04 يناير 2017



الخطبة الأولى
        الحمد لله الذي جعل خلق الإنسان آية من الآيات الدالة على عظمته، فقال عزّ من قائل: "هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون". غافر: 67.  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، القائل صلى الله عليه وسلم: "ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا". رواه أحمد وصححه ابن حبان. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله الطيبين وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
   أما بعد: فأوصيكم _ عباد الله _ ونفسي بتقوى الله الملك العلام، فإن تقواه سبحانه عروةٌ ليس لها انفصام، وجذوة تنير القلوب والأفهام،"وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا". النساء:1.
    أيها المسلمون: إن من عظمة الإسلام أنه كما اهتمّ بالإنسان صغيراً ووجّه الأسرة والمجتمع إلى رعايته والاهتمام به، فإنه كذلك أمر بحسن رعايته واحترامه كبيرا مهما كان، أباً أو أماً، قريباً أم بعيداً، جاراً أم صديقاً، أخاً أم عماً أم خالاً، معروفاً أم غريباً، قال تعالى عن الوالدين: "إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا". الإسراء:23-24، وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا".  رواه أحمد وصححه ابن حبان.
    لكن ـ للأسف ـ إن ابتلاءاتِنا في المجتمع إنما هي فيما يأتينا من الغرب، وإنه لا الكلمات ولا الأسطر تعبر عن ظاهرة مؤلمة مفزعة زحفت إلى مجتمعنا على حين غفلة منا ومن مؤسسات المجتمع.
     أبناءٌ وبناتٌ يأخذون آباءهم وأمهاتهم إلى دور العجزة والمسنين، إنه العقوق بعينه، فِعلٌ في غاية البشاعة ونهايةٌ في القبح والشناعة، يقشعرّ لهوله البدن، ويقف لخطبه شعر الرأس، في دور العجزة آباءٌ وأمهاتٌ يبكون على ذكرياتهم مع بناتهم وأولادهم فلذات أكبادهم.
   فهل فكرتم يوما ـ يا عباد الله ـ في زيارة دور العجزة والمسنين لتروا بأم أعينكم وتسمعوا قصص تُدمي الحجر من عقوق الأبناء والبنات؟
      إنه العجب كل العجب ممّن يتخلَّى أو بالمعنى الأصح يرمي أحد والديه في الشارع أو في دار العجزة من أجل أي سبب من أسباب الدنيا، إنها لَدناءةُ نفسٍ وخسّةُ خلقٍ وضعفُ مروءة وقلّةُ حياء وانعدامُ وفاء، وأين ومتى يُرجَّى من العاقّ خيرٌ لنفسه أو غيره؟!.  
      فأي أرض سيسكن هذا؟، وأي قبر يضمه؟  
      فليعلم هذا وأمثاله: أنه كما يدين يدان، عاجلا أم آجلا، سوف ينام في المكان ذاته، ويتحطّم من شدة الندم، حينما لا ينفع الندم، قال صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنب أحرى أن يعجَّل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يُدّخر له في الآخرة من: البغي، وقطيعة الرحم".
     أيها المسلمون: إن رابطة الوالدين من أعظم الروابط بين الناس، رابطة خصّها الشرع الحنيف بمزيد من الاهتمام والذكر، وحذّر من المساس بهذه الرابطة الوثيقة والإخلال بها والاعتداء عليها حتى ولو بأدنى لفظ أو نظر..
قال تعالى: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً". الاسراء: 23.   
    تأملوا معي ـ رحمكم الله ـ قوله تعالى: "إما". فهذا اللفظ "مركب من كلمتين: "إن" و"ما". فكلمة: "إن" هي للشرط، وكذلك كلمة "ما" فهي أيضا للشرط. ولما جمع بين هذين اللفظتين أفاد تأكيد معنى الشرط، وهذا تأكيدٌ للحكم المذكور وتقريره وإثباته على أقوى الوجوه..
فيا أيتها البنت، ويا أيها الولد: عند ما يبلغ والديك أو أحدهما إلى هذه المرحلة من الضعف والعجز كما كنت من قبل، فأنت مكلف في حقهما بخمسة أشياء:  
1ـ لا تقل لهما أفّ.
2ـ لا تنهرهما.
3ـ قل لهما قولا كريما.
4ـ اخفض لهما جناح الذل من الرحمة.
5ـ قل رب ارحمهما كما ربياني صغير.
  وتأملوا معي ـ عباد الله ـ قول الله: "عندك: فإنه يلوح لك معنى لطيف وسرّ بديع، ألا وهو أنّ هذا هو الشأن: متى بلغ الوالدان أو أحدهما الكبر، فوهن العظم وضعف الجسم أن يكونا عند أبنائهما. قال ابن جُزي ومعنى: "عندك" أي في بيتك وتحت كنَفِك، هذا هو المعقول، وهذا هو الذي يجب أن يكون، ولعمري أن أهل النفوس الكريمة والقلوب الرحيمة إن هذا لهو شأنها وديدنها، فطوبى لهم وحسن مآب.
   أيها المسلمون: إن أويساً بن عامر القرني إنما نال تلك المنزلة العظيمة ببركة برّه بأمه الكبيرة ورعايته لها، يُروى أنه ما لقيه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرَن، كان به برَص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل". فقال له سيدنا عمر رضي الله عنه: استغفر لي. فاستغفر له.
      فهنيئا لمن أكرمه الله تعالى بكبر والديه أو أحدهما عنده، وقام بواجب البر والإحسان إليهما، وخفض لهما جناح الذل من الرحمة، ليجزيه الله سبحانه برا من أبنائه في الدنيا، ففي الحديث النبوي الشريف: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم"، ويكرمه في الآخرة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.    
    جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد في سبيل الله أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال عليه الصلاة والسلام: "هل لكَ من والديك أحد حي؟"، قال: نعم، قال: "فارجع إلى والديك فأَحسِن صُحبتَهما". رواه البخاري ومسلم.
  الله.. الله في آبائكم وأمَّهاتِكم، عيشوا لهما في كِبَرهما وشيخوختهما مثلما عاشا لكم في صِغركم وطفولتكم، والله يعينني وإياكم على ذلك..
   نفعني الله وإياكم بما قلت، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما..
الخطبة الثانية
     الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأمرنا بصلة الأرحام، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك القدّوس السلام، وأشهد أن نبينا محمداً عبدُ الله ورسولُه بدرُ التمام ومسكُ الختام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.
     أما بعد، أيها المسلمون: ذُكرت الشيخوخة في القران الكريم على أنها نهاية مطاف الانسان في مرحلة تطوّره على هذه الارض تمهيدا لرحلته الابدية الى العالم الآخر. قال تعالى: "الله خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير".   سورة الروم: 54.
     وعندما يصبح الوالدان ضعيفين عاجزين أو أحدهما، فالأصل في رعايتهما أن تكون في نطاق الأسرة وفي المنزل الذي نشآ فيه وتربَّيا وبنيا حياة معينة، فعلى الأقارب من أولادٍ أو إخوةٍ أو غيرهم توفير الرعاية الكريمة المستطاعة لهما، لأن الإنسان إنما يشعر بعزّة نفسه وكرامته إذا كان في بيته، وما ظاهرة "دار العجزة أو دار الشيخوخة" إلا ظاهرة دخيلة على المجتمع الإسلامي ليست من أصولنا ولا من ثقافتا ولا من صميم هويتنا، فديننا يفرض علينا تطبيق التعاليم الدينية التي توصي برعاية الوالدين وكبار السن، وكرامة الإنسان في الإسلام تفرض أن يعيش الإنسان معززًا مكرمًا لا أن يرسل إلى دارٍ أو مؤسّسةٍ تقيّد قدرته، وتجعله ينتظر الموت وحده..
     لقد حزنت كثيراً وأنا أرى بعضهم في دار العجزة يجلس وحده؛ حيث لا أنيس له ولا صاحب، وأولاده بعيدون عنه لاهون بدنياهم، وهو بعجزه وشيبته لا يهتمُّ به أحد، إن منظر هذا الأب المسنّ وهو يتفرس في زوّاره يظنهم أبناءه، منظرٌ يبكي القلب قبل العين، ولسان حاله، يقول:
غَذَوْتُكَ مولوداً وَعْلتُكَ يافعاً * تُعَلُّ بما أُدْنِي إليك وتَنْهَلُ
إذا ليلةٌ نابَتْكَ بالشَّكْوِ لم أَبِتْ * لشَكْواكَ إِلا ساهراً أَتَمَلْمَلُ
كأني أنا المطروقُ دوَنكَ بالذي * طُرِقْتَ به دوني وعينيَ تَهْملُ
جَعَلْتَ جزائي غِلْظةً وَفَضاضَةً* كأنكَ أنتَ المنعِمُ المتفضِّلُ
فليتكَ إذ لم تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتي * فَعَلْتَ كما الجارُ المجاوِرُ يفعلُ
     فيا أنتم الذين تتحدّثون عن الخذلان، لا يوجد أو جع منه في عيون المسنّين عند ما يكون جزاء التربية دار المسنين..
   ويا من أنتم في دور العجزة والمسنين: اصبروا على البلاء، واحتسبوا عند الله جزيل الأجر والثناء، فإن الله لا يمنع عبده المؤمن حُسْنَ العطاء، وأمْرُ المؤمن كله خيرٌ؛ رحم الله ضعفكم وجبر كسركم وعظم أجركم، فإن نسي البعض فضلكم ومعروفكم فالله لا ينسى، والمعروف لا يَبْلَى، والخير يدوم ويبقى، ثم إلى ربك المنتهى، وعنده الجزاء الأوفى..
    اللهم اجعلنا بارين بآبائنا، موقرين لكبارنا، مؤدين لحقوقهم، قائمين على خدمتهم ورعايتهم، وارزقنا طاعتهم فيما يرضيك عنا، ووفقنا لطاعتك وطاعة من أمرْتَنا بطاعته، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لوالدينا كما ربونا صغاراً، اللهم أسبغ عليهم لباس العافية والتقوى، اللهم ارفع لهما الدرجات، واغفر لهما الزلات والهفوات، واجمعنا بهم في أعلى الجنات، يا غفور يا رحيم، يا ودود يا كريم. اللهم وبارك في القائمين على دور العجزة والمسنين من مسؤولين ومحسنين وزدهم فضلا منك وإحسانا، ونسألك اللهم لنا ولهم الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين..

30 نوفمبر 2016



 الموضوع: اليوم العالمي للسِّيدا، المرض المرعب..

الخطبة الأولى
   الحمد لله رب العالمين، ألهم كل نفس هداها، "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"، الشمس:9ـ10. أحمده سبحانه، يذل العصاة، فلا عزة لمن أذله، ويعز المتقين، فلا ذل لمن أعزه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ما من خير إلا بينه لنا وأرشدنا إلى فعله، وما من شر إلا بينه لنا وحذرنا منه. فاللهم صل وسلم بارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد، فيا عباد الله: لقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا لشفقته على أمته، بالحرص على هدايتها، والحيلولة بين ما يهلكها ويوردها موارد التلف.
    لقد ضرب المثل لذلك برجل استوقد نارا، فلما أضاءت أخذ الفراش وصغار الحشرات يتهافتْن عليها، فجعل الرجل يمنعهنَّ شفقة عليهن من الحريق والتلف، ولكنهن لا يأْبيْن إلا التهافت عليها والاصطلاء بحرها والوقوع فيها. يقول صلى الله عليه وسلم: "مَثَلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ، يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَه، فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ. أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ، هَلُمَّ عَنْ النَّار، هَلُمَّ عَنْ النَّار، فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا". رواه البخاري ومسلم.
   وأي نار – يا عباد الله-وربنا يقول: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا". الإسراء:32.  ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله". رواه الطبراني والحاكم.
    أيها المسلمون: إن جميع النصوص الإسلامية تفيد أن من مقاصد الزواج في تشريع الإسلام تحصين الزوجين من الفساد السلوكي المترتب على الإباحية الجنسية، فان المتزوج تقنَع نفسه غالبا بما أحل الله، ولا يتعدى حدوده بانتهاك المحرمات، قال تعالى: "وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ". الطلاق: 1.
والإسلام يعطي للفرد المسلم الحق في أن يمارس النشاط الجنسي كاملا في الزواج، ويعتبر ذلك عملا يؤجر عليه الزوجان، قال صلى الله عليه وسلم: "وفي بضع أحدكم صدقة". رواه ابن حبان. ولقد نصّ القرآن نصا جامعا على حصر النشاط الجنسي في الزواج، واعتبار كل نشاط خارجه محرّما، قال تعالى: "والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون". المؤمنون:5ـ7.
    ولعلكم تعرفون-أيها المباركون-أن المجتمعاتِ التي أباحت العلاقات الجنسية غير الشرعية بين أفرادها تدفع اليوم ثمنا باهظا لما أباحته من سلوكيات حيوانية، وخروج عن الفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها.
     وما مرض" السيدا" ـ الايدز ـ إلا مظهر من مظاهر المعصية والبعد عن الله. مرضٌ تعقد من أجله الندوات وتقام من أجله المؤتمرات، وتكرس من أجله الطاقات في جميع بقاع العالم، واتّخذ الناس من أجله يوم الفاتح من شهر ديسمبر يوماً عالمياً يتحدثون فيه عن أخطاره وأضراره البالغات، إنه الشبح المخيف والمرض المرعب، عافاني الله وإياكم من كل مرض وبلاء..
عباد الله: يجب عليكم أن تعرفوا أن المولى عز وجل خلق لدينا جهازا يسمى: "الجهاز المناعي"، وهذا الجهاز له وظيفة أساسية، هي: مقاومة الأمراض المعدية التي تهدد الجسم. وفيروس "السيدا" يهاجم أساسا خلايا الجهاز المناعي التي تدافع عن جسم الإنسان أنواعا من العدوى المختلفة وأنواعا من السرطانات، فإذا احتُجِزتْ هذه الخلايا عن حماية الجسم، فإن الإنسان يفقد القدرة على مقاومة الكائنات المعْدية والسّرطانات، وبالتالي تكون الأمراض المتسببة من هذه الكائنات والأورام هي السبب المباشر في القضاء على المريض، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي تكن مضت في إسلافهم الذين مضوا". رواه ابن ماجة. وصدق الله إذ يقول: "ومن أعرض عن ذكري فإنه له معيشة ضنكا". طه:124.  وهل هناك معيشة أكثر شقاوة وضنكا من إنسان فقَدَ قدرتَه على الدفاع الذاتي، واستسلم جسمه لمختلف الأمراض والأوجاع؟.
     في الصحيحين في خطبته صلـى الله عليـه وسلم في صلاة الكسوف أنـه قال: "يا أمّة محمد، والله لا أحد أغْيَرَ من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمُنّ ما أعلم لضحكتم قليلا ولبَكيتم كثيرا". ثــم رفع يديــه وقال: "اللهم هل بلّغت".
      في ذكره صلى الله عليه وسلم الزنا عقب صلاة الكسوف سرٌّ بديعٌ لمن تأمله، فظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة. كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال: "لأحدثنّكم حديثا لا يحدثُّكم أحد بعدي، سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من أشراط الساعة أن يقل العلم ويكثر الجهل ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيّم الواحد".
     أيها المسلمون: لقد جرت سنة الله في خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب ويشتدّ غضبه، ولابدّ أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة، فقد جاء في الأثر: "إذا ظهر الزنى والربا في قرية أذن الله بهلاكها" رواه أبو يعلى عن عبد الله بن مسعود.
         وإنكم تقرأون في القرآن الكريم كيف عاقب الله أصحاب الشذوذ الجنسي في العصر القديم– قوم لوط– كان عقابهم أن قلب الله مدنهم وبلادهم، فجعل عاليَها سافلها. فكما انقلب هؤلاء في علاقتهم الجنسية، انقلبت عليهم دورهم وبلادهم جزاء وفاقا. ولقد قرّب الله مسافة العذاب بين هذه الأمة، وبين إخوانهم في العمل، فقال: "وما هي من الظالمين من بعيد".
    فاتقوا الله -عباد الله-واعملوا جاهدين بمرضاته وحذار من المعاصي، وإن زلّت بكم القدم فبادروا بالتوبة الصادقة قبل فوات الأوان، وافعلوا الأوامر رجاءً لثوابها، واتركوا الزواجر خوفا من عواقبها، وتعبدوا الله بأفعالكم واحتسبوا الأجر من بارئكم لعلكم تفلحون. قال تعالى: " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ". الشورى:25.  وقال أيضا: "وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى". طه:82.
     بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقولٌ قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واحذروا سبل الهوى. ولا تتبعوا خطوات الشيطان. "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير". فاطر:6.  واتقوا ربكم، والتزموا في هذه الحياة نهجا يصلح الله لكم به الدين والدنيا معا. وتذكروا على الدوام قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "احفظ الله يحفظك".
أيها المسلمون: نحن مطالبون بحماية أنفسنا ومجتمعاتنا من هذا الوباء أو غيره من الأوبئة الأخرى، والحماية لا تكون بمجرد العلاج إذا وقع الداء وتفشى المرض، وإنما تستلزم الوقاية أولاً، والوقاية خير من العلاج وأجدى.
فالتربية الجادة للشباب وتوفير المحاضن الصالحة وابتكار البرامج المفيدة كل ذلك يسهم في إصلاح المسيرة، ويجنب أمة الإسلام ما وقعت فيه الأمم الأخرى، وليس من المنطق السليم أن نطالب الشباب بالعفة والطهر ونحن نواصل إغراءهم ونهيئ لهم من الوسائل ما يثير غرائزهم، لا بد أن نسهم جميعا في حمايتهم ونشارك في تربيتهم. إن بقاء الشباب دون عمل أو المغالاة معه في المهر وجلساء السوء، كل ذلك ربما أسهم في دفع أصحاب الأنفس الضعيفة إلى اقتراف المحرمات والوقوع في حمأة الرذيلة. فعلينا جميعاً أن نهتم بأمر تيسير الزواج وتسهيله وترك المغالاة في المهور، والحث على الزواج المبكِّر وكسر العوائق التي تحول بين الشباب وبين الزواج، خففوا القيود حتى لا تكون فتنة وفساد كبير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ". رواه الترمذي وغيره.
     وأخيرا اعلموا أيها المسلمون: أن الإسلام لم يأت ليلوم الناس على الخطأ، بل ليبين لهم عواقبه ويرشدهم إلى كيفية تصحيحه ويأخذ بيدهم إلى ربهم راحما ضعفهم، ومبشرا بالمغفرة وتبديل السيئات حسنات، قال تعالى: " إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا". الفرقان:70.
        اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدا ما أحييتنا، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، وقنا الزلازل والمحن، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم ووفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى وجميع المسلمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. آمين ..