07 أغسطس 2017



الموضوع: توديع الحجاج 

الخطبة الأولى
      الحمد لله شرع الشرائع فأحكم ما شرع، وأوجد الكائنات فأبدع ما صنع، أحمده سبحانه حمد من شكر الله بقلبه ولسانه والعمل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فرض الحج إلى بيته الحرام، ورتب على ذلك جزيل الأجر ووافر الأنعام، فمن حجّ فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه نقيا من الذنوب والآثام. و"الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، دار السلام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير من صلى وزكى وحج وصام. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام، وسلم تسليما.
يا حادي العيس ترفق واستمع     منّي وبلّغ إن وصلت عـــــــــنّي
وقف بأكناف الحجـاز ناشـــــــــــدا       قلبي فقد ضـاع الغداة مــــــنيّ
وقل إذا وصلت نحـو أرضــــــــهم       ذاك الأسـير موثق بالحــــــــــزن
عرّض بذكري عندهم عســاهـم        إن سـمعوك سـائلوك عـــــــني
قـل ذلك المحبوس عن قصدكم      معـــــذب القـلب بكـل فـــــــــــن
يقـول أمّلت بـأن أزوركــــــــــــــــــم      في جملة الوفـــــد فخاب ظــــــــني
    أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، وامتثلوا أمره ولا تعصوه، واشكروه على أن هداكم لدينه الذي ارتضاه لنفسه ورضيه لكم دينـا، وبناه على خمس دعائم: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا.
      أيها المسلمون: لقد بدأ حجاجنا يحزمون أمتعهم شادّين الرحال إلى بيت الله الحرام، راجين من الله تكفير الذنوب والآثام، والفوز بالجنة دار السلام. إنها رحلة العمر، وإن شئتم قلنا رحلة الحب، وإنّي اغتنم هذه المناسبة فأقول والله الموفق للصواب:
     حجاج بيت الله: إنكم تتوجهون إلى بيت ربكم وحرماته، إلى أمكنة فاضلة تؤدون فيها عبادة من أفضل العبادات، لستم تريدون بذلك نزهة ولا فخرا ولا رياء، بل تريدون عبادة تتقربون بها إلى الله، وتخضعون فيها لعظمته. فأدّوها كما أمرتم، وعظموا شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب.
      حجاج بيت الله: تذكروا أنه في يوم من الأيام، جاء إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، بهاجر وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعها عند مكان البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعها هناك ووضع عندها جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم مضى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟، قالت  ذلك مرارا، وجعل إبراهيم لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لن يضيعنا، ثم رجعت .
  فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل البيت ثم رفع يديه ودعا بهذه الدعوات: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون". الآيات. (ابن الأثير في الكامل).
قال الرازي رحمه الله في الفخر: كلمة "مِن" في قوله تعالى: "فاجعل أفئدة من الناس" تفيد التبعيض، والمعنى: فاجعل أفئدةَ بعض الناس مائلة إليهم. قال مجاهد لو قال: أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم والترك.
    فاشكروا الله ـ حجاج بيت الله ـ أن جعلكم الله هذا العام من هؤلاء الناس. واغتنموا هذه الفرصة وابتدروها، فإن لكم مكانة متميزة عند الله.
فماذا يكون جزاء من ترك بيته وأهله متحملا مشاقّ السفر والتَّرحال حتى يصل إلى بيت الله؟ روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز ّوجلّ ليباهي الملائكة بأهل عرفة، يقول: انظروا عبادي شعثا غبرا".
      فهذا الحديث ـ عباد الله ـ خير دليل على مكانة الحاجّ عند الله عز وجل، فمعنى الحديث: أن الله تبارك وتعالى يخاطب ملائكته يوم الحج الأكبر، مفاخرا بعباده الصالحين الطائفين، فيقول لهم: انظروا إلى هؤلاء الحجاج، الذين قدموا مكة المشرّفة والكعبة المطهرة، جاءوا من بلاد نائية وأقطار بعيدة، وتحمّلوا في سبيل ذلك تعب السفر ومشاقّ الترحال حتى بَدَت رؤوسهم مغبرّة، متفرِّقة الشعر، وتغيَّرت ألوانهم بسبب الغبار، فانظروا إليهم معجبين بهم.
    حجاج بيت الله: هذه منزلتكم عند الله، فلا تجعلوا الدنيا أكبر همّكم ولا تحولوا عبادة ربكم إلى قصد المادة فترجعوا بالصفقة الخاسرة.
     أيها الحجاج: كونوا خير سفراء لبلدكم في تلك الأماكن الطاهرة، والتزموا بالخلق الإسلامي الرفيع في التعامل مع اخوانكم الحجاج، عليكم أن تظهروا ما تنطوي عليه كلمة "جزائري" من قيم وفضائل ومعاملة وسلوك، أنتم اصطفاكم الله واختاركم من بين ما يقارب الأربعين مليونا، وجعل أفئدتكم تهوي إلى تلك الأماكن الفاضلة، تحقيقا لدعوة سيدنا ابراهيم عليه السلام عندما دعا الله قائلا: "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم". إبراهيم:37.  وعظموا شعائر الله لتجْنُوا في نهاية رحلتكم ثمرة التقوى. قال تعالى: "ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ".  الحج: 32 .
      واعلمواـ حجاج بيت الله ـ أنّ المسبحة والسواك والهدايا، ليست هي المطلوبة منكم، وإن كانت مستحبة ومندوبة. كما ذكر ذلك الشيخ محمد سيدي عبد الواحد بن عاشر وهو يوصي الحاج:
وسَـــــــــل شــفاعة وخـتــــــــما حـــسنا     وعجـّـــل الأوبـة إذ نلت المـنى
وادخل ضحًى واصحب هدية السرور إلى الأقارب ومـن بك يــــــدور
 بل المطلوب ـ يا رعاكم الله ـ أن ترجعوا، وقد بدأتم مع الله حياة جديدة، وفتحتم صفحة بيضاء. فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
اللهم وفق حجاجنا للإخلاص في القصد، والإصلاح في العمل.. آمين.

الخطبة الثانية
       الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
      أما بعد، فيا حجاج بيت الله: إن الله سبحانه وتعالى جعل الحج مع الإستطاعة فرضا على المسلمين، قال تعالى: "ولله على الناس حَجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ". آل عمران:97. وفرض على الحاج شروطا وألزمه واجبات– عُلُّمْتموها– فعليكم اعتبارها ومراعاتها إذا رغبتم في قبول أعمالكم، قال تعالى: "الحج أشهر المعلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولـي الألـــباب". البقرة:197.
   فتزودوا – إخواني – بالتقوى لحجكم، واتصفوا بها لحياتكم ومعادكم، واجعلوا التوبة من كل كبيرة وصغيرة توبة نصوحا خالصة لله.
  إخواني الحجاج: أنتم ذاهبون إلى هناك، ولسان حال الواحد منكم يقول:
لما سمعتُ نداء الله يدعوني        شددت مئزر إحرامي ولبيتُ
 وقلتُ للنفس جدِّي الآن واجــتـــهدي وساعديني فهذا ما تمنيتُ
 لو جئتكم زائرا أسعى على بصري لم أقض حقا وأي الحق أديتُ
      جعل الله حجكم مبرورا وسعيكم مشكورا وذنبكم مغفورا وردّكم إلينا سالمين غانمين، وغفر لنا ولكم وللمسلمين أجمعين، اللهم زودهم التقوى واغفر ذنوبهم ولقّهم الخير حيثما توجهوا يا رب العالمين. اللهمّ ونحن قد حبسنا العذر فلا تحرمنا الأجر. ونسألك اللهم موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل ذنب والغنيمة من كل بر، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، اللهم وألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى وخذ بناصيته إلى البر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة التي ترشده إلى الخير وتعينه عليه يا ذا الجلال والإكرام، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين. 

24 يونيو 2017



الموضوع:  بأي حال عدت يا عيد؟.

الخطبة الأولى

      الله أكبر - 6  مرات- الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تحصل الدرجات، وبكرمه تبدل الخطيئات، الحمد لله على تمام الشهر وكمال الفضل، فالفضل لك وحدك لا شريك لك يا ألله؛ فتقبل منا وأعفُ عنا وتجاوز عن تقصيرنا وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها.
إنه العيدُ جاءَ ضيفًا عزيزًا * فاكتُبُوا بالمِدادِ فيضَ التهاني
كبّرُوا اللهَ، عَلَّ تكبيرةَ العيدِ* تَضَخُّ الضميرَ في الشريانِ
     ها هي صفحات الأيام تُطوَى، وساعات الزمن تنقضِي. بالأمس القريب استقبلنا حبيبا واليوم نودعه، ولئن فاخرتِ الأمم مَن حولنا بأيامها وأعيادها فإنما هي تضرب في تيهٍ وتسعى في ضلال، ويبقى الحق والهدى طريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فالحمد لله الذي هدى أمة الإسلام سبيلها وألهمها رشدها، وخصها بفضلٍ لم يكن لمن قبلها.
      أطلِق بصرَك لترى هذه الأمة المرحومة مع إشراقة هذا اليوم تتعبّدُ الله - عز وجل – بالفطر، كما تعبّدته من قبل بالصيام، فلله الحمد والمنة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام..
     أما بعد، فيا معاشر المسلمين: إن يومكم هذا يومٌ عظيمٌ، وعيدٌ كريمٌ، إنه يومُ شكرٍ لله على إكمال عدة رمضان، ويوم ذكرٍ لله على أن هدانا للإيمان، قال تعالى: "ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون". البقرة: 18.
    هذا يومٌ يوفي الصابرون فيه أجورهم بأحسن ما كانوا يعملون، ويُكْرِم اللهُ فيه عباده بالفضل العظيم على ما كانوا يصنعون. عن أبي سعيد بن أوسٍ الأنصاري عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادوا: أغدوا معشر المسلمين إلى ربٍّ كريم، يَمُنُّ بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا، نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة". رواه الطبراني في المعجم الكبير.
     فبشرى لكم – أيها الصائمون – إيمانا واحتسابا، عاقبةٌ حميدةٌ وقدومٌ على الله مفرح. قال صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه". رواه البخاري. فيا ربَّنا قد أذقتنا فرحة الفطر وتفضّلت علينا بالصيام، فجد علينا وتفضل بمحبة لقائك والفرح برؤيتك .
   أيها المسلمون: العيد في الإسلام هو اليومُ الذي يعودُ ويَفرح به المسلمون، فها هو العيد قد عاد، فينبغي للمسلمين أن يفرحوا؛ لأنَّهم أدَّوْا ما عليهم من طاعة لله ربِّ العالمين، فهنيئًا لكم بهذا اليوم المبارك، هنيئًا لكم بحلول هذا العيد السعيد، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن السعادة في العيد لا تكمن في المظاهر والشكليات، وإنما تتجسد في المعنويات وعمل الصالحات، ويومكم هذا يومٌ أنور أزهر ويومٌ محجَّلٌ أغر. فالله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..  
    فاشكروا الله على ما من به عليكم من إكمال شهر الصيام، واسألوه أن يتقبل منكم ما قدمتموه فيه من الصيام والقيام، واذكروا في يوم عيدكم نعمة الله عليكم مما تنعمون به من حلول العيد المبارك في أمن وأمان وصحة وخير وسلام وإيمان، فهذه النعم سلبها كثير من الناس. فاستقيموا على الطاعة، وتزودوا من العبادة، وابذلوا المعروف، وقوموا بأوامر الدين، وساهموا في بناء مجتمعكم وأمتكم ونشر الخير والأمن والمحبة والتآلف فيما بينكم، تسعدوا في دنياكم وأخراكم .. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
    عباد الله: إن الذاكرةَ ملكةٌ مستبدة، قد تفرض على المرء أمورًا لم يكن يريدها ولا يريد أن يريدها. فلَست أدري وأنا أعدّ خطبة العيد لماذا يُدَوي في مسمعي دَويَّ الطبل قول أبى الطيب المتنبي وقد ترك مصر في مثل هذا اليوم، وهو يُنشد:
عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ  * بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيه تجْديدُ
    فقلت لعل أبا الطيب المتبني عندما كتب هذه القصيدة كان يدرك ما سيحدث في الأمة العربية من أزمات، ونكبات تضعفها وترهقها، فهذه (العراق وسوريا وليبيا واليمن)، وغيرها من الدول التي يعيش أهلها أحداثا جميعها تفوح برائحة الدم والدمار والقتل. وتلك دولٌ أخرى يحيا أهلها على فتن كالنار تحت الدخان، والله المستعان.
     في يوم العيد نقلب أنظارنا في حال الأمة يمنة ويسرة، وجراحات المسلمين ضاربة أطنابها شرقاً وغرباً، فنذكر قصيدة المعتمد بن عباد (1040 – 1095)  ملك أشبيلية في الأندلس الذي أسره يوسف بن تاشفين أمير المرابطين وحبسه في منطقة أغْماتَ بالقرب من مدينة مراكش بالمغرب، ومنع عنه أي عطاء، حتى اضطرت بناته أن يغزلن الصوف ليوفّرن له ولأنفسهن القوت، فلما رأى بناته بعد أن أتين لزيارته حافياتٍ وكسيراتٍ فقيراتٍ في أول عيد يأتي عليه وهو سجين، أنشد هذه القصيدة التي تفيض أسى وحزناً، وكأنه اختزل لنا هذه الحال في تلك، فقال:    
فيمـا مضى كنت بالأعياد مسروراً * فساءك العيد في أغمات مأسورا
تــرى بناتك في الأطمـار جائعة * يغزلن للناس ما يملكـن قطميرا
يـطأن في الطين والأقــدامُ حافـيةٌ * كأنها لم تطأ مسكـا وكافورا
   نعم للأسف.. إن إخواناً لنا في العالم الإسلامي بناتهم ونساؤهم "يطأن في الطين والأقــدام حافـية"، والرجال أهلكتهم الحروب وأرَّقتهم الخطوب، وأقلقتهم الفتن؛ أُرِيقت فيهم الدماء ونُهبت الأموال ودمّرت البلاد. كم عمَّ في كثير من البلاد الإسلامية من فتن وضلالات، فرَّقت الأمة ودمَّرت البلاد، دمروا بلادهم بأيديهم قبل أيدي أعدائهم، وفسحوا المجال لتدخل الأعداء في شئونهم، فتن فرّقت القلوب ومزّقت الشمل. وتناسينا فلسطين الجريحة.
كانت فلسطين موالاً لأمتـنا * ما بالها لم تعد للناس موالا
تعددت يا بني قومي مصائبنا * فأقفلت بابنا المفتوح أقفـالا
كنا نعالج جرحاً واحدا فغدت * جراحنا اليوم ألوانا وأشكالا
      أيها المسلمون: الوضع خطير والجرم كبير والفساد عريض، فتنٌ أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "فتنٌ يرقق بعضها بعضاً"، ما تأتي فتنة عظيمة إلا ويعقبها ما هو أعظم وأشد منها، كل ذلك بأسباب ذنوب العباد وإعراضهم عن شرع الله وانخداعهم بآراء أعداء الله المندسين بين صفوفهم المريدين تدميرهم من حيث لا يشعرون، نسأل الله أن يثبتنا على دينه وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهديَ الجميع إلى صراطه المستقيم.
    فاحمدوا الله على ما أنتم فيه من نعمةٍ وخير ولا تنسوهم من دعوات صالحة بأن يؤلف الله بين قلوبهم ويصلح حالهم ويؤمّنهم في أوطانِهم وأن يصلح أئمتهم وولاة أمورهم وأن يوفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
     ألا وتذكروا ـ رحمكم الله ـ أيضا إخواناً لكم أقعدهم المرض في البيوت، أو همُ في المستشفيات على الأسِرَّة البيضاء يرقدون، منهم من أمضى الشهور الطويلة، لا يغمَض لهم جفن ولا يهدأ لهم بال، فهم في آلامٍ متعبة وأوجاعٍ مؤلمة، فلا تنسوهم من دعوة صالحة، أن يشفي الله مريضهم، ويزيل بأسهم، ويفرج همَّهم، ويكشف كربتهم.
     أيها المسلمون: إذا كانت أيام العيد مِدعاةٌ للفرح بفضل الله تبارك وتعالى، فإنما هي في الوقت نفسه أيام تتجلى فيها ظاهرة المساواة والحس الإجتماعي في الأمة الإسلامية، فالذين لفّهم ذلك الإطار النوراني إمساكا عن الطعام والشراب من الفجر إلى الغروب خلال شهر رمضان، هم الذين يشاركون بعضهم البعض الفرحة بهذه الشرعة المباركة. فما العيد في نظر الإسلام إلا لمسة حنان ورحمة، يمنحها المسلم فيمسح بها الدموع من العيون، ويزيح الكآبة من النفوس، ومن أولى بالمسلمين بأن يكونوا متضامنين متعاونين متحابين، ونبيهم صلى الله عليه وسلم يقول: "والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، افشوا السلام بينكم تحابوا".؟ رواه أبو داود وغيره.
    فعلينا أيها المؤمنون أن نصفي أنفسنا ونطهر قلوبنا من الحقد والغِلِّ والحسد، فإن أناساً بلغوا أعلى المنازل لا بكثرة صلاة وصيام وقيام، وإنما بصفاء صدورهم، وسلامة قلوبهم. قال سفيان بن دينار: قلت لأبي بشير: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟، قال: كانوا يعملون قليلا ويؤجرون كثيرا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم.
فاللهم إنا نسألك صدورا سليمة، وقلوبا طاهرة نقية، واجعل لنا مواسم الخيرات مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات إلى رحمة الله طريقا وسلما، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
الخطبة الثانية

     الله أكبر -6- الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. الحمد لله الذي علا بحوله، خلق فسوّى وقدّر فهدى، سهّل لعباده طرق العبادة ويسّر، وتابع لهم مواسم الخيرات لتزدان أوقاتهم بالطاعات. أنعم علينا بتيسير الصيام والقيام، وجعل ثواب من فعل ذلك تكفير الخطايا والآثام، ودخول الجنة دار السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأوليــن والآخرين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
    أما بعد، فيا أيها المسلمون: هذا يوم مبارك، جمعكم الله فيه على طهارة وتقوى، تودّعون شهر رمضان الذي انصرم وصعد إلى ربه ومعه صحائف أعمالنا، وسوف نحاسب عليها، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.  والله تبارك وتعالى إذا قبل عمل العبد وفّقه للعمل الصالح بعده، فقد قيل: "ثواب الحسنة الحسنة بعدها"، فمن عمل حسنة ثم أتبعها سيئة، كان ذلك دليلا على عدم قبولها، لقد سئل بعض الصالحين عن رأيه فيمن يعبدون الله في رمضان ثم يعودون بعده إلى العصيان؟، فقال: "هم بئس القوم، لا يعرفون الله حقا إلا في رمضان".
    فيا رعاكـم الله: تابعوا فعل الحسنات، يمح الله لكم بهنّ الخطيئات، قال تعالى: "وإني لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى".  طه:82. الله أكبر.
     وقد آن لكم أن ترجعوا راشدين إلى بيوتكم على غير الطريق التي أتيتم منها، فاعلموا أنكم في الدين إخوة، فحققوا هذه الإخوة بالتآلف والتحابّ بينكم. فتصافحوا وتزاوروا وتبادلوا التهاني، وليسلم بعضكم على بعض، فالسلام يغرس المحبة والألفة، والهجر يوجب البغضاء والوحشة، وتذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا هجرة فوق ثلاث، فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار". رواه الإمام أحمد. وليست المحبة قولا باللسان، ولا تعبيرا بالأركان، وإنما هي ميل القلب واطمئنانه إلى الأخ المسلم، فلتتصافحِ القلوب قبل أن تتصافح الأيدي، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أ كبر، ولله الحمد..
  هنيئاً لكم، ومبارك عليكم عيدكم، ووصيتي لنفسي ولكم: استمرار عبوديتنا لله وطاعتنا له وتقوانا وخشيتنا، حتى يُختمَ لنا بالخير والإيمان، ونسعد في الدنيا والآخرة، وكل عام وأنتم بخير، والأمةُ الإسلاميةُ في عزة ورفعة وتأييد ..
  اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واحشرنا في زمرة خير الأنام. اللهم اجعل شهرنا شاهدا لنا بأداء فرضك، ولا تجعلنا ممن جد واجتهد ولم يرضك، اللهم ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك ونسأل تمامها في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا. اللهم أعد علينا من بركات هذا اليوم وأعد أمثاله علينا ونحن نتمتع بالإيمان والأمن والعافية، واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم وانصر المسلمين في كل مكان واجعلهم في الخير متعاونين، وأيّد بروح منك إخواننا في فلسطين وأهلك عدوهم واستخلفهم في أرضهم وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا إنك على كل شيء قدير، اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين وأقض الدين عن المدينين ويسر أمور المسلمين أجمعين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، اللهم واحفظ بناتنا ونساءنا وقهن التبرج والسفور وثبتهن على الهدى والطريق المستقيم. اللهم ارحم المنكوبين والجوعى والخائفين والمظلومين، اللهم واغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا، برحمتك يا أرحم الراحمين. وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. اللهم واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين.