12 أكتوبر 2017

 الموضوع: يوم17 أكتوبر 1961، محطة من تاريخ الجزائر كتبت بباريس  

 الخطبة الأولى

     الحمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهَد أنَّ نبيَّنا وسيِّدنا محمّدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلّى الله وسلّم تسليما كثيرا عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه..
    أما بعد، فإنّ من سنن الله التي تجري عليها الوقائع والحوادث، المسماة في القرآن بأيام الله تحتاج إلى من يستخرجها ويذكِّر الناس بها، وهي تجري على البر والفاجر والمؤمن والكافر، قال تعالى عن نبيه موسى على نبينا وعليه السلام: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ". إبراهيم:5. 
 ففي هذه الآية الكريمة توجيهٌ إلهي لنبي الله موسى على نبينا وعليه السلام أن يذكّر قومه بِـ "أيام الله".
    فما المقصود بهذه الأيام؟
     الأيام من الناحية الزمنية كلها أيام الله، فهو سبحانه خالق الزمان والمكان، وخالق كل ما يحيط بنا في هذا الكون الفسيح، إنما المقصود بالأيام، تلك الأزمنة التي انتصر الله تعالى فيها لأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وتحقّقت فيها العزّة لدين الله والنصر لأوليائه ولقيم الحق، وعلى هذا يكون معنى الآية: ذكّرهم بأيام انتصارات الأنبياء والمؤمنين على أولئك الظالمين المعاندين.
     فكل يوم حصل فيه حدثٌ مصيري في تاريخ البشرية أو تاريخ مجتمع من المجتمعات، فإن ذلك اليوم يُعدُّ من أيام الله، لما فيه من عِبَر ودروس ومواعظ يتعلّم منها الإنسان، وتتعظ منها الشعوب والمجتمعات..
   عباد الله: وإن في تاريخ وطننا لأياما خالدة، ترسّخت في ذاكرة هذه الأمة وافترشت قلوب أبنائها، تروي مسيرة هذا الوطن الغالي على امتداد  التاريخ. إنها محطاتٌ ناصعةٌ ومنعطفاتٌ تشكّل لحظات مصيرية تؤرّخ لهذا البلد العظيم الذي ارتوت أرضه بدماء من ضحّوا بحياتهم في سبيل أن ننعم بالحرية والاستقلال.    ..
   وما يوم 17 أكتوبر 1961م إلا محطّة من أهم المحطات في تاريخ الجزائر التي تستحق كل الاهتمام والتقدير لاستلهام الأسلوب الفريد من نوعه في ثورة التحرير الجزائرية، وذلك في قهر المستحيل وجعله ممكنا!..
   أيها الأعزاء: في الخامس من أكتوبر 1961 أصدر محافظ شرطة باريس "موريس بابون" أمرا بحظر تَجوال الجزائريين من الساعة الثامنة مساء وحتى الخامسة والنصف صباحا، واعتبر المهاجرون الجزائريون وقتها هذا الحظر إجراء عنصريا وتعسفيا.
   في مثل هذا يومنا هذا، وفي قلب باريس خرج الآلاف من المهاجرين الجزائريين عزّلا امتثالاً لأوامر قادة الثورة الجزائرية في مظاهرات سلمية، قدموا من عدّة مدن فرنسية مختلفة، من أجل الدفاع عن حريتهم وكرامتهم، مندّدين بقرار الحظر، ثم ليبلّغوا السلطاتِ الفرنسية بمطالب عبّرت عنها شعاراتهم، كان أهمّها "فليسقط حظر التَّجوال، تفاوضوا مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، الإستقلال للجزائر، تحيا جبهة التحرير".
   وهذه المظاهرات لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت تعبيرا صادقا على مدى الوعي الذي وصل إليه الشعب الجزائري في ظل الهيمنة الاستعمارية التي حاولت بكل ما أوتيت من قوة طمس مقوّماته وإخماد وطنيته، لكنهالم تفلح في ذلك، نظرا لإيمان هذا الشعب بقضيته العادلة التي كانت تتطلّب منه نضالا مستميتا وشجاعة نادرة..
    ولكن أيدي السفاحين واجهتهم بالحديد والنار والقتل، وإلقاء العديد منهم من جسر "سان ميشال" إلى "نهر السين" وهم أحياء، وزجّ بآخرين في السجون والتفنن في تعذيبهم.
    ما كان ذنبهم إلا أنهم خرجوا في مسيرة سلمية احتجاجا على إصدار مرسوم حظر التجوّل الذي فرضه السفاح "موريس بابون"على الجزائريين في ظل ديمقراطية غربية؟
     وكانت نتيجة الجريمة في هذا اليوم والأيام الثلاثة الموالية: أكثر من 300 قتيل، ومئات المفقودين وأكثر من 1000 جريح، و14.094 جزائري في مخافر الشرطة الفرنسية تحت التعذيب.
     فعلا.. كانت مظاهرات 17 أكتوبر 1961 حلقة مهمّة في تاريخ الثورة التحريرية، فلقد هزّت فرنسا من الداخل، لأنها كانت تعبيرا صادقا عن قوة وإيمان الجالية المهاجرة بحتمية ثورة نوفمبر وتحدّيا كبيرا لأعتى قوة استعمارية وتحسيسها بأن إرادة الشعوب لا تقهر.
   أيها الأعزاء: إن يوم 17 أكتوبر 1961 محطّة من تاريخ الجزائر كتبت بباريس، وستبقى راسخة في أذهاننا، تخليدا لذكرى الشهداء الذين كانوا يدافعون عن حقهم في المساواة، وحقهم في الاستقلال، وحق الشعوب في تقرير مصيرها..
    واليوم مثل الأمس، يوجد شباب قادرون على رفع كلّ التّحديّات مهما كانت صعبة؛ لأنه لا مستحيل مع الأمل، والجزائر تستحق كل التضحيات من أبنائها الذين لا يمكنهم أبدا أن يخذلوها؛ فهم خير خلَف لخير سلَف.
    ألا فكونوا ـ رحمكم الله ـ كذلك، ولتحيا في نفوسكم المعاني التي كانوا يجسدها أولئك، ولتتعمق في قلوبكم المبادئ التي وهبوا حياتهم من أجلها، فتاريخ وطننا تاريخ عميق، ووطننا وطن عزيز، ترفرف حوله أرواح شهدائنا الأبرار الذين سالت دماؤهم الزكية مرددين: الله أكبر، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين..
     اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واجعل درجاتهم في عليين، وارزقنا السير على طريقهم يا رب العالمين، هذا ما قلت، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وصلاة الله وسلامه على أشرف المرسلين.
      أما بعد: فإن مظاهرات 17 أكتوبر 1961 صفحة هامّة في تاريخ كفاح الجالية الجزائرية المقيمة بالمهجر، كانت تعبيرا صريحا للجزائريين على رفضهم للمستعمر سواء كانوا داخل الوطن أو خارجه، تحدّوا بذلك جميع أنواع الممنوعات، وأظهروا للسلطة الاستعمارية أنهم مع إخوانهم في الجزائر ملتزمون بكل عزمٍ بالكفاح الذي يخوضه الشعب الجزائري برمّته من أجل استعادة سيادته المسلوبة واسترجاع قيمه الوطنية..
    ولقد كانت هذه المظاهرات بمثابة دفع قوي للثورة الجزائرية خارج حدودها الإقليمية، حيث نقل المهاجرون الرعب والإضطراب إلى قلب عاصمة المستعمر، مما فرض عليه تسريع وتيرة المفاوضات التي انتهت بخضوع فرنسا لإرادة التحرّر التي تمسّك بها الجزائريون إلى آخر رمق رغم الآلام والتضحيات الجسام ، وها هو هذا اليوم يخلّد في الذاكرة التاريخية للجزائريين باسم: يوم الهجرة، تخليدا لتلك الأحداث الراسخة على صفحات التاريخ الجزائري.
    ولكن ـ أيها الأحبة ـ ما قيمة التاريخ إذا كان قراءة للأحداث دون استيعاب، ولَوْكًا للماضي دون عبرة، وتغنّياً به من غير استخلاصِ الـموجب الخلاقِ لإثراء الحاضر بالتجارب العظيمة، ومــدِّه جسرا إلى الـمستقبل بمزيد من التصميم والحماســة والإقبال.
   فإن في تاريخ هذا اليوم درسا يهزّ منا السواكن، ويَشحَذ فينا الإرادة، ويُهيئ لنا ولكم أيها الشباب السّبل القويمة للإتعاظ بعبَر الأسلاف..
    ألا فليعلم الجميع أنّ الأمنَ واللحمةَ الوطنية وتماسكَ المجتمع وحمايةَ المُقدَّسات هي أعلى وأغلى ما نملِك بعد عزِّ الإسلام وحفظ الدين، وأن هذا الوطن ـ بعون من  الله ـ شارك في صنعه آباؤنا وأجدادنا، ويسهر عليه ـ بتوفيق من الله ـ رجال من أبناء هذا الوطن، يحفظون أمننا ومقدَّساتنا وسعادتنا وأحوالنا وأموالنا وأنفسنا وأهلينا.
     والسّاحة للصادقين المخلصين، والانتماء الوطني هو الأغلى، وتيّار الحقّ والكرامة هو الأقوى، في عدالة سائدة وحرية منضبطة وشعور جماعيّ بالحفاظ على الوطن والممتلكات والمكتسبات، والبعد والتصدّي لكلّ فتنة أو مسلك أو دعوة تهدّد الوطن ووحدته والمجتمع وعيشه.
    ألا فكونوا صفّا واحدا في كتيبة واحدة متراصّة لمواصلة الطريق، متعاونين على البرِ والتّقوى لا على الإثم والعُدوان، وحافظوا على تراثكم المجيد، ومجدكم العظيم، الذي ورثتموه عن أسلافكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون.
      نسأل اللهَ سبحانه أن يغمر أرواح شهدائنا ـ الذين عبدوا لنا طريق العزة والكرامة ـ برحمته، وأن يمتّع المجاهدين الباقين بالصحة والعافية، وأن يمكّن لناشئتنا من أسباب الرقي والسؤدد ما يجعلهم خير خلف لخير سلف..

     اللهم بارك في الجزائر، أرضِها وسمائها وأكثر خيرها في بَرِّها ومائها، واجعلها بلدا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

04 أكتوبر 2017



الموضوع: الشأن في الزكاة أن يأخذها آخذ، ويردها رادّ..

الخطبة الأولى
    الحمد لله مستوجب الحمد برزقه المبسوط، وكاشف الضرّ بعد القنوط، الذي خلق الخلق وبسط الرزق. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أفاض على العالمين أصناف الأموال، وابتلاهم فيها بتقلب الأحوال، أحمده سبحانه وأشكره، والشكر واجب له على كل حال. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وضع أسس التكافل بين الجماعة الإسلامية، فوثق الروابط وشد الإخاء. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
  أما بعد: فأوصيكم ـ عباد الله ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، فمن اتقى الله كفاه، ومن اتقى الناس لن يغنوا عنه من الله شيئًا. أوصيكم بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، الواعظون بها كثير، والعاملون بها قليل، جعلنا الله وإياكم من المتقين.  
     أيها المسلمون: إن الزكاة من أكبر آيات الإيمان، وموجبات الثواب والرضوان، إنها تبوئ غرف الجنان. وهي زكاة بما تحمله من اسم طيّب، تزكي الأنفس والأبدان والأموال. قال تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم". التوبة:153.
   وإننّي في هذا المقام، لا أريد أن أتحدث فرضية الزكاة، ولا عن من تجب عليهم، ولا عن وعائها ومقاديرها ومصارفها، فإن ذلك له وقت آخر، ولكن أريد أن أقف اليوم لتعلموا:
    أن الزكاة ليست منحة من القادرين للمعوزين، أو نحلة من الموسرين للمحتاجين، وإنما هي حق للفقير والمحتاج، أُودع لدى الغني الموسر أمانة عنده، يقوم على حفظها ورعايتها. وعليه أن يردّ الوديعة والأمانة إلى صاحبها. وهذا هو الأسلوب الذي أدبنا به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث استخدم لفظ إعادة الحق إلى أهله الفقراء والمحتاجين. لقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن قائلا: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هـم أطـاعـوا لذلك، فأعلمهم أن الله عز وجل افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تأخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".  رواه الجماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
     ثم لتعلموا-أيها المسلمون ـ: كذلك أنّ الزكاة هي أرفع أركان الإسلام شأنا. وأكثر أوامره ذكرا، وأوفر مقاصده عناية، ولو ذهبنا نستقصي ما نزل في القرآن الكريم من الآيات في العبادات، لوجدنا أن آي الصوم في القرآن أربع آيات، وأي الحج بضع عشرة آية، وآي الصلاة لا تبلغ الثلاثين، أما آي الزكاة والصدقة فإنها تربو على خمسين. لذا أكد النبي صلى الله عليه وسلم فرضيتها وبين مكانتها في دين الله، ورغّب في أدائها ورهّب من منعها بأحاديث شتى وأساليب متنوعة. أذكر منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني بشدقيه– ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية: "ولا تحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة".
     لعلكم–عباد الله–من ذكر هذا الحديث تدركون أهمية الزكاة في الإسلام، فهي ليست فرعا ولا نافلة، ولا بالقدر الذي يخفي أثره في حياة الفرد والمجتمع.
   ذلكـم أيهـا المسلمون: إن الزكاة ليس حقا موكولا للأفراد، يؤدّيه منهم من يرجو الله والدار الآخرة، ويَدَعه من ضعف يقينه بالله والدار الآخرة، كلا!. إنها ليست إحسانا فرديا، وإنما هو تنظيم اجتماعي تشرف عليه الدولة، وهو من واجباتها الأساسية. قال تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور". الحج 41 .
     ولقد كان صلى الله عليه وسلم يوجّه ولاّته وسعاتـه إلى الأقاليم والبلدان لجمع الزكاة، ويأمرهم أن يأخذوا الزكاة من أغنياء البلد ثم يردونها على فقرائه، ولقد سمعتم آنـفا حديـث معاذ بن جبل المتفق عليه. وشاهدنا منه قوله صلى الله عليه وسلم: "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم...". فبين الحديث: أن الشأن في الزكاة أن يأخذها آخذ، ويردها رادّ، لا أن تترك لاختيار من وجبت عليه.
     قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر:"… استُدِل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منهم أخذت منه قهرا". فتح الباري 5/123. هذا هو الذي جاءت به السنة القولية، وأكدته السنة العلمية، والواقع التاريخي الذي جرى عليه العمل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده.
      وبهذه المناسبة فإني أدعو أولئك الذين آتاهم الله من فضله، أن يخرجوا زكاة أموالهم طيبة بها أنفسهم، واضعيها في الحساب البنكي لهيئة الزكاة. لتقوم نيابة عنهم بتوزيعها وصولا إلى أصحاب الحاجة، خاصّة الذين لا يسألون الناس إلحافا، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.
    ولقد جُبل الجزائريون- مثل إخوانهم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها- على فعل الخير وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حيث الأفراد يتولون إخراج زكواتهم، ويقومون بأنـفـسهم بالسؤال عن المحتاجين، وتفقد الفقراء وإيصال الزكاة إليهم لسد حاجتهم ويعانون في ذلك مشقة في إخراجها والبحث عن مستحقيها،  والحال هذه، فإن الزكاة لا تؤتي ثمارها، لذا ارتأى الخيّرون من هذه الأمة– بارك الله جهودهم– على إيجاد نظام حديث ومتقدم، يرعى شؤون الزكاة – يتولى جمعها وتوزيعها في أبواب الزكاة المشروعة، وكان بحمد الله صدور القانون بإنشاء هيئة الزكاة .  
   فاتقوا الله عباد الله: وأدُّوا زكاة أمولكم طيبة بها أنفسكم. ضعوها في صندوق الزكاة، أدّوها من ولاه الله أمركم، فمن برّ فلنفسه، ومن أثم فعليها، قـال تـعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله .... ما كنتم تكنزون". التوبة: 34.
     أقول قولي هذا....

الخطبة الثانية
   الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمد عبده ورسوله الأمين، صلى الله عـلـيـه وعـلـى آلـه وصحـبـه أجمعين.
     أما بعد: فقد روى مسلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدّي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، كلما مضى عليه أخراها رُدّت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدون. ثم يرى سبيله إما إلى الجنة أو النار".
   فاتقوا الله، عباد الله: وأدّوا زكاة مالكم طيبة بها أنفسكم، مبرهنين على إنسانيتكم وإيمانكم، كفكفوا دموع اليتامى والأيامى من إخوانكم وأخواتكم، وانهضوا بهذا المشروع. وأدّوها إلى لجنة الزكاة التي تعمل على سعادتكم، "وأنـفـقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".
    اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم أكفنا بحلالك عن حرامك واغننا بفضلك عمن سواك يا رب العالمين، اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبيل السلام. واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، ووفق– اللهم- ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى يا ذا الجلال والإكرام. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين. 

19 سبتمبر 2017



الموضوع: وقفة حساب في مطلع العام الهجري الجديد.

الخطبة الأولى
       الحمد لله الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، وتبارك الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا من ذوي الألباب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ومنه المبتدى وإليه المنتهى والمآب. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل من تعبد لله وأناب. اللهم صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم وسلم تسليما.
      أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، وتبصروا في هذه الأيام والليالي، فإنها مراحل تقطعونها إلى دار الآخرة، حتى تنتهوا إلى آخر سفركم. وكل يوم يمرّ بكم فإنه يبعدكم من الدنيا ويقربكم من الآخرة، فطوبى لعبد اغتنم فرصها بما يقربه إلى مولاه، وطوبى لعبد اتعظ بما فيها من تقلبات الأمور والأحوال، طوبى لعبد استدلّ من تقلباتها على ما لله فيها من الحكم البالغة والأسرار. "يـقـلـب الله اللـيـل والنهـار إن في ذلـك لعـبرة لأولي الأبصـار".       
    أيها المسلمون: ها نحن نودع عاما هجريا يمضي علينا شهيدا، ونستقبل عاما جديدا. فليت شعري! ماذا أودعنا في العام الماضي؟. وماذا نستقبل به العام الجديد ؟.
 فليحاسب العاقل نفسه، ولينظر في أمره، فإذا كان قد فرّط في شيء من الواجبات، فليتب إلى الله وليتدارك ما فات، وإن كان ظالما لنفسه بفعل المعاصي والمحرمات، فليقلع عنها قبل حلول الأجل والفوات، وإن كان ممّن منّ الله عليه بالاستقامة، فليحمد الله على ذلك، وليسأله الثّبات إلى الممات.
    أيها المسلمون: إننا نستقبل عاما هجريا جديدا ليس من السنة أن نحدث عيدا لدخوله، أو نعتاد التهاني ببلوغه، فليس الغبطة بكثرة السنين، وإنما الغبطة بما أمضاه العبد في طاعة مولاه، فكثرة السنين خير لمن أمضاها في طاعة ربه، شرّ لمن أمضاها في معصية الله والتمرد على طاعته، فشرّ الناس من طال وساء عمله..
    روى البيهقي في شعب الإيمان أنّ الرسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوما فقال: "يا أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية، فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت، والذي نفس محمد بيده! ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا دار، إلا الجنة أو النار".
   وحدّث عبيد بن عمير فقال: "كان لرجل ثلاثة أخلاء، فنزلت به نازلة، فبدأ بأقرب الثلاثة إلى نفسه، يناشده العون، فتنكر له وتخلى عنه، ثم ذهب إلى الثاني فأمده بقليل من العون ثم تركه. وذهب إلى الثالث فهبّ لنجدته، وقال: أنا معك حيث تذهب وأيّان تكون، فالأول هو المال يخلفه الإنسان لأهله ولا يتبعه منه شيء، والثاني هم الأهل والعشيرة والصحب، يشيعونه إلى قبره ثم يتركونه وحيدا، والثالث عمله الصالح يبقى معه إلى يوم البعث والنشور". رواه ابن أبي شيبة في مصنفه.
قال أبو العتاهية :
نعى لك الشباب   المشـيـب     ونادتك باسم سـواك الخـطوب
فكـن مستعدا لريـب المنون     فــــإن الـذي هــــو آت قـريـب
وقبلك داوى الطبيب المريض   فعـاش المريض ومات الطبيب
يخاف على نفسه من يتـوب    فكيف تـرى حال من لا يـتوب
        فاتقوا الله-عباد الله-وليكن لكم من مستهل عامكم الجديد، بداية طيبة، بالإقبال على الطاعة، والبعد عن المعصية، واذكروا في ذكرى هجرة سيد الأنام المثل الرفيعة التي ضربها للأمة في الكفاح والصبر والإحتمال، ومكارم الأخلاق لتشقّوا بها الطريق إلى حياة العزة .
      وإن كانت الأمة الإسلامية تمرّ بما تمرّ به، فلنتذكر قول الحق تبارك وتعالى: "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا". (الانشراح:5ـ6). وقوله تعالى: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب".  الطلاق:2ـ3.
       فلقد اعترضت كل العقبات سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم في طريق دعوته، ولكن بفضل توكله على الله وثقته به، وبفضل خوفه منه، ويقينه فيه، فلقد شرح له صدره، ويسر له أمره، ذلل له كل صعب، ويسّر له كل وعر، ووقاه كيد الكافرين. "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ".
    فاتقوا الله أيها المسلمون: وليكن لكم في ذكرى الهجرة ما يعظكم في حاضركم، وينفعكم في أولاكم وآخرتكم، وقفوا وقفة المهاجر بنفسه، وإن لم يهاجر بحسّه.
فلنهاجر إلى الله تعالى بقلوبنا وأعمالنا، فالمهاجر "من هجر ما نهى الله عنه"، ولنلجأ إلى الله ليكون ناصرنا ومؤيدنا، "إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ". 
  نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وأجارني وإياكم من سخطه وعقابه الأليم. وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم، آمين.

الخطبة الثانية

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد، أيها المسلمون: فإنّ الزمان هو عنصر وجود الإنسان وسبب بقائه ووعاء عمره الّذي يسطِّر فيه تاريخه ويَرقُم فيه إنجازاته ويخلِد فيه مجده وذكره ويودِع في طياته أخباره وآثاره التي تتناقلُها من ورائه الأجيال وتتحدَّث بها بعده الأيّام؛ بل هو مادّة حياة العبد الّتي يزرع فيها سعادتَه أو يبوء فيها بشقاوتِه؛ كلّ ذلك بحسب اغتنامِه له، واستفادتِه منه.
      يروى أن رحّالةً في أحد العصور القديمة قام برحلة إلى مدينة نائية، وأثناء جولته في منطقة تضم المقابر، استرعى انتباهه أنه مسجل عليها أعمار الموتى، وقد تجاوز كثير منهم المائة عام، إلا أن حياتهم تراوحت ما بين سنوات قليلة، أو أيام معدودة. مثلا: كتب على قبر فلان بن فلان عاش سبعين سنة وعمره عشر سنوات. فاستغرب الرحالة لحال هؤلاء القوم.
فسأل أحدهم عن حقيقة الأمر، فأجابه: بأن العمر الحقيقية عندنا إنما تقدّر بالأعمال العظيمة التي قام بها كل واحد منا. فصمت السائل برهة، ثم قال له: إذا وافتني المنية في بلدكم فاكتبوا على قبري: هذا الرجل مات قبل أن يولد!.
        ولذا تتابعت نصائح العلماء ووصايا الحكماء في الحثّ على اغتنام الأنفاس واللحظات والأيّام والسّاعات فيما يرجع على العبد بالنفع والخيرات، ومن تلك الوصايا العظيمة: وصيّة الحافظ ابن الجوزيّ لولده أبي القاسم -رحمهما الله تعالى- في كتابه (لفتة الكبد في نصيحة الولد) (ص6)؛ حيث قال له: "واعلم يا بُنيّ أنّ الأيّام تبسط ساعاتٍ، وأنّ الساعاتِ تبسط أنفاساً، وكلُّ نَفَس خزانةٌ؛ فاحذر أن تُذْهِب نَفَساً في غير شيء؛ فترى يوم القيامة خزانةً فارغةً؛ فتندَم" !.
      أما الفضيل بن عياض فقد قال لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ. فقال الرجل: إنا لله و إنا إليه راجعون. قال الفضيل: أتعرف تفسيره، تقول: إنا لله و إنا إليه راجعون!. فمن علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف، فليعلم أنه مسئول. فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما الحيلة؟. قال: يسيرة. قال: ما هي؟ قال : تحسن فيما بقي يغفر لك فيما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أُخذت بما مضى وما بقي، والأعمال بالخواتيم .
ألا فااتقوا الله ـ عباد الله ـ حق تقواه، وتوبوا إليه وأطيعوه تدركوا رضاه، واستدركوا عمرا ضيّعتم أوله، ولا تضمنون عمل الخير في آخره، فرحم الله عبدا اغتنم أيامه ولياليه.
     واعلموا- يا رعاكم الله- أنه قد أظلكم شهر حرام، الذي هو مفتاح لكل عام، وهو الإمتحان السنوي لإخراج زكاتكم، فأدوها طيبة بها أنفسكم، مبرهنين على إنسانيتكم وإيمانكم، كفكفوا دموع اليتامى والأيامى من إخوانكم وأخواتكم، وأروا الله فيه من أنفسكم خيرا، وأكثروا فيه من الصيام، واعمروه بالطاعة واجتناب الآثام، واتقوا الله لعلكم تفلحون.
       فاللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعل من ذكرى الهجرة في هذا العام للجزائريين قوّة، اللهم ارفع بها شأنهم، وركّز سلطانهم، وقوّ إيمانهم، وانزع الحقد والغل من قلوبهم يا رب العالمين. ربنا نسألك بعزتك التي أبطلت بها كيد الكائدين لنبيك وطمست بها أعينهم، فأخرجته من بيته وقد طوّقوه بالحديد والنار، وحفظته هو وصاحبه في الغار، نسألك بهذه العزة أن ترد عنا كيد الكائدين الطامعين المفرقين، وأن تحقن دماء المسلمين في كل مكان، اللهم وانشر علينا رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتصلح بها حالنا، وتؤلف بها بين قلوبنا يا أرحم الراحمين. اللهم واجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم أهل علينا  شهرك الحرام بالأمن والإيمان والخير والبركات يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.