14 نوفمبر 2017



الموضوع: صوتك أمانة ومسؤولية

الخطبة الأولى
    الحمد لله الذي له الخلق وله الأمر وملك الدنيا والآخرة، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ". وأشهد أن لا إله إلا الله، لا مالك سواه عبدناه ووحدناه. وأشهد أن محمد عبده ومصطفاه، هدى الله به من ضل، وأغنى به من قلّ، وأرجع به من زلّ، وأعز به من ذلّ. صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
     أما بعد، فعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ُكلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". متفق عليه.
    عباد الله: ليس بجديد عليكم أن تُحدَّثوا عن شيء اسمه المسؤولية الاجتماعية التي يُعرِّفها البعض على أنها: "الإلتزام الذاتي والفعلي للفرد تجاه الجماعة"، فالمسلم ومن خلال بنائه العَقَدي والمعرِفي بشكل عام تَربَّى على أن يُخاطَب من خلال المجتمع، فلقد أَمَرنا ربّنا أن نتعاون على كل خيرٍ مباركٍ فيه عزٌّ للإسلام وأهلِه، وعلى كلّ ما فيه نفعٌ للمسلمين. جاء في تفسير القرطبي قال الماوردي: "ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبرّ وقرنه بالتقوى له لأن في التقوى رضا الله تعالى وفي البر رضا الناس ومَن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمّت سعادته وعمّت نعمته".
       أيها المسلمون: تعلمون أنّنا على أبواب الانتخابات، ولا شكّ أن الكثير منا في ظل كثرة الأحزاب والأفراد يتساءل مَن أختار؟. سؤال يتكرر من الكثير وتتصارع الأهواء ويتجاذب العقل والعاطفة وتتنازع الرغبات والمقاصد، والكثير في حيرة. وخاصة إن كثيرا ممّن أُشرِبوا حبّ المسؤولية يتسارعون إلى اكتساب الأصوات تطميعا وترغيبا.
      ألا وإن أوّل الفساد الذي يصيب المؤسسات والهيئات والإدارات والدول سوءُ اختيار الرجال، بحيث يُوسَّد الأمر إلى غير أهله، وهذا داءٌ قلّما سَلِم المصابون به من آثاره السيئة وعواقبه الوخيمة. وقد عرف العرب قديما هذا الداء، فقالوا: (اعط القوس باريها). وقال شاعرهم:
يا باريَ القوسِ بريًا لست تُحسِنُه * لا تَفسِدَنّها واعط القوسَ باريها
  فكم من متهافتٍ على الزعامة متهالكٍ عليها وهو ليس من أهلها ولا من طرازها ولكن الغرور وعدم الإعتراف بالنقص قاد إلى ما لا تحمد عقباه في كثير من الحالات. اختلالُ الأمور وانتشارُ الفوضى وانقلابُ الأوضاع وخراب المجتمع. وإنها لصورة مهولة مفزعة تقشعرّ منها الأبدان وتبعث الرعب في النفوس وتثير الخوف في القلوب وتُشعِر باليأس في إمكان النجاة. إنها قيام الساعة وكفى بها هولًا وفضاعةً. قال صلى الله عليه وسلم: "إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة". رواه البخاري.
تُهدى الأمورُ بأهل الرأي ما صلحت * فإن تولّت فبالأشــــــــرار تنقاد
لا يصلح القوم فوضى لا سَـــــرَاة لهم * ولا سَراة لهم إذا جهالهم سادوا
    فالنجاة .. النجاة  ..لا بد من ترتيب الكفاءات وإعطاء القوس باريها وإسناد الأمر إلى أهله. ولقد أشار القرآن الكريم والسنة النبوية إلى ضرورة توفُّر عنصرين هامّين فيمن يقع عليه الاختيار.
     العنصر الأول: هو عنصر الكفاءة أو الخبرة.
والعنصر الثاني: ـ هو العنصر الأخلاقي ـ الأمانة.
   يقول الله في قصة موسى على نبينا وعليه السلام حين سقى لابنتي الرجل الصالح ورفَق بهما وكان معهما عفيفا شريفا: "قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ". القصص:26.  فلقد قدّمت القوّة أو الخبرة على العنصر الأخلاقي وهو الأمانة، ومعنى ذلك أن المطلوب في المسؤول أو الموظف الجديد أولا أن يكون خبيرا بشئون موقعه وهو في نفس الوقت موضوع تحت رقابةٍ أعلى منه تُلزمه الأمانة في مباشرة عمله. ثم إن الإسلام يَرقُب من معتنقه أن يكون ذا ضمير حيّ تُصان به حقوق الله وحقوق العباد، ومن ثَمَّ أوجب الإسلام على المسلم أن يكون أمينا وهو العنصر الثاني الذي يجب توافره فيمن يقع عليه الاختيار. قال صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وخانَ رَسُولَهُ وخانَ الْمُؤْمِنِينَ". رواه الطبراني. ومعنى ذلك أن الأمانة في نظر الشرع صفة واسعة الدلالة وهى تدل على معان كثيرة، هي بإيجاز شعور المرء بمسؤوليته في كل أمر يُوكل إليه، ومن هذه المعاني وضع الشيء في المكان الجدير به واللائق له فلا يُسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به ولا تُملأ وظيفة إلا بالرجل الذى ترفعه كفاءته إليها، فلا اعتبار للمجاملات والمحسوبيات، حتى الصحبة والصداقة لا يُنظر إليها في هذا المجال، فهذا أبو ذرّ رضي الله عنه الذى كان محلّ تقدير من الرسول صلى الله عليه وسلم فلقد قال عنه يوما فيما رواه الترمذي: "ما أظلّت السماء ولا أقلّت الغبراء أصدقُ لهجة من أبي ذر".  ولكنه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بتعيينه في موقع قيادي نصحه صلى الله عليه وسلم قائلا: "يا أبا ذر، إنك ضعيف -أي القيادة تحتاج إلى خصائص-وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها". أخرجه مسلم في الصحيح وأبو داود والنسائي في سننهما عن أبي ذر.
      لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم الأسس وقاعدة التفريق بين أهل الثقة ممّن تربطك بهم مودّة وبين أهل الخبرة ممن لا تربطك بهم صلة لكنهم قادرون على قيادة العمل بنجاح وتَفرِض المصلحة أن يُولَّى الخبيرُ بالموقع العليمُ بما يصلحه، وإلا فلو كانت المناصب خاضعة للصداقة والصحبة لكان أبو ذر رضي الله عنه في طليعة الأفراد ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل مشيرا إلى ضرورة توفر شروط القيادة فيمن يتحمّل مسئولية موقع ما.
      وإنها لأُسُسٌ دقيقةٌ وكفيلةٌ بأن تُصلح مؤسساتُ المجتمع على اختلاف مهامّها وتنوّع مجالاتها وتفاوت مراتبها، وهي الأسس الغائبة في مجتمعنا ـ وللأسف ـ الذي صار يُعتمَد فيه اختيار المسؤول ومَن يناط بهم تحقيق مصالح الأمة ورعاية شؤونها على ما حذر منه عمر رضي الله عنه بقوله: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولّى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين". رواه الطبراني.
     فيا أيها المسلم: إن الإسلام يلزمك أن تكون قواماً بالعدل مؤدياً لشهادة الحق قاصداَ بقولك وفعلك وجه الله صادعاً بالحق والعدل ولو على نفسك، ولو على أحبِّ الناس إليك كوالديك وأقاربك وذوي رحمك. إن الإسلام يُحذِّرك من العواطف في مثل هذه الأمور، يحذِّرك من الإنحياز إلى صاحب الباطل بزعم قُربه أو قرابته، فإن ذلك من اتباع الهوى والانحراف عن الجادة. فلا يحلّ لك أن تشهد بالصلاحية لمرشحٍ ما لمجرد أنه قريب أو ابن بلد أو لمنفعة شخصية قدَّمها أو ترتجَى من ورائه، بل يجب أن تُقِيم الشهادة لله، قال تعالى: "وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلهِ". الطلاق: الآية: 2 .
   فلْنَحْذرِ المحسوبِيَّات ولْنتجنَّبِ المُحَاباة فليست المسئوليات مِنَحًا تُهدَى ولا حقوقًا تُعطَى بل الإختيار لكل وظيفةٍ يجبُ أن يكون على أُسُسٍ موضوعية وعلمية لا على أساس الوساطة والمحسوبية والقرابة، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحاكم: "من ولِيَ من أمْر المسلمين شيئًا فأمَّر عليهم أحدًا محاباةً فعليه لعنةُ الله لا يقبلُ الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يدخله جهنم". وفي حديث آخر: "أيما رجل استعمل رجلًا على عشرة أنفسٍ عَلِمَ أن في العشرة أفضل ممَّن استعمل فقد غشَّ الله ورسوله وغشَّ جماعة المسلمين".
    فيا أيها الفاضل: صوتك أمانة ومسؤولية، أمانةٌ لا يباع ولا يشترى من أجل دنيا دنية أو مصلحة فردية، ومسؤوليةٌ ستسأل عنه يوم القيامة، والتفريط فيه خزي وندامة، واعلم أن جمهور الفقهاء يرون أن الناخب شاهد وتصويته شهادة بصلاحية شخص أو عدم صلاحيته. ومن ثَمَّ فإنه يجب على الشاهد إذا دعي للتصويت أن يدلي بشهادته ولا يكتمها.  وقد اعتبر ابن عباس رضي الله عنهما كتمان الشهادة من أكبر الكبائر، لأن الله عز وجل يقول: "ومن يكتمها فإنه آثم قلبه". البقرة: 283، وكان يقول: "على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد". وقد اختتمت آية الشهادة بقوله الله تعالى: "والله بما تعملون عليم"، وهذا يعني كما يقول الطبري رحمه الله: "بما تعملون" في شهادتكم من إقامتها والقيام بها أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها، "عليم"، يُحصيه عليكم ليجزيَكم بذلك كله جزاءَكم إما خيرا وإما شرا على قدر استحقاقكم". ا.هـ
   أيها المسلمون: فلنضع أيدينا بأيدي بعضنا، فهي فرصة ثمينة إما لنا أو علينا، هي لنا متى أدركنا وفهمنا حقيقة الاختيار، وهي علينا جميعًا متى أهملنا وفرطنا وقدمنا مصالحنا على مصالح الأمة والدين والوطن. فلا بد أن تَعرف أيها الناخب أن ذمّتك الشرعية وضميرك الوطني يفرض عليك اختيار الأصلح للناس، فالبلد بلدنا والمصالح لنا جميعًا، فيجب أن نميّز بين الغث والثمين، وأن يكون نصب أعيننا قبل كل معيار: صلاح المرشَّح في نفسه وصلاحه الإجتماعي وخبرته وتميّزه في خدمة الناس ورفقه بهم، فـ "إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ". 
         وفقنا الله وإياكم لذلك، فسبحانه يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، أستغفره وأتوب إليه إنه هو الغفور الرحيم، والحمد لله رب العالمين.


الخطبة الثانية
     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لاإله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الأمين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
     أما بعد: قال اللهُ تعالى: "وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ". يس: 6، ألم يكن فِي تلك المدينة غير هذا الرّجل؟!. بلى، ولكنَّهم عجزوا عن مثل هذا الجميل من الفعل، فأَثنى القرآن الكريم على هذا الرجل وخلَّد ذكره لأَنّه أخلص لوطنه وساكنيه وعاش همومَ مواطنيه. وأننا ـ أيها المباركون ـ اليوم أمام واجبين: 
      أما الواجب الأول فهو واجب كفائي، يتجسد في حرص المسلم على أن يستثمر صوته الذي أتيح له، وهو جزء من واجب الإصلاح المنشود لمن يحرص على تحقيق المصالح في نفسه ومجتمعه وينشد الخير والنفع في أمور الدين والدين. وأما الواجب الثاني فهو أن يكون الاختيار للأكفأِ والأمثلِ والأصلح، بعيدًا عن كل الاعتبارات العنصرية أو الشخصية، قال الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً". النساء: 58، قال الإمام السعدي تعليقًا على هذه الآية: "فالأمانات يدخل فيها أشياءُ كثيرة، من أجَلِّها: الولاياتُ الكبيرةُ والصغيرة والمتوسطة، الدينيةُ والدنيوية، فقد أمر الله أن تؤدى الأماناتُ إلى أهلها بأن يُجعل فيها الأكْفاء لها، وكلُّ ولاية لها أكْفاءُ مخصوصون، وإن صلاح الأمور بصلاح المتولّين والرؤساء فيها والمدبّرين لها والعاملين عليها، فيجب تولية الأمثل فالأمثل، فإن صلاح المتولّين للولايات الكبرى والصغرى عنوان صلاح الأمة، وضده بضده". ا.هـ  ـ القواعد الحسان 1/98- 99 بتصرف .
   فاتقوا الله ـ رحمكم الله ـ وراقبوه في كل ما تأتون وتذرون، وفيما تقولون وتفعلون، وفيما تختارون وترشحون. والله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
    وفقنا الله جميعاً ليكون غد الجزائر أكثر ازدهاراً وجمع الله القلوب والعقول على الخير دائماً. اللهم وفقنا للصالحات واصرف عنا السيئات، واغفر لنا ما مضى وما هو آت، وأنزل علينا الرحمات وأفض علينا البركات، وضاعف لنا الحسنات وارفع لنا الدرجات، وامح عنا السيئات وكفر عنا السيئات برحمتك يا رب الأرض والسماوات، اللهم وآمِنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتَنَا فيمن خافك واتقاك واتبعَ رضاك يا رب العالمين. اللهم احفظ بلادنا وأمننا وعقيدتنا من كيد الأعداء ودسائس المغرضين وجميع بلدان المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.  وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

09 نوفمبر 2017



الموضوع: الرجال لا يولدون..  بل يُصنعون.

الخطبة الأولى
      الحمدُ لله تفرَّدَ عزًّا وكمالاً واختصّ بهاءً وجلالاً، أحمده وأشكره تقدّس وتنزّه وتعالى، وأسأله جلّ في علاه إصلاحَ الشّأن حالاً ومآلاً. ونشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له أمرَ بعبادته غدوًّا وآصالاً وحذّرنا من التفريط والإهمال فما لكم لا ترجون لله وقارا، ونشهدُ أنَّ محمدا عبد الله ورسوله الداعي إليه سِرَّا وإعلانا والمنزَّلُ عليه قولُه تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسَكم وأهليكم نارا". صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين بلَغوا من المجد ظلالاً والتّابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
     أما بعد، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا لفظ البخاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة-رضي الله عنه: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
    أيها المسلمون: إن الرجال لا يولدون بل يصنعون، فالأطفال وخصوصا في سنواتهم الأولى قلوبهم طاهرة جواهر نفيسة خالية من كل نقش وصورة وهم قابلون لكل ما ينقش عليها، فإن عُوِّدُوا الخير والمعروف نشأوا عليه وسُعِدوا في الدنيا والآخرة وشاركوا في ثواب والديهم ولحقتهم دعواتهم، وإن عُوِّدُوا الشر والباطل شقُوا وهلكُوا وكان الوِزْرُ في رقبة والديهم. وما أجمل مقولة عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "الصلاح من الله والأدب من الآباء"، وما أجمل عبارة: "إن وراء كل رجل عظيم أبوين مربيين"، وكما يقول بعض أساتذة علم النفس: "أعطونا السنوات السبع الأولى للأبناء نعطيكم التشكيل الذي سيكون عليه الأبناء"، وقال الشاعر:
وينشأُ ناشئُ الفتيانِ مِنا * على ما كان عَوَّدَهُ أبُوهُ
     ومن هنا يجب أن نقول: إنه على الأب أو الأم وعلى المربي بوجه عام أن يتمتَّع بشخصية قوية حازمة في تربية ابنائه، وهذا لا ينفي أبدا إبداءُ الحنان والمحبة والعطف عليهم. وإنه من المعلوم أن الطفل يقوم بأنواع كثيرة من السلوكيات بعضها يقوم بها عشوائيًا لاكتساب التجارب الحياتية وبعضها تقليدًا للأفراد الذين يراهم في محيطه، أو ما يراه في الأجهزة المرئية من تلفزيون وغيره، وواجب الأبوين ملاحظة هذا السلوك وتعديل الخاطئ منه وتشجيعه على ما يكون صوابًا. فالأبناء في صغرهِم أكثرُ استقبالاً واستفادةً من التربية.
قد ينفعُ الأدبُ الأولادَ في صغرٍ * وليس ينفعُهم من بعـده أدبُ
الغصـونُ إذا عـدلتها اعتـدلت * ولا يلينُ ولو لينتـهُ الخشب
      والحزم في تربية الأولاد هو أسلوب المربي الناجح، وهو كما أراه ويراه غيري: القوة مع المرونة، أي حزمٌ ولكن منبعه الرحمة حزمٌ وسطٌ بين القسوة والغضب وبين التدليل الزائد والضعف في المعاملة. وبهذا وصّى الخليفة هارون الرشيد مؤدبَ ولده الأمين: "ولا تُمْعِن في مسامحته فيَسْتَحْلِيَ الفراغ ويألفه وقوٍّمه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة".  
   وفي كل الأحوال ـ أيها الآباء والأمهات ـ عليكم بالتوازن والحكمة في تربيتهم وفي معاملتهم حتى لا تفقدوهم قبل أن يفقدوكم واغتنموا سنين العمر الذهبية عند الصغير بالتربية الجادة من أقوى وأرسخ أنواع التربية. إننا نريده حزماً كالدواء يُحتاج إليه في حالات معينة قد سبقها محاولات أخرى باللين متعددة الطرق والوسائل، حزما يحتاج المربي إليه ـ الوالد أو المربي ـ عند الضرورة وهو آخر العلاج والدواء، وكما قيل: 
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما * فليقسُ أحيانا على من يرحم
    كتب ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر عن التربية فقال: "فإنك إن رحمت بكاءه لم تقدر على فطامه ولم يمُكنْك تأديبه فيبلغ جاهلاً فقيرًا!". أي: أنك لو رحمت بكاء الإبن في كل مرة تعاقبه على خطأ أو تحرمه من مكافأة رغبة في تربيته فلو رحمته ومنعت العقاب فإنك لن تستطيع تربيته وتقويمه أبدًا، ويكبر وقد أصبح شخصًا غير صالح. يروي لنا التاريخ أن عمر بن عبد العزيز كان قد أرسله أبوه وهو شاب صغير إلى المدينة المنورة ليتعلّم فيها الفقه وعلوم الدين وكان صالح بن كيسان مؤدّبه والقائم على أمر ملازمته وتوجيهه وإرشاده. وذات يوم انتبه هذا المؤدّب أن عمر بن عبد العزيز لم يحضر صلاة الجماعة وتخلف عنها فذهب إليه ليستطلع الأمر.
 فسأله قائلاً: ما أخّرك عن صلاة الجماعة؟.
 فأجاب عمر: كانت مرجّلتي تسكّن شعري.
 فأجابه صالح متعجباً: وبلغ من تسكين شعرك أنه يؤخرك عن الصلاة؟!.
 وكتب بذلك إلى أبيه عبد العزيز بن مروان، فما كان من أبيه إلا أن أمر بحلق رأسه تأديباً له وتربية وتعليماً حتى لا يعود لمثلها. (سير أعلام النبلاء 9/133).   
