكم بأزمنتنا المتأخرة ؟!
فالمهدي ـ في قصتنا ـ ما ابتلع هذا الطعم، لأنه -وهو الخليفة- أذكى من ذلك بكثير، فلم يعطي الفرصة لمثل هذا العامي أن يُشغب عليه، ولكن اشترى لسانه بدراهم معدودة.. فكيف بغيره.
  فكن ـ أيها المسلم ـ ذا مبدأ وموقف ثابت، ولا ضير في أن تكون دبلوماسيّاً في التّعامل مع البعض، ولكن دونما زيف ونفاق، ولا تكن ممن يأكلون الدنيا بالدين، روي أن الحسن البصري رحمه الله، رأى بهلوانا يلعب على الحبل، فقال: "هذا أحسن من أصحابنا، فإنه يأكل الدنيا بالدنيا، وأصحابنا يأكلون الدنيا بالدين",
وتذكّر أن الشّوائب لابد أن تزول، ويصفى الماء. وستنقشع الغيوم، ويعود المناخ كما علمونا في كتب الجغرافيا حار جاف صيفا دافئ ممطر شتاء.. "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ". الرعد: 17.
 أعاننا الله وإياك على أنفسنا حتى نستقيم على أمره، وأعاذنا من النفاق والشقاق وسوء الأخلاق، ومن أن نشرك به شيئا نعلمه، ونستغفره سبحانه لما لا نعلمه.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك..

الخطبة الثانية
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، فصلى الله وسلم على النبي الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.
   أيها المسلمون: إن الإخلاص لله، هو معيار الأعمال الدقيق، ومقياسها الصادق الذي يميز طيبها من خبيثها، وصحيحها من فاسدها، ومقبولها من مردودها، ونافعها من ضارها، قال تعالى: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ". الزمر:65.
    ولما غاب الإخلاص في حياة الكثير من الناس اليوم، ظهر الشرك والرياء والمراءاة والشهرة، بل الغش والخداع والاحتيال والكذب، والتزلف والتلون، والعجب والكبر، والغرور والمداهنة والنفاق، نعوذ بالله من سيئ الأخلاق. يقول عبد الله بن أبي جمرة: وددت لو أنه كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أنْ يُعَلِّمَ الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أُتِيَ على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك.
   وما ذلك ـ أيها المسلمون ـ إلا لأن أعمال القلوب هي الأساس الذي تقوم عليه الأعمال كلها، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
وإذا كان الأمر كذلك فما أحوجنا إلى الإلحاح على الله، والتضرع بين يديه؛ بأن يوفقنا للإخلاص في أعمالنا وأقوالنا، ويجنبنا الرياء والسمعة في جميع أعمالنا.
    فاللهم وفقنا لذلك، وارزقنا القناعة بما آتيتنا ورزقتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك، وبك عمن سواك، اللهم اجعلنا أفقر الناس إليك، وأغنى الناس بك. اللهم تب علينا توبة نصوحاً لا معصية بعدها، وآت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر يا رب العالمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله..

13 أبريل 2016



 الموضوع: بمناسبة يوم العلم ـ نَمْ ـ ابن باديس ـ هادئا فالشـعـب بعدك راشـــــدُ 



                                            الخطبة الأولى
 الحمد لله الذي أعلى مراتب العلماء، وجعلهم ورثة الأنبياء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك العليم الخبير. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير، أمره ربه بطلب الزيادة من العلم، فقال تعالى: "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً". طه: 114. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..
       أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى اللهِ تعالى، فتقواه سبحانه وتعالى سببٌ موصلٌ للعلم، الذي هو سُلَّم النجاة بإذن الله، قال تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ". البقرة: 282.

عِلْمُ العَلِيمِ وَعَقْلُ العَاقِلِ اخْتَلَفَا *مَنْ ذَا الَّذِي مِنْهُمَا قَدْ أَحْرَزَ الشَّرَفَا
فَالعِـلْمُ قَالَ أَنَا أَحْـرَزْتُ غَايـَتَهُ * وَالعَقْلُ قَالَ أَنَا الرَّحْمَنُ بِي عُرِفَا
فَأَفْصَـحَ العِلْمُ إِفْصَاحًا وَقَالَ لَهُ * بِأَيِّــنَا اللَّهُ فِـي قُرْآنِــهِ اتَّصــَفَا
فَبَـانَ لِلعَــقْلِ أَنَّ العِـلـمَ سَيِّــدُهُ * فَقَبَّلَ العَقْلُ رَأْسَ العِلْمِ وَانْصَرَفَا

       أيها المسلمون: لقد رفع الله تعالى شأن العلم وأهله، وبيّن مكانتهم، ورفع منزلتهم، فقال سبحانه وتعالى: "يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ". المجادلة:11. ولم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستزادة من شيء إلا من العلم، فقال له سبحانه وتعالى: "وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً". طه:114، وما ذاك إلا لما للعلم من أثر في حياة البشر، فأهل العلم هم الأحياء، وسائر الناس أموات.
ما الفخــــر إلا لأهل العلم إنهم * على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه * والجاهـلون لأهل العـلم أعداء
فـفـز بعلم تعش حيـا ً به أبــدا * الناس موتى وأهل العلم أحياء

    وها هي الجزائر المحروسة بعناية الله، تحيي يوم العلم الذي يصادف كل عام: 16 أبريل، وتأتي هذه المناسبة تخليدا لذكرى وفاة باني النهضتين العلمية والفكرية بالجزائر، وواضع أسسها على صخرة الحق، الأستاذ الرئيس الشيخ عبد الحميد ابن باديس، أول رئيس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين..
   ولد الشيخ رحمه الله بمدينة قسنطينة في 4 ديسمبر 1889م وتوفي يوم:16افريل1940م، وترك بصماته العميقة الأثر، فصورته ـ رحمه الله ـ من الصعب محوها من ذاكرة أبناء الجزائر، وأصعب من ذلك أن تُحصَر مميزاته الشخصية، وقدراته العقلية والنضالية، ومواقفه الفعالة تجاه أوضاع الأمة ومجريات أحداث تاريخها، هو المعلّم المثالي والمناضل المستميت في الدفاع عن عزة شعبه وترسيخ مبادئ دينه..
   لقد سأله يوما أحد طلبته: لم لا تؤلف الكتب أيها الشيخ؟.
فأجابه رحمه الله: "إن الشعب ـ يا بنيّ ـ ليس اليوم بحاجة إلى تأليف الكتب، بقدر ما هو في حاجة إلى تأليف الرجال.. هَبْ أني انصرفت إلى التأليف، وانقطعت عمّا أنا بصدده من نشر العلم، وإعداد نشء الأمة، فمن يقرأ كتبي وتآليفي.."؟.
  وكذلك كان رحمه الله، فلقد قضى حياته مؤلفا للرجال، لا يرجو من ذلك شهرة، ولا يبغي من ورائه جزاء من البشر ولا شكورا؛ وإنما قام بها أداءً للمسؤولية، وقيامًا بالواجب نحو دينه ووطنه وقومه، بعدما استيقن مما يـُكاد لهذا الدين من محوٍ، ولهذا الوطن من إدماج، ولهذا الشعب من سلخٍ عن أصله وهويته.
   لقد تصدى رحمه الله بكل قوة للمخططات الفرنسية الهادفة إلى طمس هوية الأمة، ودخَل في سباق مع فرنسا، فسبقها، وانقلبت على أعقابها خائبة خاسرة لم تنلْ خيرا، ويَذكُر التاريخ أنه في اليوم الذي توفي فيه رحمه الله، أقامت فرنسا الأفراحَ ابتهاجا بموته، وقال قائلها: "آن لفرنسا أن تطمئن على بقائها في الجزائر، فقد مات ألدّ أعدائها"!.
   فارتجل شاعر الثورة – محمد العيد – مخاطبا ابن باديس في رائعته وهو واقف عند قبره، يقول في مطلعها:
يا قبر طبت وطاب فيك عبير *  هل أنت بالضيف العزيز خبير؟
هذا ابن باديس الامام المرتضى  * عبد الحميد إلى حماك يصير
إلى ان يقول رحمه الله:
نم هادئا فالشـعـب بعدك راشـــــدُ * يختط نهجك في الهدى ويسيرُ
لا تخش ضيعة ما تركت لنا سدى * فالـوارثون لما تركت كثيرُ
    وعلى هذا الأساس لم يُختر يوم مولده، ولا يوم تأسيسه لجمعية العلماء يوما للاحتفال بيوم العلم، وإنما اختير يوم وفاته، وكأننا بهذا الاختيار نقول لفرنسا: أنه لا داعيَ لئن تفرحي بموت ابن باديس؛ فالعلم الذي قهرك به لم يمت بموته، بل ورثته الجزائر برمتها، وعلى أسسه قامت الثورة التحريرية المباركة، قال عنه الشيخ العربي تبسي رحمه الله: "لقد كان الشيخ عبد الحميد هو الجزائر، فلتجتهد الجزائر الآن أن تكون هي الشيخ باديس".
   أيها الكرام: إن ابن باديس لم ينجح في تعزيز الهوية في قلب أمته فحسب، بل ساهم في تكوين جيل الثورة الجزائرية، الذي قال عنه:
يا نشء أنت رجاؤنا * وبك الصباح قد اقترب
خـذ للحــياة سلاحــها * وخذ الخطوب ولا تهب
     وهكذا بعد مرور 14 عام على وفاته اندلعت ثورة التحرير الجزائرية، والتي قادها ذلك النشء الذي تتلمذ ودرس في معاهد الشيخ عبد الحميد بن باديس، وكان الله معهم، وكان إيمانهم به عظيما، وكان صبرهم جميلا، فصدقهم الله وعده، وفرح الجزائريون بنصر الله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
   فرحم الله العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد النهضة والإصلاح في جزائر الشهداء، وجزاه عنا خيرا، ورحم الله رفاق دربه، وقادة العمل الوطني الجزائري وفي مقدمتهم شهداء ثورة نوفمبر الخالدة، وحمى الله الجزائر من كيد الكائدين، ورفعها ورفع أهلها بين الأمم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..

الخطبة الثانية
   
 الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله الأعز الأكرم،   وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى السبيل الأقوم، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
      أما بعد، أيها المسلمون: إنما الأمم برجالها علماءَ كانوا، أو ساسة، أو قادة، إنهم هم الذين يجسّدون روحها التواقة إلى الكمال وجلائل الأعمال، هم النبراس الذي ينير لها الطريق إلى الحياة الحرّة الكريمة، وهم الذين يحركون فيها الشوق إلى غد أفضل ومجد أكمل، هم النموذج الـملهٍم الذي ينبغي أن نقدمه لناشئتنا لتتأسّى به وتنسج على منواله في خدمة هذه الأمة والتمكين لها، وفق الله الجزائر شعبا وقيادة للعمل على ذلك، والسير على خطى الإمام ابن باديس، وجميع أسلافنا الـميامين، الصالحين الـمصلحين..
     وإني بهذه المناسبة، وبها يحلو الحديث لأولئك الذين شُرّفوا بأعظم مهمة وأسما وظيفة، أعني المعلمين والأساتذة ومعدّي مناهج التعليم، فأقول لهم:
    هنيئا لكم شرف الرسالة ونبل المهمة، وإنه لا أحد ينكر أن وظيفتكم من أشرف الوظائف وأعلاها، ولا تساويها مهنة في الفضل والرفعة، ولعل الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه يبين لنا فيه فضل تعليم الناس الخير، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير". والآيات والأحاديث في ذا الباب أكثر من أن تحصى.   
  فكونوا على يقين بأنّ الأمانةَ كبيرةٌ، والمسؤوليّة جسيمة، كيف لا، وهي أمانةُ تربيّةِ النّشء وتعليمهم وتوجيههم؟!.
   هذا النشء الذين هم اليوم صغار، وغَدًا سيكونون كبارا، هم اليوم طلاَّب وغدًا معلِّمين وخبراء ومهندِسين وأطبّاء وأهل عِلمٍ وفضل، وهم الذين سَينزلون في ميادينِ العَمل، فكونوا لهم كما كان عبد الحميد بن باديس، واعلموا أن عليكم لأمتكم ومن يتعلمون منكم حقوقا عظيمة، فقوموا بها لله مخلصين وبه مستعينين، ولنصح أبنائكم ومن يأخذون العلم عنكم قاصدين، اخلصوا في التعليم، وامتثلوا أمام طلبتكم بكل خلق فاضل كريم، فإن المتعلّم يتلقّى من معلّمه الأخلاق، كما يتلقى منه العلوم.
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة  * جاءت على يديه الأبصار حولا
    وأنتم ـ يا أبنائي ـ على مقاعد الدرس والتحصيل، وفي جوّ العلم ومحرابه المقدّس، فاحرصوا على طلب العلم لغاياته الكريمة وأهدافه السامية، والتي تعود عليكم كأفراد بالخير والإستقامة والرفعة، وعلى أمتكم بالتقدم والرقيّ والإزدهار، ولنقل جميعا: نم ـ ابن باديس ـ هادئا فالشـعـب بعدك راشـــــدُ    
     رحم الله الشيخ الجليل عبد الحميد ابن باديس وجزاه خيرا على ما قدّم للدين والوطن والأمة، ورحم رفاق دربه ومن حمل لواءه إلى يوم الدين، اللهم خذ بأيدينا، وسدّد خطانا، وحقّق آمالنا، ومكِّن لناشئتنا من أسباب الرقي والسؤدد ما يجعلهم خير خلف لخير سلف.. وافتح قلوبنا وقلوب أبنائنا للعلم والمعرفة، واجعل النجاح حليفهم يا رب العالمين. اللهم وبارك في الجزائر، أرضِها وسمائها وأكثر خيرها في بَرِّها ومائها، واجعلها بلدا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.