05 يناير 2017



الموضوع: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا..

الخطبة الأولى
    الحمد لله، أحمده سبحانه وأشكره على سوابغ نعمه التي تزداد بالشكر فلا تبور، وأستمنحه جلّ في عليائه التوفيق في كلّ الأمور، فهو سبحانه المؤمّل لكشف كل كرب وجبر كل مكسور. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له الغفور الشكور. وأشهد أنّ محمدا عبد الله ورسوله، بعثه بالهدى والنور، فأشرقت شمس الحقّ في كل الرّبوع والدّور فغدت في سعادة وسرور ورضوان وحبور. صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ليوث الوغى والثغور، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم البعث والنشور.
     أما بعد: فأوصيكم ونفسي ـ أحبتي ـ بتقوى الله عز وجل، فإنها دليل الحيران وريّ الضمآن وأنيس الولهان، وخاصة ونحن في زمن لا يدري الواحد منا أيّ الأحداث يتابع، وأيّ المآسي ينازع.
تعددت يا بني قومي مصائبــــنا * فأقفلت بابنا المفـتوح إقفــــالا
كنا نعالج جرحا واحدا فغدت * جراحنا اليوم ألوانا وأشكالا
    أيها المسلمون: إنه لا سعادة للبشرية عامة وللمسلمين خاصة إلا بالعودة لمنهج الله عز وجل الذي خلق الإنسان وحده، وهو وحده الذي يعلم ما يسعده وما يفسده "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ". الملك:14. وفي منهج الله قمة الخير للإنسانية كلها لتعيش الجماعة كلها في هدوء وأمان. والواجب على أهل الحق والمصلحين أن يأخذوا على أيدي الحمقى قبل أن تغرق السفينة بالجميع.
    فلقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم حال الناس وموقفهم مما يكون في المجتمع من منكرات وإخلال بأمن وهدوء الجماعة، بحال قوم ركبوا سفينة فاقتسموا أماكنهم فيها بطريق القرعة، فكان من نصيب بعضهم الجزء الأعلى من السفينة، وكان من نصيب الآخرين الجزء الأسفل منها، والحديث في كله يبين حال الناس في المجتمع فإنه لا يخلو مجتمع من بعض صور المنكر والفساد التي يقدم عليها ضعاف الإيمان، وقد يلتمس بعضهم لنفسه مبرراً في ما يفعل كأن يقول: هذه حرية شخصية، أو هذا حقنا..
     تعالوا نقرأ الحديث الذي رواه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في كتاب الشركة من صحيحه: (باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه) من حديث النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا".
    أيها الكرام: هذا حديث شريف قلت عدد حروفه وكثرت معانيه، فهو صلى الله عليه وسلم يبين أن الإخلال بأمن الوطن قد يقع من الطيبين خطأ أو جهلا، كما يقع من الأعداء المتربصين الذين يظهرون حب الأوطان ويبطنون الغش والكفران، والإخلال أو الفساد الذي يرتكبه الفرد لا يصيب صاحبه فقط بل يصيب المجموع.
       ضعوا سطرا تحت قول أولئك الذين كانوا في أسفل السفينة: "لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا". أضافوا النصيب إلى أنفسهم "نصيبنا"، هم يملكون الحق الكامل في هذا النصيب، وخَرقُهم ذلك النصيب هو ممارسة الحق بعينه..  
      وهنا صلى الله عليه وسلم يوضح أنه ليس للإنسان أن يستعمل حقّه إن أضرّ بحقوق الآخرين، وهذا ما يسمى في القانون الوضعي: "نظرية التعسف في استعمال الحق".  بمعنى: إن ممارسة الحقوق في المجتمع مرهونة بعدم مسّ حقوق الآخرين. والإسلام كفل حريِّة الرأي والتعبير بمفهومها الإسلاميّ، وحرية الرأي والتعبير تعني: تمتّع الإنسان بكامل حريته في الجهر بالحق وإسداء النصيحة في كل أمور الدين والدنيا ولكن فيما يحقق نفع المسلمين ويصون مصالح كلٍّ من الفرد والمجتمع ويحفظ النظام العام، وذلك في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    أيها الكرام: مع اهتمام الإسلام بحرية الرأي والتعبير إلاَّ أنَّه قد حرص على عدم تحريرها من القيود والضوابط الكفيلة بحسن استخدامها وتوجيهها إلى ما ينفع الناس ويرضي الخالق -جل وعلا -فهناك حدود لا ينبغي الإجتراء عليها وإلا كانت النتيجة هي الخوض فيما يغضب الله أو يلحق الضرر بالفرد والمجتمع على السواء ويخل بالنظام العام وحسن الآداب. والأمن والإيمان قرينان فلا يتحقق الأمن إلا بالإيمان، قال الله تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون".
وقال الشاعر:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان * ولا دنيا لمـــن لم يُحيِ دينا
ومن رضي الحياة بغير دين * فقد جــعل الفناء لها قرينـا
أيها المسلمون: إن ديننا يدعو إلى كلِّ عمل يبعَث على الأمن والاطمِئنان بين صفوفِ أفراده، وينهى عن كل ما من شأنه زرعَ الخوف والفزَع في المجتمع، والإخلال بوحدة الوطن. والإخلال أو الفساد الذي يرتكبه الفرد لا يصيب صاحبه فقط بل يصيب المجموع، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق الذكر: "فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا".
   روى عبد الرزاق في "المصنَّف" (11/450) عن طاوس رحمه الله قال: لمّا وقَعَت فتنة عثمان؛ قال رجلٌ لأهلهِ: أوثقوني بالحديد؛ فإنّي مجنون.  فلمّا قُتِلَ عثمان؛ قال: خلّوا عني؛ فالحمد لله الذي شافاني من الجنون، وعافاني من قتل عثمان".
      إيهٍ.. إيهْ... إنه أعقل مجنون إذ أوثق نفسه لينجُوَ من الفتنة؛ فلم يواقعها بخلاف مجانين عصرنا، نسأل الله لنا ولهم العفو والعافية. .
     نعم..للأسف... كم في زماننا هذا-زمن الفتن والمحن-مَن يحتاج لشدّ وثاقه وكَفِّهِ والإمساكِ به حتى لا تغرق السفينة وينجو المسلمون من شرِّه.
      فهذا الإنكار على غلاء الأسعار بهذه الصورة فيه تهييجٌ للناس وتدميرٌ للممتلكات وتخريبٌ للمنشآت وترويعٌ للآمنين، وفيه ـ أيضا ـ تسهيلٌ لدخول بعض اللصوص والمنحرفين للسرقة والنهب وتخريب الكثير من الممتلكات، بالإضافة إلى نشاط المرجفين ودخول المخربين الذين يندسون في الصفوف لإحداث الفساد في الناس ولضرب بعضهم ببعض.
     ومن يقرأ المَشاهد قراءة صحيحة ولو على عجل، يعرف أن أعداءً كثيرين لا يريدون لنا ولا لبلدنا أمانًا ولا استقرارًا ولا رخاء ولا ازدهارًا، فهم يحركون مَا ومَن يستطيعون لإحداث فتنة أو ثورة لإحداث الخلل وزعزعة الأمن، ليسهل التآمر والتفكيك لوحدة وطننا وزعزعة أمننا، هم يرغبونها فوضى ويبغونها عوجًا. ولكن الله المستعان وهو أعلم بما يصفون.
     فيجب أن يعي الجميعُ السُّبلَ القويمة لحراسة أمن الوطن، ولا بدّ من الحزم اللازم لتشديد المراقبة والمحاسبة حتى لا يغرق الجميع ويهلكوا. ففي الأزمات تزيغ قلوب أقوام وتزول أحلام أقوام وتتزلزل عقائد أقوام، ولكن بالمقابل يربط الله على قلوب أقوام فيزدادون إيماناً مع إيمانهم وثباتاً إلى ثباتهم وتسليماً على تسليمهم..
  أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، ويهدي الجميع إلى سبيل الرشاد.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

الخطبة الثانية

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
  أما بعد: قال اللهُ تعالى: "وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ". يس:6. ألم يكن فِي تلك المدينة غير هذا الرّجل؟!. بلى، كان رجال كثيرون، ولكنَّهم عجزوا عن مثل هذا الجميل من الفعل، فأَثنى القرآن الكريم على مؤمن آل (يس) وخلَّد ذكره لأَنّه أخلص لوطنه وساكنيه وعاش همومَ مواطنيه.
    فكونوا كذلك أنتم، وليقم كل واحد منكم بمسؤوليَّته وواجبه في المحافظة على وطنه، كونوا صفّا واحدا في كتيبة واحدة متراصّة، متعاونين على البرِ والتّقوى لا على الإثم والعُدوان، واشكروا الله على نعمه يزدكم، واتقوا الله لعلكم تفلحون.
     هذا، وستظلُّ الجزائر بحول الله وقوته، ثم بعزَمات رجالها، وإيمان أهلها ـ رغم المؤامرات والدعوات المُغرِضة ـ بلدَ إسلامٍ وسلام وخيرٍ وإحسانٍ، آمنةً مطمئنة ساكنةً مستقرة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ورحم الله العالم الرباني سيدي عبد الرحمن الثعالبي، فخْرَ الجزائر المحروسة، وصاحب تفسير الجواهر الحسان رحمه الله إذ قال:
إنّ الجـزائر في أحوالـها عـجـب * ولا يدوم بها للناس مكــروه
ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع * إلا ويُسرٌ من الرحمن يتلوه
      اللهم بارِك فِي الجزائر، أَرْضِها وسمائها وأكثر خيرها في بَرِّها ومائِها واحفظ اللهم أمنها وعقيدتها من كيد الأعداء ودسائس المغرضين، اللهم احفظها وأكرم حماتها وحراسها وكن لهم وليا وحافظا ونصيرا، اللهم وإنّ بإخواننا في سوريا واليمن وليبيا والعراق وغيرها من بلاد المسلمين من البلوى واللأواء ما لا يرفعه إلا أنت، اللهم ألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وآمنهم في أوطانهم ولا تسلط عليهم من لا يخافك ولا يرحمهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم ومتِّعنا بعودة القدس وأرض فلسطين عزيزةً مُظفَّرة يا حيّ يا قيّوم يا قويّ يا عزيز، يا ناصر المُستضعفين ومُغيث المُستغيثين ارحم المنكوبين والجوعى والخائفين والمظلومين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، واجمع على الحق والهدى والصلاح كلمَتهم، وابسُط الأمنَ والرخاءَ في ديارهم، وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بَطَن، برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين..

04 يناير 2017



الخطبة الأولى
        الحمد لله الذي جعل خلق الإنسان آية من الآيات الدالة على عظمته، فقال عزّ من قائل: "هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون". غافر: 67.  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، القائل صلى الله عليه وسلم: "ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا". رواه أحمد وصححه ابن حبان. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله الطيبين وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
   أما بعد: فأوصيكم _ عباد الله _ ونفسي بتقوى الله الملك العلام، فإن تقواه سبحانه عروةٌ ليس لها انفصام، وجذوة تنير القلوب والأفهام،"وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا". النساء:1.
    أيها المسلمون: إن من عظمة الإسلام أنه كما اهتمّ بالإنسان صغيراً ووجّه الأسرة والمجتمع إلى رعايته والاهتمام به، فإنه كذلك أمر بحسن رعايته واحترامه كبيرا مهما كان، أباً أو أماً، قريباً أم بعيداً، جاراً أم صديقاً، أخاً أم عماً أم خالاً، معروفاً أم غريباً، قال تعالى عن الوالدين: "إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا". الإسراء:23-24، وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا".  رواه أحمد وصححه ابن حبان.
    لكن ـ للأسف ـ إن ابتلاءاتِنا في المجتمع إنما هي فيما يأتينا من الغرب، وإنه لا الكلمات ولا الأسطر تعبر عن ظاهرة مؤلمة مفزعة زحفت إلى مجتمعنا على حين غفلة منا ومن مؤسسات المجتمع.
     أبناءٌ وبناتٌ يأخذون آباءهم وأمهاتهم إلى دور العجزة والمسنين، إنه العقوق بعينه، فِعلٌ في غاية البشاعة ونهايةٌ في القبح والشناعة، يقشعرّ لهوله البدن، ويقف لخطبه شعر الرأس، في دور العجزة آباءٌ وأمهاتٌ يبكون على ذكرياتهم مع بناتهم وأولادهم فلذات أكبادهم.
   فهل فكرتم يوما ـ يا عباد الله ـ في زيارة دور العجزة والمسنين لتروا بأم أعينكم وتسمعوا قصص تُدمي الحجر من عقوق الأبناء والبنات؟
      إنه العجب كل العجب ممّن يتخلَّى أو بالمعنى الأصح يرمي أحد والديه في الشارع أو في دار العجزة من أجل أي سبب من أسباب الدنيا، إنها لَدناءةُ نفسٍ وخسّةُ خلقٍ وضعفُ مروءة وقلّةُ حياء وانعدامُ وفاء، وأين ومتى يُرجَّى من العاقّ خيرٌ لنفسه أو غيره؟!.  
      فأي أرض سيسكن هذا؟، وأي قبر يضمه؟  
      فليعلم هذا وأمثاله: أنه كما يدين يدان، عاجلا أم آجلا، سوف ينام في المكان ذاته، ويتحطّم من شدة الندم، حينما لا ينفع الندم، قال صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنب أحرى أن يعجَّل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يُدّخر له في الآخرة من: البغي، وقطيعة الرحم".
     أيها المسلمون: إن رابطة الوالدين من أعظم الروابط بين الناس، رابطة خصّها الشرع الحنيف بمزيد من الاهتمام والذكر، وحذّر من المساس بهذه الرابطة الوثيقة والإخلال بها والاعتداء عليها حتى ولو بأدنى لفظ أو نظر..
قال تعالى: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً". الاسراء: 23.   
    تأملوا معي ـ رحمكم الله ـ قوله تعالى: "إما". فهذا اللفظ "مركب من كلمتين: "إن" و"ما". فكلمة: "إن" هي للشرط، وكذلك كلمة "ما" فهي أيضا للشرط. ولما جمع بين هذين اللفظتين أفاد تأكيد معنى الشرط، وهذا تأكيدٌ للحكم المذكور وتقريره وإثباته على أقوى الوجوه..
فيا أيتها البنت، ويا أيها الولد: عند ما يبلغ والديك أو أحدهما إلى هذه المرحلة من الضعف والعجز كما كنت من قبل، فأنت مكلف في حقهما بخمسة أشياء:  
1ـ لا تقل لهما أفّ.
2ـ لا تنهرهما.
3ـ قل لهما قولا كريما.
4ـ اخفض لهما جناح الذل من الرحمة.
5ـ قل رب ارحمهما كما ربياني صغير.
  وتأملوا معي ـ عباد الله ـ قول الله: "عندك: فإنه يلوح لك معنى لطيف وسرّ بديع، ألا وهو أنّ هذا هو الشأن: متى بلغ الوالدان أو أحدهما الكبر، فوهن العظم وضعف الجسم أن يكونا عند أبنائهما. قال ابن جُزي ومعنى: "عندك" أي في بيتك وتحت كنَفِك، هذا هو المعقول، وهذا هو الذي يجب أن يكون، ولعمري أن أهل النفوس الكريمة والقلوب الرحيمة إن هذا لهو شأنها وديدنها، فطوبى لهم وحسن مآب.
   أيها المسلمون: إن أويساً بن عامر القرني إنما نال تلك المنزلة العظيمة ببركة برّه بأمه الكبيرة ورعايته لها، يُروى أنه ما لقيه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرَن، كان به برَص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل". فقال له سيدنا عمر رضي الله عنه: استغفر لي. فاستغفر له.
      فهنيئا لمن أكرمه الله تعالى بكبر والديه أو أحدهما عنده، وقام بواجب البر والإحسان إليهما، وخفض لهما جناح الذل من الرحمة، ليجزيه الله سبحانه برا من أبنائه في الدنيا، ففي الحديث النبوي الشريف: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم"، ويكرمه في الآخرة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.    
    جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد في سبيل الله أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال عليه الصلاة والسلام: "هل لكَ من والديك أحد حي؟"، قال: نعم، قال: "فارجع إلى والديك فأَحسِن صُحبتَهما". رواه البخاري ومسلم.
  الله.. الله في آبائكم وأمَّهاتِكم، عيشوا لهما في كِبَرهما وشيخوختهما مثلما عاشا لكم في صِغركم وطفولتكم، والله يعينني وإياكم على ذلك..
   نفعني الله وإياكم بما قلت، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما..
الخطبة الثانية
     الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأمرنا بصلة الأرحام، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك القدّوس السلام، وأشهد أن نبينا محمداً عبدُ الله ورسولُه بدرُ التمام ومسكُ الختام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.
     أما بعد، أيها المسلمون: ذُكرت الشيخوخة في القران الكريم على أنها نهاية مطاف الانسان في مرحلة تطوّره على هذه الارض تمهيدا لرحلته الابدية الى العالم الآخر. قال تعالى: "الله خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير".   سورة الروم: 54.
     وعندما يصبح الوالدان ضعيفين عاجزين أو أحدهما، فالأصل في رعايتهما أن تكون في نطاق الأسرة وفي المنزل الذي نشآ فيه وتربَّيا وبنيا حياة معينة، فعلى الأقارب من أولادٍ أو إخوةٍ أو غيرهم توفير الرعاية الكريمة المستطاعة لهما، لأن الإنسان إنما يشعر بعزّة نفسه وكرامته إذا كان في بيته، وما ظاهرة "دار العجزة أو دار الشيخوخة" إلا ظاهرة دخيلة على المجتمع الإسلامي ليست من أصولنا ولا من ثقافتا ولا من صميم هويتنا، فديننا يفرض علينا تطبيق التعاليم الدينية التي توصي برعاية الوالدين وكبار السن، وكرامة الإنسان في الإسلام تفرض أن يعيش الإنسان معززًا مكرمًا لا أن يرسل إلى دارٍ أو مؤسّسةٍ تقيّد قدرته، وتجعله ينتظر الموت وحده..
     لقد حزنت كثيراً وأنا أرى بعضهم في دار العجزة يجلس وحده؛ حيث لا أنيس له ولا صاحب، وأولاده بعيدون عنه لاهون بدنياهم، وهو بعجزه وشيبته لا يهتمُّ به أحد، إن منظر هذا الأب المسنّ وهو يتفرس في زوّاره يظنهم أبناءه، منظرٌ يبكي القلب قبل العين، ولسان حاله، يقول:
غَذَوْتُكَ مولوداً وَعْلتُكَ يافعاً * تُعَلُّ بما أُدْنِي إليك وتَنْهَلُ
إذا ليلةٌ نابَتْكَ بالشَّكْوِ لم أَبِتْ * لشَكْواكَ إِلا ساهراً أَتَمَلْمَلُ
كأني أنا المطروقُ دوَنكَ بالذي * طُرِقْتَ به دوني وعينيَ تَهْملُ
جَعَلْتَ جزائي غِلْظةً وَفَضاضَةً* كأنكَ أنتَ المنعِمُ المتفضِّلُ
فليتكَ إذ لم تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتي * فَعَلْتَ كما الجارُ المجاوِرُ يفعلُ
     فيا أنتم الذين تتحدّثون عن الخذلان، لا يوجد أو جع منه في عيون المسنّين عند ما يكون جزاء التربية دار المسنين..
   ويا من أنتم في دور العجزة والمسنين: اصبروا على البلاء، واحتسبوا عند الله جزيل الأجر والثناء، فإن الله لا يمنع عبده المؤمن حُسْنَ العطاء، وأمْرُ المؤمن كله خيرٌ؛ رحم الله ضعفكم وجبر كسركم وعظم أجركم، فإن نسي البعض فضلكم ومعروفكم فالله لا ينسى، والمعروف لا يَبْلَى، والخير يدوم ويبقى، ثم إلى ربك المنتهى، وعنده الجزاء الأوفى..
    اللهم اجعلنا بارين بآبائنا، موقرين لكبارنا، مؤدين لحقوقهم، قائمين على خدمتهم ورعايتهم، وارزقنا طاعتهم فيما يرضيك عنا، ووفقنا لطاعتك وطاعة من أمرْتَنا بطاعته، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لوالدينا كما ربونا صغاراً، اللهم أسبغ عليهم لباس العافية والتقوى، اللهم ارفع لهما الدرجات، واغفر لهما الزلات والهفوات، واجمعنا بهم في أعلى الجنات، يا غفور يا رحيم، يا ودود يا كريم. اللهم وبارك في القائمين على دور العجزة والمسنين من مسؤولين ومحسنين وزدهم فضلا منك وإحسانا، ونسألك اللهم لنا ولهم الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين..