17 مايو 2018


الموضوع: رمضان شهر الرحمة.. وفلسطين تنزف.

الخطبة الأولى

    الحمد لله الذي عم برحمته جميع العباد وخص أهل طاعته بالهداية إلى سبيل الرشاد ووفقهم بلطفه لبلوغ شهر رمضان ففازوا ببلوغ المراد، أحمد حمد معترف بجزيل الإرفاد وأعوذ به من وبيل الطرد والإبعاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ادّخرها ليوم المعاد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أبان طريق الهدى والسداد وقمع أهل الزيغ والفساد، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأجواد صلاة وسلاماً نبلغ بها الأمل والمراد..
رمضـان أقبلَ قم بنـا يا صاح هـذا أوان تبـتُّـلٍ وصلاح
الكونُ مِعطـارٌ بطيـب قدومه رَوحٌ وريحـانٌ ونفـحُ أقاحـي
واغنم ثوابَ صيـامِه وقيـامِه تسعـد بخيـرٍ دائـمٍ وفلاح
     أما بعد، أيُّها المسلمون: ونحن في أيّام رمضان الأولى نهنِّئُ أنفسنا والمسلمين ببلوغِ رمَضانَ، جعَلَه الله مبَاركًا على أمَّةِ الإسلام، وأهلَّه الله علينا بالأمنِ والإيمان والسلامَةِ والإسلام والعِزِّ والنَّصرِ للمسلمين.
   وأوصيكم ونفسي بتقوى الله، لاسيَّما ونحن نعيش هذا الموسم الذي هو من أجلِّ مواسم التقوى، فجوهرُ الصيام وفحواه، ولُبُّه ومغزاه تحقيقُ تقوى الإله جلَّ في عُلاه ـ يقول سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". البقرة: 183
فيا أيها الإنسان بادِر إلى التُّقَى * وسارِع إلى الخيراتِ ما دُمتَ مُمهَلُ
فما أحسنَ التقوى وأهدَى سبيلَها* بها يرفعُ الإنسانُ ما كان يعملُ
    أيها المسلمون الصائمون: ها أنتم تعيشون هذه الأيام المباركة من أيام شهر رمضان في خير وصحة وأمن وسؤدد، فاحمدوا الله الذي بلغكم وفي أعماركم أمْدَدْ.
      شهر رمضان شهر كريم وموسم عظيم، يحمل خيراتٍ كبيرة وبركات كثيرة ونعم وفيرة، فيه مضاعفة للحسنات وتكفير للسيئات وإقالة للعثرات، مخصوصٌ بأسمى الصفات وأزكى الدرجات، إنه شهر رمضان شهر الهبات والأعطيات شهر الانتصارات والفتوحات.
      ألا وإن بلوغ هذا الشهر نعمة عظمى وإدراكه منة كبرى تستوجب الشكر وتقتضي اغتنام الفرص بما يكون سبباً للفوز بدار القرار والنجاة من النار، يقول الله العزيز الغفار: "يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".
     أيها المؤمنون: وبرؤيةٍ مقاصديَّة في تنزيل مقاصِد الشريعة على أحكام الصيام وحِكَمه يُدرِك المُكلَّفون أن الصيام إنما شُرِع لمقاصِد عُظمى وأحكامٍ جُلَّى، بها يُجدِّد المُسلمُ شِيَمَه التعبُّديَّة المحمودة، ويُعاوِدُ انبِعاثتَه في صفات الخير المعهودة، فيترقَّى في درجات الإيمان وينعمُ بصفات أهل البرِّ والإحسان؛ حيث لم يقِف الشارعُ الحكيمُ عند مظاهر الصوم وصُوره من تحريم تناوُل المُباحات والطيبات فحسب؛ بل عمِدَ إلى سمُوِّ الروح ورُقِيِّ النفس وحفظِها وتزكيةِ الجوارِح والصعود بها من الدَّرَكِ الماديِّ إلى آفاق السمُوِّ الروحيِّ والعلوِّ الإيمانيِّ والقِيَميِّ.
    وما أحوج الأمة إلى شهر الصيام وهو يجمع الكلمة الواحدة ويوحِّد الصفوف ويؤلِّف، يَفطِر أهل كل قطر في زمان واحد، إنه مذكر بوحدة المسلمين ودعوة إلى تآخيهم وتوادهم وشيوع المحبة بينهم، "إنما المؤمنون إخوة". "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
      روى البخاري رحمه الله، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة".
      تأملوا معي ـ أيها المسلمون ـ: قوله: "أجود بالخير من الريح المرسلة"، الريح المرسلة، المعنى: المطلقة، يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح المرسلة التي أمرها الله وأرسلها فهي عاصفة سريعة، ومع ذلك فالرسول عليه الصلاة والسلام أسرع بالخير في رمضان من هذه الريح المرسلة، وعبر بالمرسلة: إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده، كما تعمّ الريح المرسلة جميع ما تَهُبُّ عليه..  
   نعم - أيُّها الإخوة - لقد كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعْلم ما رمضان وما فضل العمل فيه، ومِن هنا فقد كان يضاعف فيه جوده، وهو من هو، هو محمدٌ رسول الله أفضل خَلْق الله وأتقى عباد الله، غفر الله له ما تَقَدَّم مِنَ الذُّنوب وما تَأَخَّر، ومع ذلك يضاعف الجود في رمضان ويسارع إلى الخير ويغتنم فضيلة الوقت وشرف الزَّمان..
    فالإضاءة المشرقة في هذا الحديث الشريف: الحثّ على الجود في كل وقت، وخاصة في هذا الشهر المبارك شهر رمضان.. وكذلك كان هدي سلف الأمة رضوان الله عليهم فقد كان كثير منهم يواسون من إفطارهم، ويؤثرون ويطوون.
    فقد كان ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعشَّ تلك الليلة، وكان إذا جاءهُ السائل وهو على الطعام أخذ نصيبهُ من الطعام وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائمًا ولم يأكل شيئًا.
   واشتهى بعض الصالحين طعامًا وكان صائمًا فوُضع بين يديه وهو صائمٌ، فسمع قائلاً يقول: من يقرضُ المليء الوفيَّ؟ فقال: عبدُه المُعدَمُ من الحسنات وأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاويًا.
   وجاء سائلٌ إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدُّهما لفطره ثم طوى وأصبح صائمًا. وكان الحسن يُطعمُ إخوانه وهو صائمٌ، ويجلسُ يروِّحُهمُ وهمُ يأكلون.
   أيها المسلمون: إن في الصيام مظهر تسوية بين الغني والفقير ويقضة للضمير الإنساني الأخوي بما يقاسيه أنضاء الحرمان وتعساء الإنسانية من عنت وبؤس وشقاء في هذه الحياة. دخل على بِشْرٍ الحافي أحد أصدقائه في يوم شديد البرد وقد تعرَّى من الثياب، فقال له: يا أبا نصر إن الناس ليزيدون الثياب في مثل هذا اليوم وأنت تتعرى؟. فقال: ذكرت الفقراء وما هم فيه، ولم يكن لي ما أواسيهم به فأردت أن أشاركهم في مُقاساتِ البرد..
     إن يقضة الضمير هذه ـ عباد الله ـ هي التي يريد أن يحييها الصيام فينا لو كنتم تعقلون، فشُدّوا العزائم وتنافسوا في الخيرات، واحمدوا الله أن بلّغكم هذا الشهر، فكم من مؤمّلٍ ذلك خانه الأمل، فأضحى بين القبور.
     فكونوا على أثر السابقين الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتهم وأسوتهم في كل شيء، لقد كانت بيوتهم مفتوحة للطعام، ومساجدهم عامرة بالعبادة وجلسات العلم وحلقات الذكر وتلاوة القرآن. ورحم الله الحسن البصري حيث قال: "إن الله تعالى جعل رمضان مضمارا لخلقه يتسابقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون".
         فاتقوا الله عباد الله، وعظموا هذا الشهر المبارك، بالصيام والقيام والتنافس في صالح الأعمال. فقد جاء في الحديث عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في حديث طويل أنه قال: "فاستكثروا فيه ـ أي في رمضان ـ من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء لكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم، فشهادة أن لا إله إلا الله والإستغفار. وأما الخصلتان اللتان لا غناء لكم عنهما فتسألون الله الجنة،وتستعيذون به من النار ". رواه ابن خزيمة.
    فأروا الله من أنفسكم خيرا في هذا الشهر المبارك، فإن لله فيه نفحات، من حُرمها حُرم خيرا كثيرا .

اللهم اجعلنا في هذا الشهر من المحسنين الرابحين، واجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمتك طريقا وسلما برحمتك يا أرحم الراحمين..
  أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم...

الخطبة الثانية
      الحمد لله الذي هدانا للإسلام ووفقنا لإدراك شهر الصيام والقيام، أحمده سبحانه وله الحمد في البدء والختام والصلاة والسلام على خير من صلى وصام وعلى آله وصحبه الكرام.
     أما بعد، أمة الإسلام أمة الصيام والقيام: ها هي نعم الله جل وعلا علينا تتابع، وإحسانه لنا يكثر حيناً بعد حين، وكل يوم نحن من نعمه في مزيد، فما تأتي نعمة إلا وتلحقها أخرى، موائدنا منصوبة، وجمعنا مشتمل في رمضان ولكن إن قلوبَ المُسلمين لتعتصر وهم يعيشُون أيام هذا الشهر الغُرِّ، وليالِيَه المُبارَكة الزُّهر، لما يجرِي في عددٍ من بلاد المُسلمين من سفكٍ للدماء، وصِراعاتٍ سياسية هنا وهناك، وما يجرِي في الأرض المُبارَكة فلسطين والأقصَى حيث يذبح النظام الإسرائيلي العديد من الفلسطينيين بدم بارد، في الوقت الذي يحتفل فيه "ترامب" بنقل سفارته غير الشرعي، ويتحرك المتعاونون معه من العرب لصرف الانتباه عن جرائم إسرائيل التي ترتكبها في وضح النهار وتحت سمع العالم وبصره، لا تقيم وزنا لكل الشرائع والمواثيق والأعراف الدولية، حشدت قواها، وجمعت آلياتها، لم تراع شيخا كبيرا ولا طفلا صغيرا..
نفسي تذوب أسى والقلب يجرحه * مما عدا ببــلاد الشام أرزاء
فأين مسرى رسول الله وقد وطـئت *به اليهود. فهل للحق أبناء؟
    نعم.. إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن على ما يحدث هذه الأيام من غزو مسلح على إخواننا في فلسطين، من تدمير لبلادهم وسفك لدمائهم، وقبل ذلك وبعده ما يحدث من حرب لدينهم وعقيدتهم. إن هذا لأمرٌ تتصدّع من هوله القلوب وتنفطر منه الأفئدة الحية، وسطَ تخاذلٍ مؤسفٍ من أمة قوامها مليار، بل يزيدون.
    تقرّحت أكباد الصالحين كمدا مما يجري هناك، مناظر مفزعة متتوالية، وعربدة صهيونية غادرة، قتلٌ بطريقة وحشية، مسلسلاتٌ من الرّعب، مناظر حفرت معالمها في ثنايا التاريخ، بل في قلب كل مسلم، ملامح سطّرتها أشلاء الرجال بألوان الدم القاني وجماجم الشهداء.
وفي المحـيا سـؤال حـــائر قلـق * أين الفــداء وأين الحب في الديـــن؟
أين الرجــولة والأحــــداث دامـية * أين الفتـوح على أيـدي الميـامـــين؟
ألا نفــوس إلى العــليـاء نافـــــرة * تــواقـة لجنـــان الحـــور والعـــيـــن
يا غيرتي أين أنت؟ أين معــذرتي؟* ما بال صوت المآسي ليس يشجيني
أين اختفت عزّة الإسلام من خلدي* مـا بالها لم تعـد تغـذ شراييــــني؟
إخوة الإيمان والإسلام، حين نتحدث عن فلسطينَ والأقصى نجدُ أنفسَنا أمامَ مأساةٍ تعجَزُ الكلماتُ عن وصفِها، اختلطَتْ فيها العَبَراتُ بالعِبارات.
عمَّ نتحدّث؟ نتحدث عن شعبٍ أعزلٍ يواجِهُ مجزرةً جماعيّةً بَشِعة، أم عن صَمْتٍ دُوَليّ، أم عن تواطُىءٍ وتَقاعُس، أم عنِ انقسامٍ داخِليٍّ!
إن المؤامرةَ أصبحتْ حقيقةً واقعةً ظاهرةً للعيان، تتسارعُ خطُواتها يومًا بعد يوم، ومعَ ذلك نعلمُ يقينًا أن قضيةَ فلسطين لن تُنسى؛ لأنها في قلبِ كلِّ مسلم.
      أرفع الشكوى إلى الله، وأقول: اللهم إنّ هؤلاء الصهاينة أهلكوا الحرث والنسل، وأفسدوا في الأرض أيما إفساد، اللهم فشلّ أركانهم، ودمر كيانهم، واجعل الدائرة عليهم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم هيئ لإخواننا في فلسطين، وفي كل مكان، نصرا عزيزا تعز به أهل طاعتك، وتذل به أهل معصيتك.  ولا تجعل ـ اللهم ـ للكافرين على المؤمنين سبيلا.
اللهم واجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمتك طريقا وسلما، وتقبل منا الصيام والقيام، واحشرنا في زمرة خير الأنام، واجعل هذا الشهر شاهداً لنا وحجة لنا لا حجة علينا، اللهم إن كان في سابق علمك أن تجمعنا في مثله فأحسِن عملنا فيه، وإن قضيت بقطع آجالنا فأحسِن الخلافة على باقينا، وأوسع الرحمة على ماضينا، وعمّنا برحمتك وغفرانك، واجعل الموعِدَ بحبوح جنتك ورضوانك. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين. 

11 مايو 2018


الموضوع: شهر رمضان، الحبيب الذي طال انتظاره.. 
 
الخطبة الأولى
      الحمد لله يمنُّ على عباده بمواسم الخير أفراحًا، ويدفع عنهم بلطفه أسباب الردى شرورًا وأتراحًا، أحمده تعالى وأشكره شكرًا يتجدد ويتألق غدوًا ورواحًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مبدع الكائنات أرواحًا وأشباحًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله رافع لواء الدين دعوة وإصلاحًا، والهادي إلى طريق الرشاد سعادة وفلاحًا.  صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خيار هذه الأمة تقىً وصلاحًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام مساءً وصباحًا، وسلم تسليمًا كثيرًا.
       أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله -جل وعلا-، فهي العدّة العتيدة لمن رام خيرًا وصلاحًا، ونَشَد عزًا وفلاحًا، وقَصد برًّا وتوفيقًا ونجاحًا.
    أيها المسلمون، قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ". البقرة:183. فـ"اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال خير ورشد".
      عباد الله: بهذه المعاني كان عليه الصلاة والسلام يستقبل رمضان، إيذانا منه للبشرية جمعاء وللمسلمين خاصة، بأن دين الله عزّ وجل إنما جاء لتطهير العقائد وتربية النفوس وصقل الأفكار الهائجة التي تمرّدت على فطرة خالقها، وسلكت دون الإسلام سبيلا، ورمضان بالمفهوم الذي في ـ استشرافه: أمن وإيمان، سلامة وإسلام، مناسبة لتجديد الولاء لمثل هذه المعاني، ومحطّة للتذكر والتذكار.
     فالواجب يملي علينا ونحن نستقبل هذا الشهر المبارك، أن نقف مرة أخرى لمراجعة ذواتنا بصدق، لأن ذلك هو الكفيل باسترجاع أمجاد زمان، وتدارك ما فات، يوم أن كانت الشمس لا تغرب على دولة الإسلام، ويوم أن كان ولي أمر المسلمين يخاطب السحاب قائلا: سيأتينا خراجك أينما كنت.. فإذا ما كان رمضان فرصة للإنتصار على شهوات النفس ورغباتها، فلننتصر نحن على أنانيتنا، ولنحقق معنى التقوى لننال العزة والإكرم.
         أيها المسلمون: إن شهر رمضان هو الحبيب الذي طال انتظاره، واستبدّ الشوق بالقلوب للقياه، وإن لقدوم الحبيب الغائب لفرحة ما أروعها من فرحة، فيا با غي الخير أبشر، ويا با غي الشر أقصر..
       لقد كان سلفنا الصالح من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان يهتمّون بشهر رمضان، ويفرحون بقدومه. وأيّ فرح أعظم من الإخبار بقرب رمضان موسم الخيرات والمغفرة وتنزل الرحمات.. ها هو ذا صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه ويبشرنا، فيقول: "أتاكم رمضان، شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبوب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم".  رواه النسائي والبيهقي. قال ابن رجب رحمه الله: هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضُهم بعضاً بشهر رمضان.
وكيف لا يُـبشَّر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟
وكيف لا يـبشر المذنب بغلق أبواب النيران؟
وكيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان؟
    إنها البشارة التي عمل لها العاملون.. وشمر لها المشمّرون.. وفرح بقدومها المؤمنون .. فيا عبد الله: أين فرحتك؟ وأين شوقك؟!. 
إذا رمضان أتى مقبلاً ** فأقبل فبالخير يستقبلُ
لعـــــــلك تخطـــــئه قابلاً ** وتأتي بعـذر فلا يقـــبلُ
          إن شهر رمضان هو شهر الطاعات بكل أنواعها، صيام وقيام جود وقرآن وصلوات وإحسان وتهجد وتراويح وأذكار وتسابيح..  وبلوغه نعمة كبرى يقدّرها الصالحون المشمّرون، وإن الواجب علينا هو استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة، وإنها لئن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة، فأيّ خسارة أعظم من أن يدخل المرء فيمن عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه على منبره في مساءلة بينه وبين الأمين جبريل عليه السلام فقال: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله فقل آمين، فقلت آمين".  صحيح ابن حبان.  
       أيها المسلمون: هذا الشهر العظيم له في نفوس الصالحين بهجة، فأوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، والنفوس الطاهرة تعلو حين تغتنم الفرصة الذهبية والهدية الإلهية، فتترك كثيرا من اللذائذ وتنفطم عن كثير من الرغائب، لأن الراحة لا تنال أبدا بالراحة، ولأن سلعة الله غالية، أما عبّاد المادة وعبّاد الشهوات وأرباب الهوى فإنهم يعيشون لغرائزهم وأهوائهم، وهم الذين أخبر عنهم المولى في قوله: "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون".
      نعم.. للأسف انعكست المفاهيم عند البعض، وأصبح استقبالهم لهذا الشهر الكريم استقبالاً واستعدادًا للمأكولات والمشروبات والمقليات والمعجنات، مبالغة في إعطاء نفوسهم ما تشتهيه، وكأنه موسم البطون، ومضمار تتنافس فيه الموائد الزاخرة بصنوف الأطعمة وألوان الأشربة، فتراهم يفزعون إلى الأسواق من كل فج عميق، يكيلون من الأطعمة ويتزودون من الكماليات، وكأن رمضان حفلة زفاف أو وليمة نجاح تبسط فيها الموائد العريضة، وتنشر الأطعمة المتنوعة، ثم ترمى في النفايات..
      فهل ترون يا إخوة الإيمان أضعف همة وأنجس بضاعة، ممن أنعم الله عليه بإدراك شهر المغفرة ثم لم يتعرض فيه للنفحات؟..
جاء شهر الخيرات بالبركات ** فأكرم به من زائرٍ هو آت
    فيا أمة الصيام ويا أمة القيام: اتقوا الله وأكرموا هذا الزائر، فإنه أحق بالإكرام، جاهدوا النفوس بالطاعات، وتقربوا إلى ربكم وابذلوا الفضل من أموالكم في البر والصلات، وجدّدوا العهد مع الله، وشدوا العزم على الاستقامة، واتقوا الله فإن تقوى الله أقوى وأقوم.
إذا هلّ الهلال على العبادة ** فسارع يا أخيّ لجمع الزاد
فإن الشـــــــــــهر أيام ستـــــمـــــــضي ** وتبقى حســــرة لذوي الرقــــاد
    جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاكم شهر رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه برحمته، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم رحمة الله".
فاللهم أهله علينا بالخير والإيمان، والسلامة والإسلام، والفراغ من الشغل والسلامة من الأسقام، برحمتك وفضلك يا أرحم الراحمين.. هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية
    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.
     أما بعد، فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، أن رجلين من بُلَىٍّ (حي من قبيلة قُضَاعَة) قدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامهما جميعا، فكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفّى. قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فأذِن للذي توفّي الآخِر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد، فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدّثوه الحديث، فقال: من أيّ ذلك تعجبون؟. فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدّ الرجلين اجتهاداً، ثم استُشهد، ودخل هذا الآخِرُ الجنةَ قبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض.
   الله أكبر، إن بلوغَ رمضانَ نعمةٌ عظيمة، وفضلٌ كبير من الله تعالى، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان.
   ألا فاقدروا لهذا الشهر قدره ـ أيها المسلمون ـ وإياكم أن تفَرِّطوا في لحظاته، فضلا عن أيامه ولياليه. إياكم أن تجعلوا أيام رمضان كأيامكم العادية، بل اجعلوها غرةً بيضاءَ في جبين أيام أعماركم. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك، عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك، ويوم فطرك سواء".
      فيا عبد الله: إذا كنت قبل رمضان كسولاً عن شهود الصلوات في المساجد، فاعقِدِ العزم في رمضان على عمارة بيوت الله، عسى الله تعالى أن يوفقك لذلك حتى الممات، وإذا كنت شحيحاً بالمال فاجعل رمضان موسماً للبذل والجود، فهو شهر الجود والإحسان. وإذا كنت غافلاً عن ذكر الله تعالى فاجعل رمضان أيام ذكر ودعاء وتلاوة لكتاب ربك تعالى، فهو شهر القرآن.
أتى رمضان مزرعــــــــــة العـــــباد * لتطهـــــــــــــــــير القلوب من الفساد
فأدّ حقــــــوقه قــــــــــولا وفــــــــعــــلا * وزادك فاتّخِـــــــــــــــــذه إلى المعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها * تــــــــــــــــأوّه نادما يـــــــــوم الحصــــــــاد
      فيا أيها المسلمون ـ أروا الله من أنفسكم خيرًا، افتحوا صفحة جديدة من حياتكم، مسطرة بأحرف الخير والبر والتقوى والعمل الصالح.
      فاللهم بلغنا بمنك وكرمك شهر رمضان، اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام والفراغ من الأشغال والسلامة من الأسقام والتوفيق لما تحبه وترضاه يا ذا الجلال والإكرام، واغفر اللهم لنا ما سلف وكان، من الذنوب والخطايا والعصيان، اللهم اجعله شهر عزٍّ ونصرٍ للإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم وأعنا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانًا واحتسابًا، إنك خير مسؤول وأكرم مرتجى مأمول. برحمتك يا أرحم الراحمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.