18 يناير 2012


الموضوع: في الحثّ على الزواج والدعوة إلى تخفيف المهور 
 
 الخطبة الأولى
   الحمد لله الذي بدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين.  "خلق من الماء بشرا، فجعله نسبا وصهرا، وكان ربك قديرا". الفرقان: 54.  أحمده سبحانه، وأشهد أنه الله، لا إله إلا الله هو الحكيم العليم، "خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة..". الروم:22. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وهاديا إلى الصراط المستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد، فقد قال تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة  وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تسّاءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا". النساء:1.
    عباد الله، إنّ المشاكل والهموم الاجتماعية التي توجد بين المسلمين في المدن والقرى، وبين الأمم والشعوب، لا بد لكل مسلم أن يهتم بها وبمعالجتها والبحث عن أسهل الطرق التي تكفل للقضاء عليها والتخلص منها، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم". رواه الطبراني.
ألا وإن من الأمور الهامة التي يجب أن نقف عندها اليوم: مشكلة غلاء المهور والتفاخر بها، وردّ الأكفاء وعدم الاستجابة لهم، وإقامة الحفلات والإسراف فيها وما يلابسها من منكرات!.
    أيها المسلمون: إن الزواج من ضروريات الحياة، لا بدّ منه لكل من الرجال والنساء، كما أنه من سنن المرسلين، وهدى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فقد أخبر – صلى الله عليه وسلم–أن النكاح من سنته. فقال: "من رغب عن سنتي فليس مني". رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم حاثا على الزواج: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج". متفق عليه.
   وأعلم وتعلمون ـ يا عباد الله ـ أن الزواج يكثر في موسمنا هذا – موسم الصيف – وهذه محمدة ومسرّة، لأنه تنفيذ لأمر الله، واتباع لسنة رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام، وتمتع بما أباح الله عز وجل لعبادة من نيل الشهوة، وإمضاء لما تقتضيه الغريزة والفطرة، وتحصيل للمصالح العظيمة التي تترتب عليه في الفرد والمجتمع، وحجاب دون المفاسد التي تحصل بفقده .
    إن الزواج نعمة يسرّ بها كل مؤمن، ولكن هذه النعمة أحيطت بأمور قد تحولها إلى نقمة وكارثة، أحيطت بالمغالاة في المهور، وأحيطت بالأعمال المنحرفة في الأعراس، وكل هذا هو خلاف أمر الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    أيها المسلمون: إن السنّة تخفيف المهر وتقليله، فأعظم النكاح بركة أيسره مئونة، فبناء الأسرة وإنشاؤها لا بد أن ينهض على أسس الإخاء لا المفاضلة، والثقة لا المساومة، والإيثار لا الأثرة. فالغلوّ في الصداق والتكلف فيه، بداية عسرة ومعوقة لبناء الأسرة. من أجل هذا اهتمّ الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه البداية، فقد ذهب إليه أحد أصحابه يخبره أنه تزوج، فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم: "على كم تزوجتها؟ ".  قال: "على أربع أواق"، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم مستكثرا، وربما مستنكرا "على أربع أواق!. كأنكم تنحتون الفضة من عرض الجبل". رواه ابن حبان. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم الزواج بركة، أيسره مئونة". رواه أحمد. وقال: "خير الصداق أيسره". رواه أبو داود والحاكم وصححه .
     أيها المسلمـون: إن المغالاة في المهور إلى حدود الكثرة البالغة غير محمودة، قال الفقهاء: إن المغالاة في المهور غير جائزة ابتداء، فعلى الناس ألا يزيدوا على خمسمائة درهم، فإن زاد على ذلك فهو مكروه، وهذا رأي الحنابلة والشافعية. لما روي مسلم عن عائشة رضي الله عنها: "أن صداق النبي– صلى الله عليه وسلم– على أزواجه خمسمائة درهم". أما المالكية والحنفية فقالوا: لا حدّ لأكثره، بل هو منوط بأمرين: قدرة الرجل المالية، وحالة المرأة، وما يليق بها.
ولعلكم سمعتم ـ عباد الله ـ أن عمر بن الخطاب أعلن تحديد المهر وهو على المنبر، فصاحت امرأة قائلة: ليس هذا لك يا ابن الخطاب، والله يقول: ".. وآتيتم أحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا..". النساء:20. فقال عمر: "أصابت امرأة وأخطأ عمر" !.
    نعم– أيها المسلمون– إننا لا ننكر حقا قرره الله سبحانه وتعالى في كتابه، ولكننا ننكر حالة الغلو التي تضايق الأكفّاء وتجعلهم ينصرفون عن الزواج، إن هذه المغالاة حرام! وهو أمر يجب العدول عنه، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". رواه الترمذي.
    فاتقوا الله– عباد الله– وخففوا المهور، وقللوا من المطالب، وسهلوا أمر الزواج،  واعلموا أنه لو كان غلاء المهور مكرمة في الدنيا، أو تقوى عنـد الله، لكان أولاكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقتدوا بنبيكم، وتشبهوا بسلفكم الصالح. لا تغالوا في المهور، ولا تسرفوا في الحفلات. لا تضيعوا أموالكم بما لا يعود عليكم بمصلحة أو ربما عاد بالمضرة العاجلة أو الآجلة. فلا يرهق الزوج أهل الزوجة بما لا طاقة لهم به، أو أنّ أهل الزوجة يرهقون الرجل بما لا طاقة له به. فهذا مخالف للإسلام، وعائق عن إقامة البيوت وصيانتها، فالسعادة في الأخلاق والدين، والإستقامة وحسن العشرة، لافي الأثاث والرياش، ولا في القشور والقصور .
قال صلى الله عليه وسلم: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز ّوجل خيرا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله". رواه ابن ماجة.
أقول ما تسمعون، واستغفر الله لي ولكم، وللمسلمين أجمعين من كل ذنب فاستغفروه... 

 الخطبة الثانية
   الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين.  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله.
   أما بعد: فقد قال تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم و إمائكم، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم". النور:32.
    هذه الآية– أيها المسلمون– تعالج المشكلة الإجتماعية التي نتحدث عنها، ففي الآية: ندب وحثّ على تزويج الأيامى– جمع أيّم– وهي المرأة لا زوج لها و الرجل لا زوج له، وفيها الوعد من رب العزة بالغنى والخير لمن يتزوج يريد العفاف، وفيها قطع حجة الأولياء في رفض زواج الفقير لفقره، خشية أن يزيده الزواج فقرا وبؤسا. 
وصدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: "عجبت لمن ابتغى الغنى بغير نكاح والله يقول: "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ".
   فيا أيها المسلمون : إن الزواج ليس تجارة أو مغنما، أو سبيلا إلى الغنى والجاه بأي حال، ولا معرضا يقام للحسن والجمال، وإنما هو: إيمان وأخلاق ينبئ عنهما صلاح الزوجين وحسن الفعال .
 فإياكم.. إياكم، والتشدد فيه. والمغالاة في المهور!. واعلموا أن السيرة روت لنا أن جهاز علي وفاطمة رضي الله عنهما، وهما أينعا الزهرات في شباب هذه الأمة كان - كما رواه الإمام أحمد و غيره- "سرير مشرّط، وخميلة وقربة للماء ووسادة من أدم– جلد– حشوها ليف". فأيّكم يقول بأن ابنته أفضل من فاطمة رضي الله عنها؟.
وتحدث أم سلمة رضي الله عنها عن الوليمة ليلة زفافها برسول الله صلى الله عليه وسلم  كانت بعض من الإدام، ودقيق الشعير، أما أكبر وليمة حُدّثنا عنها، فما وقع عند زواج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان أغنى صحابي. لم تزد عن شاة حين أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك: "أولم ولو بشاة ".
      اللهم انفعنا بسيرة نبينا، وهدي رسولنا، وطريقة أصحابه المطيعين لأمره، المتبعين لسنته، اللهم ردنا إلى دينك ردا جميلا، وانصرنا على أنفسنا حتى نستقيم على أمرك، اللهم جنبنا التقليد الأعمى، والتشديد المضرّ، ووفق أبناءنا وبناتنا إلى العمل بما يرضيك، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ... اللهم اجعل بلدنا آمنا وسائر بلاد المسلمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق