03 ديسمبر 2019

الموضوع: مظاهرات 11 ديسمبر 1960ـ كانت فصل الخطاب في زمن الارتياب، فكونوا اليوم يدأ واحدة قي مواجهة التحدّيات.. ولا يثبّطنكم المرجفون..

الخطبة الأولى
   الحمد لله الذي منّ علينا بوطن من خيرة الأوطان، ونشر علينا فيه مظلة الإستقرار والأمان، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له المنزه عن الأنداد والأولاد والأعوان، واشهد أن نبينا محمدا عبدالله ورسوله المؤيد بالحجة والبرهان. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأزواجه واصحابه ومن تبعهم باحسان، صلاة وسلاما متجددين بتجدد الأزمان.
    أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى واذكروا أيامه لعلكم تتذكرون، اذكروا أيام الله بنصر أوليائه، واذكروا أيام الله بخذلان أعدائه، واذكروا أيام الله إذا نزل للقضاء بين عباده فقضى بينهم بفضله وعدله لعلكم توقنون.
    أيها المسلمون: إن نصر الله لأوليائه في كل زمان ومكان وأمّة هو نصرٌ للحق وذلّةٌ للباطل، وأخذٌ للمتكبر، ونعمة ٌعلى المؤمنين إلى قيام الساعة، فاتقوا الله تعالى وتعلّموا ما يكون به عبرةٌ لكم، واطّلاعٌ على حكمة ربكم في تقديره وتشريعه. فقد قص الله في القرآن الكريم أحوال الأمم السابقة وما جرى بيِنهم وبيِن أنبيائهم، وأمرنا باستخلاص العبر من تلك الأحداث، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ ..}. يوسف:111
    وهذا أسلوبٌ من الأساليب القرآنية للتذكير بنعم الله، لأن نعم الله تعالى وعطاياه ومنحه من آثار ربوبيته سبحانه وتعالى، بل هو أسلوبٌ أقرب إلى الحس والمشاهدة، بحيث لا يصعب إنكاره إلا من جاحدٍ للنعمة كافرٍ بها، ونحن نجد فيضًا من الآيات المذكِّرة بنعم لله تعالى على اختلافٍ في هذه النعم، ففي سورة إبراهيم على نبينا وعليه السلام، نقرأ قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }، (إبراهيم:5). فهذه الآية صريحة في بيان أيام الله، وأنها مما امتنّ الله تعالى به على بني إسرائيل من نعمة النجاة من عذاب فرعون وبأسه، وهو حريٌّ بهم أن يُذعِنوا بالطاعة والانقياد لله تعالى والإخلاص له بالعبادة. ولقد جاء مثل هذا التنبيه في خطاب مشركي قريش، حيث قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}. (إإبراهيم:28ــ29). حيث ذكر ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن هؤلاء هم كفار أهل مكة، جاءتهم نعمة الله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا النعمة، وجحدوا بها وأهلكوا أنفسهم وقومهم في الدنيا يوم بدر، وفي الآخرة حيث ماتوا على الكفر والعياذ بالله. قلت: وأيُّ نعمة أعظم من نعمة الإسلام والهداية إلى التوحيد، وأي خسارة أعظم من الإعراض عن هذه النعمة.
    وإذا كان الخطاب موجه في كل ذلك إلى أولئك، فإننا مخاطبون بمثل ما خوطبوا به، ومذكَّرون بمثل ما ذُكروا به، ومُحذَّرون بمثل ما حُذِّروا منه، وقد أنعم الله علينا بمثل ما أنعم عليهم، وبأوفرَ مما أعطاهم وأجلّ، فمن واجبنا أن نذكُر نعم الله علينا ونشكره عليها..
  عباد الله: وإن أيام الجزائر وقصة َاستقلالها قصةٌ طويلة الفصول، حزينة الأحداث، تجمع بين البطولة والمأساة، بين الظلم والمقاومة، بين القهر والاستعمار، بين الحرية وطلب الاستقلال، كان أبطال هذه القصة الفريدة أكثر من مليون شهيد، وملايين اليتامى والثكالى والأرامل، كتبت أحداثها بدماء قانية غزيرة أهريقت في ميادين المقاومة، وفي المساجد وفي الجبال الوعرة، حيث كان الأحرار هناك يقاومون .
   وما مظاهرات {11 ديسمبر من عام1960م}  إلا ذكرى تاريخية هامة، وحلقة مشرِّفة لملحمة من ملاحم ثورة التحرير المباركة. والتي عبَّرت بحقّ تعبيرا قويا عن صمود واستبسال الشعب الجزائري في سعيه نحو الإستقلال، فبعد وقائع المظاهرات المساندة لسياسة ديغول يوم 9 ديسمبر في عين تيموشنت والداعية إلى اعتبار الجزائر للجميع في الإطار الفرنسي، ومظاهرات المعمِّرين يوم 10 قبله الداعية إلى اعتبار الجزائر فرنسية، زحفت المظاهرات الشعبية في أرجاء الوطن بقيادة جبهة التحرير الوطني يوم 11 ديسمبر لتعبِّر عن وحدة الوطن، والتفاف الشعب حول الثورة مطالبا بالإستقلال التام، هاتفة: الجزائر مسلمة، الجزائر جزائرية.
      حيث خرجت مختلف الشرائح في تجمعات شعبية في الساحات العمومية عبر المدن الجزائرية كلها، ففي الجزائر العاصمة عرفت "ساحة الورشات" كما كان يطلق عليها إبان ثورة التحرير (أول ماي) كثافة شعبية متماسكة مجنّدة وراء العلم الوطني وشعارات الاستقلال وحياة جبهة التحرير الوطني. 
   ودامت هذه المظاهرات لأزيد من أسبوع، في جميع المدن والقرى الجزائرية.. وكشفت بفعل الصّدى الذي أحدثته على أكثر من صعيد حالة الإرتباك التي أصابت الاستعمار، وعن مدى إصرار الشعب الجزائري على افتكاك سيادته المسلوبة، وجاء ردّ فعل السلطات الفرنسية قويا تجاه المظاهرات، إذ قابل الجيش الفرنسي الجموع الجزائرية بالدبابات والمدافع والرشاشات، وأمطروهم بنيران القنابل وأطلقوا عليهم الرصاص، كما قامت الشرطة الفرنسية بمداهمات ليلية لاختطاف الجزائريين من منازلهم والإغارة عليهم وهم يوارون شهداءهم، (كما هو الحال في مقبرة القَطّار وسيدي أمحمد،) مما زاد في عدد القتلى، بالإضافة إلى سلسلة الاعتقالات التي مست عددا كبيرا من الجزائريين.  
