09 نوفمبر 2017



الموضوع: الرجال لا يولدون..  بل يُصنعون.

الخطبة الأولى
      الحمدُ لله تفرَّدَ عزًّا وكمالاً واختصّ بهاءً وجلالاً، أحمده وأشكره تقدّس وتنزّه وتعالى، وأسأله جلّ في علاه إصلاحَ الشّأن حالاً ومآلاً. ونشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له أمرَ بعبادته غدوًّا وآصالاً وحذّرنا من التفريط والإهمال فما لكم لا ترجون لله وقارا، ونشهدُ أنَّ محمدا عبد الله ورسوله الداعي إليه سِرَّا وإعلانا والمنزَّلُ عليه قولُه تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسَكم وأهليكم نارا". صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين بلَغوا من المجد ظلالاً والتّابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
     أما بعد، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا لفظ البخاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة-رضي الله عنه: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
    أيها المسلمون: إن الرجال لا يولدون بل يصنعون، فالأطفال وخصوصا في سنواتهم الأولى قلوبهم طاهرة جواهر نفيسة خالية من كل نقش وصورة وهم قابلون لكل ما ينقش عليها، فإن عُوِّدُوا الخير والمعروف نشأوا عليه وسُعِدوا في الدنيا والآخرة وشاركوا في ثواب والديهم ولحقتهم دعواتهم، وإن عُوِّدُوا الشر والباطل شقُوا وهلكُوا وكان الوِزْرُ في رقبة والديهم. وما أجمل مقولة عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "الصلاح من الله والأدب من الآباء"، وما أجمل عبارة: "إن وراء كل رجل عظيم أبوين مربيين"، وكما يقول بعض أساتذة علم النفس: "أعطونا السنوات السبع الأولى للأبناء نعطيكم التشكيل الذي سيكون عليه الأبناء"، وقال الشاعر:
وينشأُ ناشئُ الفتيانِ مِنا * على ما كان عَوَّدَهُ أبُوهُ
     ومن هنا يجب أن نقول: إنه على الأب أو الأم وعلى المربي بوجه عام أن يتمتَّع بشخصية قوية حازمة في تربية ابنائه، وهذا لا ينفي أبدا إبداءُ الحنان والمحبة والعطف عليهم. وإنه من المعلوم أن الطفل يقوم بأنواع كثيرة من السلوكيات بعضها يقوم بها عشوائيًا لاكتساب التجارب الحياتية وبعضها تقليدًا للأفراد الذين يراهم في محيطه، أو ما يراه في الأجهزة المرئية من تلفزيون وغيره، وواجب الأبوين ملاحظة هذا السلوك وتعديل الخاطئ منه وتشجيعه على ما يكون صوابًا. فالأبناء في صغرهِم أكثرُ استقبالاً واستفادةً من التربية.
قد ينفعُ الأدبُ الأولادَ في صغرٍ * وليس ينفعُهم من بعـده أدبُ
الغصـونُ إذا عـدلتها اعتـدلت * ولا يلينُ ولو لينتـهُ الخشب
      والحزم في تربية الأولاد هو أسلوب المربي الناجح، وهو كما أراه ويراه غيري: القوة مع المرونة، أي حزمٌ ولكن منبعه الرحمة حزمٌ وسطٌ بين القسوة والغضب وبين التدليل الزائد والضعف في المعاملة. وبهذا وصّى الخليفة هارون الرشيد مؤدبَ ولده الأمين: "ولا تُمْعِن في مسامحته فيَسْتَحْلِيَ الفراغ ويألفه وقوٍّمه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة".  
   وفي كل الأحوال ـ أيها الآباء والأمهات ـ عليكم بالتوازن والحكمة في تربيتهم وفي معاملتهم حتى لا تفقدوهم قبل أن يفقدوكم واغتنموا سنين العمر الذهبية عند الصغير بالتربية الجادة من أقوى وأرسخ أنواع التربية. إننا نريده حزماً كالدواء يُحتاج إليه في حالات معينة قد سبقها محاولات أخرى باللين متعددة الطرق والوسائل، حزما يحتاج المربي إليه ـ الوالد أو المربي ـ عند الضرورة وهو آخر العلاج والدواء، وكما قيل: 
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما * فليقسُ أحيانا على من يرحم
    كتب ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر عن التربية فقال: "فإنك إن رحمت بكاءه لم تقدر على فطامه ولم يمُكنْك تأديبه فيبلغ جاهلاً فقيرًا!". أي: أنك لو رحمت بكاء الإبن في كل مرة تعاقبه على خطأ أو تحرمه من مكافأة رغبة في تربيته فلو رحمته ومنعت العقاب فإنك لن تستطيع تربيته وتقويمه أبدًا، ويكبر وقد أصبح شخصًا غير صالح. يروي لنا التاريخ أن عمر بن عبد العزيز كان قد أرسله أبوه وهو شاب صغير إلى المدينة المنورة ليتعلّم فيها الفقه وعلوم الدين وكان صالح بن كيسان مؤدّبه والقائم على أمر ملازمته وتوجيهه وإرشاده. وذات يوم انتبه هذا المؤدّب أن عمر بن عبد العزيز لم يحضر صلاة الجماعة وتخلف عنها فذهب إليه ليستطلع الأمر.
 فسأله قائلاً: ما أخّرك عن صلاة الجماعة؟.
 فأجاب عمر: كانت مرجّلتي تسكّن شعري.
 فأجابه صالح متعجباً: وبلغ من تسكين شعرك أنه يؤخرك عن الصلاة؟!.
 وكتب بذلك إلى أبيه عبد العزيز بن مروان، فما كان من أبيه إلا أن أمر بحلق رأسه تأديباً له وتربية وتعليماً حتى لا يعود لمثلها. (سير أعلام النبلاء 9/133).   
      لقد فهم هذا المعلم وذلك الأب أن صناعة الرجال لها أسس وقوانين ولها أسباب ووسائل يأتي الحزم على رأسها حيث أن الخطأ له اسم واحد هو الخطأ لا غير، وحيث أن الحق له مظهر ثابت وهو أنه ميزان العدل ومظهر الرحمة. إنها الشدة والحزم في ضبط الأمور وحسن التصرف تجاه أخطاء الأبناء، ولكن بحكمة وحبٍّ وبهدف إصلاح الخطأ والتوجيه نحو الأفضل دون إبطاء أو تراخ أو تجاهل، ولا يصنع الرجال إلا من هذا المضمار ولا يتخرجون إلا من مدرسة المتابعة والتقويم المستمر.   
      وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع لنا منهجا نبويا خالدا مؤسِّسا لأساليب التربية الصحيحة للفرد، ابتداء من مرحلة الطفولة المبكرة وذلك في مواقف كثيرة، منها موقفه مع سَلَمة ابن أم سلمة وكان ربيبه نشأ في حِجْر النبي صلى الله عليه وسلم بعدما تزوج بأمه.  جلس سلمة إلى طعامه وهو بعد صبيا فأخذت يده تطيش في الصفحة، فأمسك بها رسول الله قائلا له: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك". إنه تدخُّلٌ فوريٌ لإيقاف السلوك الخاطئ حتى مع الصغير الذي لا يعي ما يفعل وعدم تأخير التوجيه عن وقته .
   أيها المسلمون: ببالغ الأسى وشديد الأسف لو التفتنا حولنا لوجدنا تقصيرا كثيرا من الآباء والأمهات في حق أبنائهم، بل أجزم أن بعض الآباء لا يدري عن ابنه أين ينام؟ وأين يذهب؟ ومن أين يأكل؟ ومن أين يأخذ مصروفه؟ بل بعضهم لا يدري في أيَّة سنةٍ يدرس أبناؤه؟!. أما هل يصلي أم لا فتلك الطامة الكبرى؟.
      فهل يقال: إنه يجب أن نعيد تربية الآباء ليقوموا بدورهم نحو أبنائهم كما يجب؟. إن الذى يُلام عليه الأب بشدة ويُنتقَد بسببه بقوة هو عدم وفائه بالتزامات ابنائه من متطلبات التربية ومسؤولية الأمانة. أمانةٌ فرط فيها واستهان بأمرها ولم يرْعَها حق رعايتها فأضاع أولاده وأهمل تربيتهم، فلا يسأل عنهم ولا يوجههم وإذا رآى منهم تمردًا أو انحرافًا بدأ يتذمّر ويشكو من ذلك وما علم أنه هو السبب الأول في ذلك التمرد والانحراف. إن إهمال تربية الأبناء جريمة يترتب عليها أَوْخَم العواقب كما قال الشاعر:
إهمالُ تربية البنين جريمةٌ *عادت على الآباء بالنكباتِ
   أيها المسلمون: إن أبناءنا يتعرّضون إلى حرب هي من أشدّ الحروب الفكرية والعقائدية بهدف إخراجهم عن قيمهم ومبادئهم واخلاقهم تحت اسم التطور والموضة مما جعلهم يهتمّون بالمظهر لا بالمخبر وبالإكسسوارات لا بالحياء والإيمانيات مما ينذر بخطر كبير على الإيمان والأخلاق والعقيدة والعفة والحياء والفضيلة. انظروا يمينا وشمالا فهذه موضة قصات الشعر العجيبة والسلاسل الذهبية على الأعناق، بل انظروا إلى سراويل "الجينز" التي وكأن لها سنين طويلة لم تلبس والسراويل ذوات الخصر المنخفض الساقطة إلى أسفل لَبِسوها لأن الغرب هكذا لبسها. وكثيرة.. كثيرة هي مظاهر الخروج عن اللّياقات الأخلاقيّة والتقاليد المعروفة في بلدنا العربي المسلم من الجنسين على السواء. تبعيةٌ عمياء وتقليدٌ أرعن. والله إنك لتنظر في بعضهم ولا تدري أهو رجل أم امرأة من تسريحة شعره ولباسه ومشيته؟، وما تدري أهي امرأة أم رجل من تسريحة شعرها ولباسها ومشيتها؟. وقانا الله وأبناءنا وبناتنا كل شر ومكروه. ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الظلام بعد النور.
   ا للهم اهد شباب المسلمين من بنات وبنين، وردّ ضالهم إليك رداً جميلاً، اللهم جنبهم رفقاء السوء، وأصحاب الفساد، اللهم جنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأقر أعيننا بصلاحِ جميع أولادِ المسلمين. بيدك الخير، وإنك على كل شيء قدير. أقول قولي هذا..

الخطبة الثانية
   الحمد لله الكبير المتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحبه والآل.
     أما بعد، عباد الله: وليس غريبا أنْ يقعَ من أبنائنا وبناتنا الخطأ فهم كغيرِهم من الناس يخطئون ويصيبون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ بني آدمَ خطّاءٌ وخيرُ الخطائينَ التوّابونَ ". ولكنَّ الخطأ أنْ نتفرَّجَ على الأخطاء ولا نسعى لعلاجها. ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الآباء والأمهات أنهم مسؤولون عمّن تحت أيديهم من الأبناء والبنات وغيرهم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: "أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أهل بَيْتِ زوجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وعبد الرجل رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".  متفق عليه. وإنها مسئوليةٌ جسيمة وأمانةٌ عظيمة فالواجب على كل والد أن يتقي الله في أولاده وأن يعمل على تأديبهم وتربيتهم وتنشئتهم على عقائد الدين وأعمال الإسلام وآدابه العظيمة وأن يعمل على تنشئتهم النشأة الصالحة على أساسٍ من تقوى الله جل وعلا والقيام بحقوقه جل في علاه.
    أيها الآباء والأمهات: إن الحديث في هذا الموضوع طويلٌ دقيق وتصعبُ الإحاطةُ به، ولكن كما قيل: يكفي من القلادةِ ما أحاطَ بالعنق. وهذه إيماءة أو إشارة ارتأيت أن أقدها لكم ولها ما وراءها، ولا أريدكم ان تكونوا كالعزيز بن مروان فليس ابنكم كعمر بن عبد العزيز فالطبيعة الإنسانية مختلفة وكل قفل له مفتاحه وكل عقل له ما يثير اهتمامه.  أطفالنا فلذات أكبادنا تمشي على الأرض فلنحسن التعامل معهم...
     نسأل الله الذي وهبنا إياهم وحمّلنا هذه المسؤولية أن يعيننا عليها وأن يصلح لنا نياتِنا وذرياتِنا، اللهمَّ اجعلنا وأبناءنا وبناتنا هداة مهتدين، اللهمَّ اكفنا وإياهم شرَّ الأشرار وكيد الفجار يا عزيزُ يا غفَّار. وحبب إلينا وإليهم الإيمان وزينهُ في قلوبنا وقلوبهم وكره إلينا وإليهم الكفر والفسوق والعصيان. "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء وقنا الزلازل والمحن وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. واجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.

26 أكتوبر 2017





الموضوع: ذكر الله علاج للقلق
الخطبة الأولى
      إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون". "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا". "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما".
       أما بعد، فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، وبتعمير أوقاتكم بذكر الله، فالذكر مَظهرٌ لشكر نعم الله وأمانٌ من الغفلة عن الله وحياةٌ للقلوب، وقد أفلح ـ والله ـ من كان لسانه رطبا بذكر الله، قال تعالى: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب". الرعد:29.  
    أيها المسلمون: لقد أطلق العلماء والباحثون والمؤرخون على كل عصر من العصور اسما يميزه عن غيره من العصور، فقد وصف القرن السابع عشر بعصر النور. ووصف القرن الثامن عشر بأنه عصر العقل، والقرن التاسع عشر بعصر التقدم، وقد يوصف القرن الذي نحن فيه بعصر القلق، لأنه قد سُجّل فيه ـ والله نسأل العافية ـ تزايدا مستمرا لداء القلق الذي أصبح ينتاب الجميع.
    وإنّ أيّ عاقل حصيف لا ينكر أن الإنسان الآن يعيش في أزمة نفسية رهيبة لا أمنٌ ولا سلام ولا راحة ولا اطمئنان، ولقد أثبتت الإحصائيات تزايد عدد المتعاطين للمخدّرات والمسكّرات وكثر عدد المتردّدين على مستشفيات الأمراض النفسية والعقلية، ناهيكم عمّا نسمع من حين لآخر عن حالات الانتحار، وصدق الله إذ يقول: "ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى". ولقد عدد بعض العارفين ما يتولد عن الغفلة والمعصية فقال: قلة التوفيق في العمل وفساد القلب وخمود الفكر ونفرة الخلق ومنع إجابة الدعاء، ومحق البركة في الرزق والعمر وضيق الصدر، وطول الهم والغم.
   عباد الله: إن من يتبطّن القرآن الكريم ويتعمّقه، ويتّبع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته يجد أن الإسلام عــــالج هذا الداء  ـ داء القلق والحيرة والإضطراب النفسي ـ، وقد توالت الإرشادات الحكيمة والتعاليم القويمة للحفاظ على الإنسان ووقايته من الأمراض النفسية التي تؤدي به إلى أوخم العواقب في نفسه وفي أسرته وفي مجتمعه.
    فالقلِق تراه في الحياة فزعا لا تثبت له قدم في عمل، ولا يستقرّ له قول على رأي، ولا يتمّ له نجاح في مشروع، ينتهي كلما بدأ، ويقعُد كلما قام. متبرِّمٌ ضجِرٌ سئمٌ ملولٌ. وإن دواءه لفي مدارسة القرآن، قال تعالى: "وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا".  الإسراء: 82.
     نعم.. يخرج الإنسان في الصباح من بيته ليباشر عمله ويخالط الناس، فتعرض له مشكلات جمة، تضطرب أحوال عيشه، لأن مَجالِبَ الهموم وبواعث القلق في هذه الحياة لا حصر لها، لكن اللجوء إلى الله عونٌ للمرء في شدته، وعدّة لتخفيف الهموم، وتفريج الأزمات. فقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ما أصاب عبدا همٌّ ولا حزن فقال: "اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمتك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سيمت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمّي، إلا أذهب الله غمّه، وأبدله مكانه فرحا، قالوا يا رسول الله: أفلا نتعلمهن؟، قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن". رواه الإمام أحمد.
    إن كثيرا من الناس يستسلمون للمجهول عندما يملك الهمّ نفوسهم ويَشغَلً القلق صدورهم، فتراهم يفزعون إلى الأطباء والصيادلة، وربما إلى المشعوذين والسحرة، وماذا عليهم لوا آتوا البيوت من أبوابها، وفزِعوا إلى الله. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقا أصابني، فقال: قل: "اللهم غارت النجوم وهدأت العيون وأنت حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم يا حيُّ يا قيوم أهدئ ليلي وأنم عيني فقلتها فأذهب الله عنيّ ما كنت أجد".  رواه الطبراني.
     إن دواءنا في أيدينا فلسنا مرضى، وسعادتنا في أيدينا فلسنا أشقياء، فعلينا بالمبادرة والمسارعة إلى الدواء والشفاء. قال جعفر الصادق رضي الله عنه: عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله سبحانه: "حسبنا الله ونعم الوكيل"؟. فإني سمعت الله يقول بعقبها: "فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء"، وعجبت لمن اغتمّ كيف لا يفزع إلى قوله: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"؟، فإني سمعت الله يقول بعقبها: "فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين". وعجبت لمن مُكر به كيف لا يفزع إلى قوله: "وأفوّض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد"؟. فإني سمعت الله يقول بعقبها: "فوقاه الله سيئات ما مكروا".
    عباد الله: لا سعادة كراحة الضمير واطمئنان القلب، فلا المال ولا العلم ولا الحُكم ولا كلها مجتمعة تأتي بالسعادة، إذا لم تأت باطمئنان القلب وراحة البال، وهذا لا يكون إلا بالإيمان بالله، والإكثار من الإستغفار وقراءة القرآن. ولو تنبّه المسلمون لهذا. والتزموا الأوراد والأذكار، لما تجرأ بعد ذلك ساحر ولا احتار مسحور ولا قلّت بركة، ولا تكدّر صفْوٌ، ولا تنغّص هناء ولا اضطربت الأعصاب ولا انتشر داء القلق، كيف يحدث هذا؟ وكيف ينسى المسلم ربه؟ .
    إنّ الأطباء النفسيين يجمعون على أن علاج القلق والتوتر العصبي والتأزّم النفسي يتوقف ـ إلى حد كبير ـ على الإفضاء بمبعث التوتّر ومنشأ الأزمة إلى صديق قريب أو ولي حميم، فإذا لم يجد المسلم من يفضي إليه، فكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا. ففي الإتصال بالله سبحانه قوة للنفس ومدد للعزيمة وطمأنينة للروح، ألم يجعل الله الصـلاة سلاحا للمؤمن يستعين بها في معركة الحياة، ويواجه به كوارثها وآلامها؟، ألم يقل سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين". البقرة:153. ألم يكن نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ"إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة". إنه القائل عليه الصلاة والسلام: "ما يمنع أحدكم إذا عَسُر عليه أمر معيشته أن يقول إذا خرج من بيته : "بسم الله على نفسي ومالي وديني، اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي فيما قدّر لي حتى لا أحبّ تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت". رواه أبو نعيم.
      أرأيتم – عباد الله – حتى عندما تضطرب أحوال عيش الإنسان في هذه الحياة، وتبرُزُ له صعوبات، فما عليه إلا أن يتشبث بربه، فاعرفوا هذا – أيها المسلمون – وأديموا اللجوء إلى الله واتخذوا من الأدعية المأثورة إلى جانب الأخذ بالأسباب المشروعة خيرُ عونٍ لبلوغ الآمال بشرط أن تقترن بصالح الأعمال.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين".  الأعراف: 55ـ56.
 نفعني الله وإياكم بالذكر الحكيم..
الخطبة الثانية
     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. 
    أما بعد، أيها المسلمون: إن الإنسان مهما تاه أو ضلّ أو احتار فإنه في وقت الشدة لا يلجأ إلا لله، ولا يدعو إلا ربه، قال سبحانه: "أمّن يجيب المضطر إذا دعاه". ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يحب أن يسأل، روى الترمذي عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يسأل". وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه". وعلى المسلم أن يدعو الله بما شاء فيما يراه خيرا، قال أنس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع".
إذا عرضت في زمـاني حاجـة       وقد أشكلت فيها علي المقاصد
وقفت بباب الله وقفـة ضـارع       وقلت إلهـي إنني إليك قاصــــــد
ولست تراني واقفا عند باب من  يقول فتاه: سيدي اليوم راقـــــد
   ولذا– أيها المسلمون– نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه صاحبه أبا أمامة-وقد وجده في المسجد في غير وقت الصلاة لغمّ وهمّ أصابه، -إلى طلب العون من الله، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة جالسا فيه، فقال: "يا أبا أمامة مالي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: ألا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همّك، وقضى عنك دينك؟ فقال بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصـبحت وإذا أمسيت: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك مـــن العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال"، قال: فقلت ذلك. فاذهب الله همّي وقضي عني ديني".   رواه أبو داوود.
     فيا – أيها المسلم – ادع الله في صباحك ومسائك بهذه الدعوة المباركة التي علمك إياها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في شخص أبي أمامة. ولا تخش غما ولا تشك قلقا مادام قرينك هو ذكر الله. وتذكّر أنه:
إذا لـم يعنك الله فيمـا تـريـــــده         فلـيس لمخلوق إليه سبــــــيل
وإن هو لم يرشدك في كل مسلك ضللت ولو أن السماك دليل
  فاذكروا ربكم ـ أيها المسلمون ـ بالغدو والآصال قياما وقعودا وعلى جنوبكم. اذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا، فإن ذلك هو الحياة والصلاح، فبذكر الله تطمئن القلوب، وتنفرج الكروب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ".
   اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادك، واجعلنا ممن اختاروا هداهم على هواهم، ورضوا بشريعتك واطمأنّوا بها، وانشرحت بها صدورهم فلم يبغوا عنها حولا، ولم يرضوا بها بدلا. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن ومن غلبة الدين وقهر الرجال، اللهم لا تجعلنا ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا فأصبح من الخاسرين، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، وارفع عنا الغلاء والوباء وقنا الزلازل والمحن، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم اجعل بلدنا آمنا رخاء مطمئنا وجميع بلاد المسلمين، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.