    ولقد كان وقع هذه الظاهرات على المستوى الخارجي كبيرا، حيث كشفت للعالم حقيقةَ الاستعمار الفرنسي ووجْهَه الإجرامي، كما أكسبت هذه الأحداث جبهة التحرير الوطني دعما دوليا واسعا، حيث اقتنعت هيئة الأمم المتحدة بإدراج ملف القضية الجزائرية في جدول أعمالها وصوتت اللجنة السياسية للجمعية العامة لصالح القضية الجزائرية ورفضت المبررات الفرنسية التي كانت تهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي. (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ..)، (إبراهيم:42). (..وَيمكُرُونَ وَيَمكُرُ الله ُوَالله ُخَيرُ الماكِرِينَ)، (الأنفال:30).
    فمظاهرات 11 ديسمبر 1960م ـ أيها المسلمون ـ كانت فصل الخطاب في زمن الارتياب لميلاد ثورة نوفمبر الحقيقة والأسطورة، وأظهرت الصورة التي كانت تغيبها فرنسا الاستعمارية عن الشعب الجزائري في التلاحم والاتحاد لنصرة قضيته التي رسمها نوفمبر الثورة بريشة الجهاد، وبمداد دم الشهداء، جوهرها الصدق والإيمان والوفاء للوطن.
   نعم.. إن ذكرى 11 ديسمبر 1960 ذكرى خالدة في سجل إنجازات هذا الشعب الأبيّ الذي جسَّد روح التضامن والوحدة، وعبَّر بصدق للعالم أجمع عن مطلبه السامي لحرية وطنه، مدركا أنْ لا بديل عن الاستقلال غير الفعل الثوري والصبر على المكاره ورفع التحديات والسمو بالهمّة إلى مستوى الوعي التاريخي، كان نشيده:
نحن جند في سبيل الحق ثرنا وإلى استقلالنا بالحرب قمنا
لم يكن يصغى لنا لما نطقنا فاتخذنا رنة البارود وزنا
وعزفنا نغمة الرشاش لحنا وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا
يا فرنسا قد مضى وقت العتاب وطويناه كما يطوى الكتاب
يا فرنسا إن ذا يوم الحساب فاستعدي وخذي منا الجواب
ان في ثورتنا فصل الخطاب وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا
     وإذا كنا ـ أيها المسلمون ـ نحيي هذه الذكرى فإننا نهدف إلى استلهام العبر من سيرة الأبطال الذين وهبوا أنفسهم في سبيل الله والوطن، رجال لم تُغرهِمْ زخارف الدنيا ولا بريق المناصب ولا كسب الأموال، فتحدَّوا الصعاب وخاضوا معركة الشرف والكرامة، فكتبت لهم الشهادة، فهم في أعلى عليِّين. "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".
   فكونوا اليوم صفّا واحدا في كتيبة واحدة متراصّة لمواصلة الطريق، واحرصوا على تحمُّل المسؤولية في مسيرة البناءِ، والإخلاص  وحسن العطاء. كونوا خير خلف لخير سلف، سيروا على درب الأُلى الذين ساروا على نهج الهدى، وتدربوا على التضحية والفداء. صلوا الحاضر بالماضي، لتبلغوا أرفع مدارج العز في العاجلة، وخير منازل المقرّبين في العقبى .
    وإلى الله نتوجَّه ـ جميعا ـ بالشكر على ما أنعم به علينا من تخليصنا من أنياب شيطان الإستعمار، وأعاد أرض الإسلام إلى أمَّة الإسلام، ونستنزل رحمات الله الصيِّبة وصلواته الزكيَّة الطيبَّة، لشهدائنا الأبرار. فاللهم ارحمهم واجعل درجاتهم في عليين، ووفقنا للسير على طريقهم يارب العالمين.

الخطــبة الثانــية
     الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الأمين. اللهم صل وسلم على هذا النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
     أما بعد، أيها المسلون: فإذا كان الجزائريون خرجوا في ذلك اليوم في مظاهرات رافضين لكل ما هو فرنسي وواقفين صفا واحدة وقالوا كلمة واحدة "لا لجزائر كقطعة فرنسية، ونعم لجزائر حرة أبية" . فما أحوجنا ـ اليوم  ـ في أزمنة هذه الأحداث الجسام التي تعصف بأمتنا هنا وهناك، إلى أن نذكِّر أنفسنا ونذكِّر الناس بأيام الله فينا، فالتذكّر والتذكير في القرآن قضية ملحّة تهزّ عقول البشر هزا عنيفا، وتزيح أستار الغفلة التي تلقيها عليها بين الحين والحين نوازع النفوس الآثمة ومغريات الحياة، وذلك ليعود للعقل البشري صفاءه، لأن تلك السنن، سنن الله ولن تجد لها تبديلا ولا تغييرا.
     فالجزائر تمر اليوم بمرحلة تاريخية حساسة وفارقة في تاريخها الحديث، وهي بمثابة إعادة تأسيسٍ لدورها الريادي والحضاري في المنطقة العربية والعالم، وستفرز ـ بحول الله ـ من يشكّل الوجهة الحضارية لمستقبلها، وإن من يقرأ المشاهد ـ قراءة صحيحة ـ ولو على عجل يعرف أن أعداءً كثيرين لا يريدون للجزائر أمانًا ولا استقرارًا ولا رخاء ولا ازدهارًا،  يحركون مَا ـ وَمَنْ ـ يستطيعون لإطالة عمر الأزمة وإحداث الخلل وزعزعة الأمن ليسهل التآمر والتفكيك لتوجُّهات الشعب الجزائري، فهم يرغبونها فوضى ويبغونها عوجًا.
  وليس بعيدا عنكم تغريدة ذلكم النائب الأوروبي الفرنسي ذوي الأصول الإسرائيلية "رفاييل غلوكسمان" ، والتي جعلت البرلمان الأوروبي يخصص إحدى جلساته لمناقشة الوضع في الجزائر، للتشويش الممنهج في الوقت الذي يستعد فيه الجزائريون لانتخاب رئيس الجمهورية، وهذا تدخل سافر واستفزاز للشعب، وعمل مفضوح ومنبوذ يريد إشاعة الفوضى وترويج الفتنة وضرب استقرار البلاد.
   ولقد خفي على هؤلاء أن الجزائر على لسان شاعر ثورتها تمثّل في الوجود رسالة، رسالة ردّدت صداها جبال وصحاري ومدن وقرى الجزائر التي هبّ كل مواطن فيها ليصنع ملحمة تاريخية قلّ مثيلها في العالم، وعلى رجع صداها يسير المخلصون من أبناء الجزائر وبناتها. قال ـ رحمه الله ـ في خواطره وأسمعا:
إن الجزائرَ في الوجـود رسالةٌ الشعبُ حرّرها وربُّك َوَقّـعا
إن الجزائرَ قطعةٌ قدسيّةٌ في الكون.. لحّنها الرصاصُ ووقّعا
     ومن هنا يفرض علينا الواجب الديني والوطني والخلقي ضرورة التحلّي باليقظة والإيجابية والوعي والبعد عن السلبية والهوى والعصبية والعاطفة، فهناك مستجدّات ومتغيّرات تستوجب وتستلزم من العقلاء وأهل الخير جميعًا الوقوف صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص حتى لا يتحقّق للأعداء والمرجفون ما يكيدون، وإذا فات الفوت لا ينفع الصوت..
    أيها المباركون: وإن الشريعة إنما جاءت ـ كما قال ابن تيمية رحمه الله ـ "بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، ورجّحت خير الخيريْن بتفويت أدناهما"، وكما يقال: "ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشرّ الشرين".
إن اللبيب إذا بدا من جسمه * مرضان مختلفان داوى الأخطرا
   فإياكم.. إياكم وتعطيل مصالح الناس وإعاقة جهود الارْتِقاء بالمجتمع، فإن ذلك مدعاةٌ لكل من يعجز عن محاكاة الصورة المثالية للتراجع وترك العمل.. ورحم الله عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد -رحمه الله- حيث روي أنه لما استعمل على الجزيرة وعلى قضائها وخراجها ميمون بن مهران -رحمه الله- صَعُبَ عليه أن يُحاكيَ الوضع المثاليَ هناك، فكتب إلى عمر يستعفيه قائلا: كلّفتني ما لا أَطيق. فكتب إليه عمر: "اجْبِ من الخراج الطَّيب، واقض بما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فادفعه إليَ؛ فإن الناس لو كان إذا كبُر عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا".  البداية والنهاية لابن كثير 9/317.
  فالإسلام شرع النظام ونبذ الاختلاف المؤذي في جوانب الحياة كلها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في السياسية الشرعية: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالإجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بدّ عند الإجتماع من رأس". وساق رحمه الله الحديثين السابقين إلى أن قال: "ويقال: ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك". ا.هـ
البيتُ لا يُبتنى الا له عمدٌ * ولا عماد اذا لم تُرْس أوتاد
فان تجمَّعَ أوتادٌ وأعمدةٌ * وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم * ولا سراة إذا جُهالهم سادوا
  أيها المباركون: إن وطننا بحاجة إلى وقفة جديرة بحجمه وأهميته وقَدْره من رجال يستحقون أن يحملوا للوطن الكثير من العرفان، وأن يقدّموا له الجزيل من ردّ الجميل، والعطاء لأجل الوطن ليس صَدَقة أو مِنّة، ولكنه واجب وترجمة لمسؤولية لا يجوز التملّص منها، وإثبات بأنّ للوطن رجالاً يحيون من أجل الوطن.   
    فلا يثبطنّكم أصحاب المصالح والمرجفون الذين يوهنون قوى الأمة، ويفتّون في عضدها، أولئك لا يريدون إلا الفتنة وتفرق الشمل، فكونوا يدًا واحدة في مواجهة التحديات، وجنبًا إلى جنب وبكل ما أوتيتم من قوة ورأي وجهد في بقاء سفينة المجتمع الجزائري آمنة مطمئنة، تنعم بالسخاء والرخاء، لتصبح عصية على كل اختراق، ثابتة راسخة أمام أي ريح هوجاء قد تهب من هنا أو هناك، والله خير الحافظين..
    وليس من حق أي إنسان أن يوزع صكوك الوطنية علي الناس طالما هناك إجماع علي التغيير والهدف واحد ومتفق عليه، وهو خروج الشعب من هذه الهبَّة والحراك الباهر بحصيلة مركَّبة من نتائج باهرة ليس أعلاها قطع رأس أخطبوط الفساد، ولن يكون أدناها منح البلد رئيسا يتمتّع بقدر كبير من الشرعية، يؤطّر وبطانته الخيّرة لمنهج وطني شامل يقود الوطن وأهله إلى بر الأمان، ويسيّس أهلها بالإحسان..
     ثم بعد ذلك، وقبل ذلك.. لعل لله مَشيئةً تفوق طموح الشعب الجزائري، ويريد بهم ولهم فوق ما يطمحون.. قال العالم الرباني سيدي عبد الرحمن الثعالبي فخر الجزائر المحروسة وصاحب تفسير الجواهر الحسان رحمه الله:
إنّ الجزائر في أحوالها عجب * ولا يدوم بها للناس مكـروه
ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع * إلا ويُسرٌ من الرحمن يتلوه
نعم.. فالجزائر ـ ستظل بحول الله ـ وبتماسك أبنائها محروسة عصيّة على الإنكسارات، وقوة متماسكة ضد الشرور، فلا مجال للذين يشكلون أدوات هدم، أو يتوهمّون أن باستطاعتهم النيل من تماسك الوطن وأبنائه..  ورحم الله الشاعر الكبير البرناوي الذي رحل في الرابع والعشرين من فبراير عام 2009، في قوله
قد كنا أمس عمالقة * في الحرب نذل أعادينا
وإنا اليوم عمالقة * في السلم حماة مبادينا
أبطالا كنا لا نرضى * غير الأمجاد تحيينا
نزهو بالماضي في ثقة * والحاضر يعلو ماضينا
      #دامت الجزائر بفضل الله إلى ما شاء الله علقما في عين كل حسود، وإثمدا في كل عين كل ودود، وسقى أرجاءها المشرقة وأغصانها المورقة شآبيب الإحسان ومهدها بالأمن واالإيمان، ووفق أبناءها لاختيار الرجال الصالحين الذي يعينونهم على دينهم ودنياهم، وبارك فِي أَرْضِها وسمائها، وأكثر خيرها في بَرِّها ومائِها، وحفظ أهلها وأمنها وعقيدتها من كيد الأعداء ودسائس المغرضين، وجعلها آمنة مطمئة وسائر بلاد المسلمين.. وصل اللهم وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

27 أكتوبر 2019


الموضوع: ثورةٌ كُتبت أحداثها بدماء قانية غزيرة.

الخطبة الأولى
    الحمد لله رب العالمين، سبحت الكائنات بحمده وعنت الوجوه لعظمته ومجده، له الأمر كله وله الحكم كله وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ناصر المجاهدين ومبشر المؤمنين الصابرين. "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز". الحج:40. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه. أقوى المجاهدين وأشجع المقاتلين ورافع لواء الحق إلى يوم الدين. اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وارض اللهم عنا معهم أجمعين.
     أما بعد، عباد الله: إن لله سننا نافذة بمقتضى حكمته ومشيئته في ملك الأرض وسيادة الأمم، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فمن أخذ بنوع من تلك السنن بلغت به وبلغ بها إلى ما قدّر له من عز وذلّ وسعادة وشقاء وشدة ورخاء، سنة الله ومن ذا يبدلها أو يحولها؟. "فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا". فاطر:43.
   أيها المسلمون: إن القرآن الكريم قص علينا من أنباء السابقين مصلحين ومفسدين، وقال: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين". آل عمران:137.  فهو يربط ماضي البشرية بحاضرها وحاضرها بماضيها، وأنت تقرأ في سورة إبراهيم على نبينا وعليه السلام أمر الله لموسى عليه السلام أن يذكّر بني إسرائيل بأيام الله، قال تعالى: "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور، وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور". إبراهيم:5.
      كل الأيام أيام الله، ولكن المقصود هنا أن يذكرهم بالأيام التي يبدو للبشر أو لجماعة منهم أمر بارز أو خارق بالنعمة أو النقمة. ففي هذه الأيام ما فيه بؤس، فقيه آية للصبر وما فيه نعيم، فهو آية للشكر. والصبّار الشكور هو الذي يدرك هذه الآيات، ويدرك ما وراءها، ويجد فيها العبرة والعظة، كما يجد فيها تسرية وتذكيرا.
    أيها المسلمون: ويوم أول نوفمبر هو من الأيام الخالدة في تاريخ الجزائر، يوم ولد فيه الشعب الجزائري من جديد، ولد عملاقا كسّر قيوده وحطم أغلاله وهدم الحواجز والأسوار التي كانت دونه للعيش حرا كريما في وطنه.
       إنه يوم يعود بنا إلى ذكريات تحمل أحداثا في تاريخ وطننا وحياة شعبنا، وإنه لمن أيام الله فينا يذكرنا بآلام شديدة وبمحن عديدة، تذوقنا فيها المرارة والبلاء، ويذكرنا أيضا، بنعم لا تحصى، ذقنا حلاوتها، ونعيش اليوم سعادتها، والحمد لله رب العالمين.
     إن أول نوفمبر يذكرنا بثورة عظيمة صنعت التاريخ وبهرت العالم وقهرت الجبابرة وقصّرت آمال المستعمرين وقصمت ظهور المستدمرين وغيرت مجرى الأحداث وأعطت لشعوب العالم دروسا عملية في الجهاد والتضحية والثبات والاستشهاد.
    إنها ثورة الفاتح من نوفمبر 1954م. يوم الاثنين الخامس من ربيع الأول 1374 هـ.. كان عدد المجاهدين الذين فجّروها على المستوى الوطني يوم انطلقت: 1200 مجاهد. وكلّ ما يملكون: 400 قطعة سلاح وقنابل تقليدية معدودة، وكان الله معهم وكان إيمانهم به عظيما وكان صبرهم جميلا فصدقهم الله وعده: "قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين".
    أيها المسلمون: وإن ثورة التحرير المباركة ثورة يجب تذاكرُها والتذكُّرُ بها لنعلم أن سنة الله فيمن خالف منهجه وحارب أولياءه معلومة، ونعلم كذلك أن جند الله هو المنصورون والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فلقد كان في وقائعها من الدروس والآيات المبهرة، والدلالات المؤثرة ما يجعل المؤمن يطير فرحا بموالاته لمولاه ويرتعش خوفا إذا هو خالفه وعصاه.
     ثورة نوفمبر كتبت أحداثها بدماء قانية غزيرة أهرقت في ميادين المقاومة وفي المساجد وفي الجبال الوعرة حيث كان الأحرار هناك يقاومون. أبطالها مليون ونصف مليون من الشهداء الأبرار وملايين اليتامى والثكالى والأرامل والمعطوبين.
    ولقد سجل التاريخ صورا رائعة عن البطولات التي تُثبت بسالتهم في الجهاد وتبيّن مدى ما وصل إليه إيمانهم القويّ وعقيدتهم الراسخة في ساحات القتال، لقد كتبوا مجد أمتهم وتاريخهم بأروع الملاحم البطولية.  وهناك صور رائعة عن البطولات التي تُثبت بسالتهم في الجهاد وتُبيّن مدى ما وصل إليه إيمانهم القويّ وعقيدتهم الراسخة في ساحات القتال. واقرأوا معي تلك الرسالة التي كتبها الشهيد "أحمد زبانة " المولود سنة 1926 بجنين مسكين الذي ألقى البوليس الفرنسي عليه القبض، وحكم عليه بالإعدام، وليلة التنفيذ صلى ركعتين، وقدّم هذه الرسالة إلى محاميه، يقول فيها:
  "أقاربي الأعزاء أمي العزيزة: أكتب إليكم ولست أدري أتكون هذه الرسالة هي الأخيرة، والله وحده أعلم. فإن أصابتني مصيبة كيفما كانت، فلا تيأسوا من رحمة الله.  إنّما الموت في سبيل الله حياة لا نهاية لها، وما الموت في سبيل الوطن إلا واجب، وقد أدّيتم واجبكم حيث ضحّيتم بأعزّ مخلوق لكم، فلا تبكوني بل افتخروا بي. وفي الختام تقبّلوا تحية ابن وأخ كان دائما يحبّكم وكنتم دائما تحبّونه، ولعلها آخر تحيّة منّي إليكم، وأنّي أقدّمها إليك يا أمي وإليك يا أبي وإلى نورة والهواري وحليمة والحبيب وفاطمة وخيرة وصالح ودينية وإليك يا أخي العزيز عبد القادر وإلى جميع من يشارككم في أحزانكم. الله أكبر وهو القائم بالقسط وحده". ـ السجن المدني بالجزائر: في يوم 19 يونيو 1956 .. أحمد زبانا.
     وهذا الشهيد "العربي بن مهيدي" الذي ألقى البوليس الفرنسي القبض عليه في السابع والعشرين من فبراير سنة 1957، ثم سلط عليه أشد ألوان التعذيب، لقد اقتطعوا جلدة رأسه ثم أخذوا سفودا بعد أن أصلوه نارا حتى أبيضّ، وأدخلوه في فمه وحلقه رغبة منهم في استخراج أسرار الثورة فلم يفلحوا، وفي أول مارس من نفس السنة فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، ولقد رثاه شاعر الثورة بقصيدة منها:  
اشنقوني فلست أخشى حبالا  واعدموني فلست أخشى الحد يدا
أنا إن مت فالجــــــــــــــــزائر تحـــــــــــيا      حـرة مسـتــــــــــقـلة لن تبـــــــــــــــــــيدا
قولة ردّد الـزمـان صـــــــــــــــــــــــــــداها        قدسـيـا فـأحســـــــــــــــن الترديـدا
احفـــظوها زكـيــة كالمــــــــثاني         وانـقـلوها للجـــيل ذكرا مجــــيدا
وأقيموا من عرشـــــها صلوات        طـيـبـات ولقــــــــــــــــــــــــنوها الوليدا
    نعم .. أيها الجزائريون: لقنوا هذا لأبنائكم وبناتكم وذكّروهم بأن الاستعمار الفرنسي جنّد كل إمكاناته وكل طاقته المادية والمعنوية والبشرية المتمثلة في العدد الضخم من المجندين الذين غطوا جميع أرجاء البلاد، انتشروا في الجبال والسهول وفي الجنوب والشمال وفي شرق البلاد وغربها، مع ما توفر لديهم من أحدث الأسلحة وأفتكها، حولوا المساجد إلى كنائس والمدارس إلى قاعات للتعذيب وانتهاك الحرمات والفتك والقتل، جعلوا من الساحات والجبال مقابر للشهداء ومن المراحيض زنزانات.
  سلوا معتقل "شلالة" و"الجرف" بمدينة المسيلة؟. وسلوا معتقل "بـَطِيوة" وآركول" و"سيدي الشحمي" بوهران؟. وسلوا معتقل "ماجنطا" ومعتقل الضاية بسيدي بلعباس المعروف بـ"بُوسْوي"؟.
      وسلوا، سلوا الشهداء الأحياء، الشهداء الذين يحملون وسام الشهادة وشرف التضحية في صمت؟.
   وساما رسمه التيار الكهربائي على الأجسام، وتفنن في إبداعه المتخصصون في نزع الأظافر وخلع الأضراس وسمل العيون وبقر بطون الحوامل، حتى زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، واستعجل النصر.
يا ربِّ عجل بنصر كَم وعدتَ به فـــإن بابك باب ليس ينغلق
روحي وهبتك يا روحي فدا وطني زلفى إلـى اللـه لا مَنٌّ ولا مَلَق
وتلاقت الأيدي المؤمنة، "وقال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله، كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين". البقرة:249. فأعلنوها ثورة شعبية في وجه من اغتصب الأرض وأذل الشعب، وأراد فصله عن مقوماته، فكان أول نوفمبر، وكان الأمل الباسم، والقدر المشرق الذي ألف القلوب، وجمع الصفوف، وحدد الهدف، فهان الموت وطاب الاستشهاد في سبيل الغاية الشريفة والمقصد النبيل، "ولينصرن الله من ينصره".
       فاذكروا هذا -أيها المسلمون-وحافظوا على تراثكم المجيد، ومجدكم العظيم الذي ورثتموه عن أسلافكم، وأعدوا ليومكم وغدكم ما استطعتم من قوة، تؤيدون بها حقكم وترهبون بها عدوا الله وعدوكم، وتذودون بها عن وطنكم. وعليكم أن تنسوا في سبيل ذلك أشخاصكم، فاتحدوا ولا تختلفوا. "واتقوا الله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين". الأنفال:46.
 نفعني الله وإياكم بما قلت، وأستغفر الله لي ولكم...

الخطبة الثانية
    الحمد لله المعز لمن أطاعه واتقاه، أحمده سبحانه هو المتفرد في علاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، نبي الهدى، فأكرم بمن سار على نهجه واقتفاه. فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
   أما بعد، فإن أول نوفمبر ـ أيها المسلمون ـ يوم يعود بنا فنذكر تلك السنين المائة والثلاثين التي عاشها الشعب الجزائري تحت حكم الإستعمار الفرنسي البغيض، والتي تعرض أثناءها إلى الإبادة الروحية والجسدية، فعذب وسجن وشرد وما زاده ذلك إلا تمسكا بعقيدته الراسخة ومطالبه الشرعية.  
       إنه الإيمان المتأصّلٌ في النفوس، والتضحيةٌ بالنفس في سبيل الله جانبان من أروع جوانب ثورة التحرير وكبرياءٌ شامخٌ ميّز الشعب الجزائري الأعزل إلا من إيمانه بحقه، وثقته بنفسه.
    فاذكرواـ أيها الجزائريون ـ وأنتم تحتفلون بهذه الذكرى، إخوة لكم حازوا قصب السبق، وفازوا بالخلود، إنهم الأبرار من الشهداء الذين استأثروا برحمة الله وفي سبيل الله تركوا أهلهم وباعوا أنفسهم وأموالهم فاشتراها منهم ربهم بجنة عرضها السموات والأرض ونعيم مقيم. كانوا يسارعون إلى الاستشهاد استجابة لأمر الله عزّ وجل وتلبية لنداء الوطن، موقنين بأن الموت في هذا السبيل حياة وأن ما عند الله خير وأبقى.
     فاذكروا هؤلاء، ولتحيا في نفوسكم المعاني التي كانوا يجسدونها ولتتعمق في قلوبكم المبادئ التي وهبوا حياتهم من أجلها، وأحيوا جميل مفاخرِ وطنكم وأمجادِه وأحرصوا على الوفاء له وإِسعادِه، فإنَّكم عليه أُمناء، كونوا له نعم الأَبناء بالحرص على تحمُّل المسؤولية في مسيرة البناءِ والإخلاص له وحسن العطاءِ. كونوا خير خَلَف، لخير سلف، سيروا على درب الأُلى الذين ساروا على نهج الهدى، وتدربوا على التضحية والفداء. صِلُوا الحاضر بالماضي، لتبلغوا أرفع مدارج العزّ في العاجلة، وخيرَ منازلِ المقرّبين في العقبى.
         اللهم ارحم شهداءنا الأبرار ووفقنا للسير على طريقهم يا رب العالمين، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستقيم على أمرك، وانصرنا على أعدائنا حتى نسعد بظهور دينك، اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام، اللهم اجعل الجزائر بلدا آمنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم قها شر أعدائها، واعصم أبناءها من الزلل، ووفقهم لصالح القول والعمل.
   ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا لجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين. 

11 أغسطس 2019

الموضوع: خطبة عيد الأضحى (1440هـ ـ2019م)

الخطبة الأولى
   الله أكبر (7)، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
   الله أكبر حقاً حقاً، الله أكبر محبة وصدقاً، الله أكبر عبودية ورقاً. الله أكبر تشدو بها الطيور على الفنن، وتلهج بها الألسن في كلّ زمن. الله أكبر، له الكبرياء والثناء، وإليه الرجاء ومنه النعماء. الله أكبر لم تحجبه سماء عن سماء، ولا شغلته أرجاء عن أرجاء، الله أكبر دعاه المريض على سريره، وفزع إليه المنكوب في أموره، وهتف باسمه الرُّبّان في البحار، ولهج بذكره من ضلّ في القفار. الله أكبر يُدعى للكرب الشديد، ويُنادى للخطب العتيد، يُفَرَّ إليه في الملمات، ويُركَن إليه في الأزمات. 
   الحمد لله كم أعطى من النعيم، الحمد لله كم منح من الخير العميم، الحمد لله كم تفضل به من النوال الجسيم، الحمد لله عمت نعمه، وانصرفت نقمه، وتضاعف كرمه. الحمد لله على تمام المنة، الحمد لله بالكتاب والسنة، والحمد لله على نعمة الإسلام، الحمد لله على تواتر الإنعام، الحمد لله ما توالت أفضاله، وعم نواله، وحسنت أفعاله، وتمت أقواله، الحمد لله وحمده أحسن قيل، وهو مولي الجميل، وواهب العطاء الجزيل، وشافي العليل، والمبارك في القليل، الحمد لله أجود من أعطى، وأصدق من أوفى.  
 وصلى الله  وسلّم على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، طاهر المظهر والمخبر، خير من دعا إلى الله وبشر وأنذر، وأفضل من صلى وزكى وصام وحج واعتمر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مديداً وأكثر .
إنه العيدُ جاءَ ضيفًا عزيزًا  * فاكتُبُوا بالمِدادِ فيضَ التهاني
كبّرُوا اللهَ، عَلَّ تكبيرةَ العيدِ* تضخّ الضميرَ في الشريانِ
زلزلَتْ في القديمِ إيوانَ كسرَى* هلْ تهزُّ الغداةَ كِسرَى الزمانِ
    أما بعد :فاتقوا الله تعالى ـ عباد الله ـ واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الدين العظيم، الذي أكمله لكم، وأتم عليكم به النعمة، ورضيه لكم ديناً، قال تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" . 
عباد الله: لئن فاخرتِ الأمم مَن حولنا بأيامها وأعيادها فإنما هي تضرب في تيهٍ، وتسعى في ضلال، ويبقى الحق والهدى طريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فالحمد لله الذي هدى أمة الإسلام سبيلها وألهمها رشدها، وخصها بفضلٍ لم يكن لمن قبلها. فيا ربنا لك الحمدُ سرًّا وجهرًا، ولك الحمدُ دومًا وكرًّا، ولك الحمد شعرًا ونثرًا. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
    أيها المسلمون: هذا يوم عظيم، هو يوم الحجِّ الأكبر أفضل أيام السَّنة، وهو أكبر العيدين وأفضلُهما، وهو   خاتمة أفضل عشرٍ في العام، وهو الوسط بين أيام العشر وأيام التشريق، وكلُّها أيام ذِكرٍ وتكبير؛ قال تعالى: "وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ". الحج: 28، وهي أيام العشر؛ وقال تعالى: "وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ". البقرة: 203، وهي أيام التشريق، وهي أيام أكْلٍ وشربٍ وذِكرٍ لله تعالى كما جاء في الحديث.
   فما أعظمَ فضلَ الله تعالى علينا! وما أشدَّ رحمتَه بنا! إذ هدانا إلى ما يقرِّبنا إليه، فله الحمد دائمًا وأبدًا. .  الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.    
    اليوم -يا عباد الله -يومُ الذِّكر والشكر، وهو يوم الذبح والنحر، قال تعالى: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ". الكوثر: 2.   يومٌ امتحن الله فيه قلوب عباده المؤمنين وأوليائه الصالحين، ليَعلم علم مشاهدةٍ ما تنطوي عليه هذه القلوب من الخير والطاعة والإستسلام والتضحية.
    يومٌ امتحن الله فيه نبيه ورسوله وخليله أبا الأنبياء إبراهيم على نبينا وعليه السلام لرؤيةٍ رآها، كما ذكر الله في كتابه العزيز، قال تبارك وتعالى: "وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ". سورة الصافات: 99ـ11ـ1
    يا له من بلاء، ويا له من امتحان.. ولكن أمر الله يجب أن يطاع، والأنبياء أحرص الناس على طاعة الله، وقد صدّق إبراهيم الرؤيا، ورضي بقضاء الله وسلّم تسليما، ولم يجد من ابنه إسماعيل إلا الصبر والطاعة المطلقة والإستسلام التام: "يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين".
         ويطرح إبراهيم ابنه على جبينه لينفّذ أمر الله فيه، فإذا برحمة الله التي هي دوما قريب من المحسنين، ويعلم الله من الأب والإبن إخلاصَهما وصفاءَ معدنهما فيجعل لهما من أمرهما مخرجا، فيأتي النداء من السماء: "يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين". وينظر إبراهيم على نبينا وعليه السلام فيجد الكبش محضرّا أمامه ويُؤمَر بذبحه ويَخلي سبيل ابنه، فذبحه وهو يكبر تعظيما لله وشكرا له، ويخلِّد القرآن هذا الحادث ويصفه بأنه البلاء المبين كما سمعتم.. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر.
     عباد الله: لقد مرّ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بامتحان التّكليف فَوَفَّيَا، فهل نوفّ نحن أم ننتكس؟
       فبعض المغزى من قصة إبراهيم على نبينا وعليه السلام أن يمتثل المسلم أمر الله لا يتلكّأ ولا يتهرب، وأن يكون سخيّا معطاء، وأن يعتقد بأن الله جاعل له من أمره يسرا، قال تعالى: "إنا كذلك نجزي المحسنين".
     وما هذه الأضاحي التي تتقرّبون بها إلى الله في يومكم هذا إلا سنة أبيكم إبراهيم ونبيكم محمد عليهما الصلاة والتسليم، ولقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن لنا بكل شعرة منها حسنة وبكل صوفة حسنة، وإنها تأتي يوم القيامة شاهدة لصاحبها بما قام به من الشكر لله والتودّد إلى إخوانه. فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحبّ إلى الله من إهراقه دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدّم ليقع من الله عزّ وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا". رواه الترمذي.  الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
       فهنيئا لكم هذا اليوم، وهنيئا لكم بما منّ الله عليكم من بهيمة الأنعام، فاشكروا الله وكبروه، وضحّوا عن أنفسكم وأهليكم، واقتدوا بنبيكم صلى الله عليه وسلم حيث ضحّى عنه وعن أهل بيته. قال أنس رضي الله عنه: "ضحّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين– أي أبيضين خالصين– أقرنين، ذبحهما بيده، وسمّى وكبر ووضع رجله على صفاحهما". رواه البخاري.
   ألا وإن السنة في ذبح الأضحية أن تكون بعد صلاة العيد، فقد روى البخاري بسنده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إنَّ أوّلَ ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلِّي، ثم نرجع فننحَر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنّتنا، ومن نحر قبلَ الصلاة فإنما هو لحم قدّمه لأهله، ليس من النسُكِ في شيء". فاذبحوا أضاحيكم في هذا اليوم المبارك، وليكن رائدكم في عملكم هذا تقوى الله، قال تعالى: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم". الحج: 137. وكلوا منها وأطعموا البائس الفقير والقانع والمعترّ، واعلموا أن ما تقدّمونه من خير فلأنفسكم، واشكروا الله وأكثروا من حمده وعظموا شعائر الله، "فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ". الحج:32،  واعلموا أنه ما عُبِد الله في يوم النحر بمثل إراقة دم الأضاحي، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، والذبح ممتد إلى غروب الشمس من ثالث أيام التشريق.. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
    واعلموا أنه يشرع في هذه الأيام التكبير المقيد في أدبار الصلوات المكتوبة، فكبّروا وارفعوا به أصواتكم، وأحيوا سنة نبيكم نَضَّرَ الله وجوهكم. جعل الله لنا ولكم مواسم الخيرات مربحا ومغنما، وأوقات البركات والنفحات إلى رحمتك طريقا وسلما، وصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه،  أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه...   
الخطبة الثانية
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا..
   الحمد لله رب العالمين، نحمده حمد الشاكرين، سبحانه سبحانه، هو أكبر من كل كبير، وله الخلق والتدبير وإليه المرجع والمصير وهو نعم المولى ونعم النصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد
أتاكم العيد بالأفراح فاحتفلوا ـ واكثروا من تهاني العيد واتصلوا
وبلّغوا الأهل والأصحاب تهنئة بالعيد يزهر فيها الحب والأمل
    أما بعد، فاتقوا الله ـ عباد الله ـ وأطيعوه، فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل، وهي العدّة العتيدة لمن رام خيرًا وصلاحًا، ونَشَد عزًا وفلاحًا، وقَصد برًّا وتوفيقًا ونجاحًا.
أيها المسلمون: إن الأعياد ليست بعودة الأيام ولا بتكرّر السنين، وإنما بما يتحقّق فيها من القيم الإنسانية والأهداف النبيلة، قال أبو إسحاق الألبيري مبينا حقيقة معنى العيد:
ما عيدُك الفخْمُ إلا يومَ يُغفَرُ لَكْ * لا أن تَجُرَّ به مستكبراً حُلَلَكْ
كم من جديدِ ثيابٍ، دينُهُ خَلِقٌ * تكادُ تلعَنُه الأقطار حيث سَلَكْ
ومن مُرَقَّعِ الأطْمارِ ذي وَرعٍ * بكت عليه السَّمَا والأرضُ حين هَلَكْ
   فما الأعياد إلا مظهر من مظاهر الطاعة والتقوى والأخوة الصادقة والتعاون والتعاطف والتراحم بين المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا، فيومكم هذا هو يوم تآخ وتصادق وتسامح وتصالح، أفرغوا صدوركم من الضغائن والحقد والغلّ والحسد، وصِلوا أرحامكم وأقاربكم وجيرانكم وأصلحوا ذات بينكم..
   واعلموا ـ عباد الله ـ أن ربنا أَمَرنا بأن نتعاون على كل خيرٍ مباركٍ فيه عزٌّ للإسلام و أهلِه، وعلى كلّ ما فيه نفعٌ للمسلمين. جاء في تفسير القرطبي عند تفسير قوله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". المائدة: 02، قال الماوردي: "ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبرّ وقرنه بالتقوى له، لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومَن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمّت سعادته وعمّت نعمته". وقال ابن خُوَيْزٍ مَنْدَادُ في أحكامه: "والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه: فواجبٌ على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلّمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة، قال : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم".الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله  كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
  عباد الله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظ النساء في صلاة العيد بعد الرِّجال، واقتداء بِه، أقول مستعينًا بالله ربي: أيَّتُها النساء: اتَّقِينَ الله في أنفسِكُن، فاحفظنَ حدودَه، واعملنَ بأوامره، واجتنبنَ ما نَهى عنه وزَجر، وقُمنَ بحقوق أزواجكنَّ وأبنائكنَّ وبناتكن، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واحذرنَ أشدَّ الحذَر أنْ تنجرِفنَ إلى ما تفعله بعض نساء المسلمين اليوم مِن الخروج إلى الأسواق والمستشفيات والمنتزهات والبِحار والطُّرقات وأماكن العمل مُتبرِّجات مُتجمِّلات مُتطيِّبات قد كشفنَ عن وجوههنَّ وشُعورهنَّ ونُحورهنَّ وسِيقانهن، ولبِسنَ الألبسة الضيقة التي تُجسِّد وتُفصِّل أعضاء البدن، فإنَّ ذلك لَمِن المحرَّمات الكُبرى، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا".

أيَّتُها النساء: أكثِرنَ مِن الصدقة، وزِدْنَ في الإنفاق في سبيل الله، كلما تيسَّر لكُن، واحذَرْنَ اللعن للأهل أو الرِّفقة أو الأباعد، وابتعِدْنَ عن مُقابلة إحسان الأزواج لكنَّ بالجُحود والكُفران وعدمِ الشُّكر، واحفظنَ جميلهم عليكُن دون نسيان ما استطَعْتُن، فإنَّ اللعن وكُفران الإحسان مِن أعظم أسباب كثرة النساء في النار، إذ صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على النساء في مُصلَّى العيد فقال لهن: " يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّار، فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ". والعَشير هو: الزوج.

هذا وأذكّركم ـ عباد الله ـ ونفسي آلاء الله، ونِعمَ الله، وعطاءَ الله، فاشكروه سبحانه وتعالى يزدكم، فإنه من لم يشكر الله عز وجل أصابه موعوده سبحانه وتعالى من الهلاك والدمار، قال تعالى: "وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ". النحل:112.
     فانظروا  أي نعمة نعيشها؛ نعمة الأمن في الأوطان واجتماع الأهل والخلان والصحة في الأبدان، ولذا وجب علينا أن نشكر الله، ونتذكّرَ إخوانًا لنا مفزَّعين ملْتَاعِين في فلسطين وفي بلادِ الرافدَين وفي ليبيا واليمن وفي كلّ مكان، والله المستعان على ما تَصف وتَنْقُل وكالات الأنباء ونشرات الأخبار.. وكم عمَّ في كثير من البلاد الإسلامية من فتن وضلالات، فرَّقت الأمة ودمَّرت البلاد، دمروا بلادهم بأيديهم قبل أيدي أعدائهم، وفسحوا المجال لتدخل الأعداء في شئونهم، فتن فرّقت القلوب ومزّقت الشمل. وتناسينا فلسطين الجريحة.
كانت فلسطين موالاً لأمتـنا * ما بالها لم تعد للناس موالا
تعددت يا بني قومي مصائبنا * فأقفلت بابنا المفتوح أقفـالا
كنا نعالج جرحاً واحدا فغدت * جراحنا اليوم ألوانا وأشكالا
        أيها المسلمون: الوضع خطير والجرم كبير والفساد عريض، فتنٌ أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "فتنٌ يرقق بعضها بعضاً"، ما تأتي فتنة عظيمة إلا ويعقبها ما هو أعظم وأشد منها، كل ذلك بأسباب ذنوب العباد وإعراضهم عن شرع الله وانخداعهم بآراء أعداء الله المندسين بين صفوفهم المريدين تدميرهم من حيث لا يشعرون، نسأل الله أن يثبتنا على دينه وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهديَ الجميع إلى صراطه المستقيم.
     اللهم تدارَك أمةَ نبيِّك الأمين، وانصرهم على عدوّك وعدوهم يا قوي يا متين، اللهم انشُر بينهم الأمن والإيمانَ والتقوى، وجنِّبنا وإياهم الآفات في السر والنجوى، يا كاشف كلِّ بلوى، لا إله إلا أنت يا رب العرش العظيم، اكفِنا ما أهمَّنا وما لا نهتمُّ به، وما أنت أعلمُ به منا، وكن هَمَّنا أنت وحدَك يا أكرم الأكرمين. اللهم يا محوِّل الأحوال حوِّل حالنا وحال المسلمين أجمعين إلى أحسن حال، وعافِنا من أحوال أهل الضلال وفِعل الجهال يا رب العالمين، اللهم نسألك لنا ولبلدنا وللأمة مِن خير سألك منه عبدُك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك مما استعاذك منه عبدُك ونبينك سيدُنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم وإن لنا إخوانا هم حجاج بيتك نغبطهم على ما يسرت لهم، لكن نسألك أن تتقبّل منهم، وأن تيسّر أمورهم، وأن تجعل حجهم مبرورا وذنبهم مغفورا، وأن تعيدهم إلى بلدانهم سالمين وبالأجر غانمين. ربنا اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، وأعد علينا على اليوم بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
.وكل عام والجميع بتوفيق الله في خير وعافية، وصلى الله وسلم على محمد.