      لقد فهم هذا المعلم وذلك الأب أن صناعة الرجال لها أسس وقوانين ولها أسباب ووسائل يأتي الحزم على رأسها حيث أن الخطأ له اسم واحد هو الخطأ لا غير، وحيث أن الحق له مظهر ثابت وهو أنه ميزان العدل ومظهر الرحمة. إنها الشدة والحزم في ضبط الأمور وحسن التصرف تجاه أخطاء الأبناء، ولكن بحكمة وحبٍّ وبهدف إصلاح الخطأ والتوجيه نحو الأفضل دون إبطاء أو تراخ أو تجاهل، ولا يصنع الرجال إلا من هذا المضمار ولا يتخرجون إلا من مدرسة المتابعة والتقويم المستمر.   
      وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع لنا منهجا نبويا خالدا مؤسِّسا لأساليب التربية الصحيحة للفرد، ابتداء من مرحلة الطفولة المبكرة وذلك في مواقف كثيرة، منها موقفه مع سَلَمة ابن أم سلمة وكان ربيبه نشأ في حِجْر النبي صلى الله عليه وسلم بعدما تزوج بأمه.  جلس سلمة إلى طعامه وهو بعد صبيا فأخذت يده تطيش في الصفحة، فأمسك بها رسول الله قائلا له: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك". إنه تدخُّلٌ فوريٌ لإيقاف السلوك الخاطئ حتى مع الصغير الذي لا يعي ما يفعل وعدم تأخير التوجيه عن وقته .
   أيها المسلمون: ببالغ الأسى وشديد الأسف لو التفتنا حولنا لوجدنا تقصيرا كثيرا من الآباء والأمهات في حق أبنائهم، بل أجزم أن بعض الآباء لا يدري عن ابنه أين ينام؟ وأين يذهب؟ ومن أين يأكل؟ ومن أين يأخذ مصروفه؟ بل بعضهم لا يدري في أيَّة سنةٍ يدرس أبناؤه؟!. أما هل يصلي أم لا فتلك الطامة الكبرى؟.
      فهل يقال: إنه يجب أن نعيد تربية الآباء ليقوموا بدورهم نحو أبنائهم كما يجب؟. إن الذى يُلام عليه الأب بشدة ويُنتقَد بسببه بقوة هو عدم وفائه بالتزامات ابنائه من متطلبات التربية ومسؤولية الأمانة. أمانةٌ فرط فيها واستهان بأمرها ولم يرْعَها حق رعايتها فأضاع أولاده وأهمل تربيتهم، فلا يسأل عنهم ولا يوجههم وإذا رآى منهم تمردًا أو انحرافًا بدأ يتذمّر ويشكو من ذلك وما علم أنه هو السبب الأول في ذلك التمرد والانحراف. إن إهمال تربية الأبناء جريمة يترتب عليها أَوْخَم العواقب كما قال الشاعر:
إهمالُ تربية البنين جريمةٌ *عادت على الآباء بالنكباتِ
   أيها المسلمون: إن أبناءنا يتعرّضون إلى حرب هي من أشدّ الحروب الفكرية والعقائدية بهدف إخراجهم عن قيمهم ومبادئهم واخلاقهم تحت اسم التطور والموضة مما جعلهم يهتمّون بالمظهر لا بالمخبر وبالإكسسوارات لا بالحياء والإيمانيات مما ينذر بخطر كبير على الإيمان والأخلاق والعقيدة والعفة والحياء والفضيلة. انظروا يمينا وشمالا فهذه موضة قصات الشعر العجيبة والسلاسل الذهبية على الأعناق، بل انظروا إلى سراويل "الجينز" التي وكأن لها سنين طويلة لم تلبس والسراويل ذوات الخصر المنخفض الساقطة إلى أسفل لَبِسوها لأن الغرب هكذا لبسها. وكثيرة.. كثيرة هي مظاهر الخروج عن اللّياقات الأخلاقيّة والتقاليد المعروفة في بلدنا العربي المسلم من الجنسين على السواء. تبعيةٌ عمياء وتقليدٌ أرعن. والله إنك لتنظر في بعضهم ولا تدري أهو رجل أم امرأة من تسريحة شعره ولباسه ومشيته؟، وما تدري أهي امرأة أم رجل من تسريحة شعرها ولباسها ومشيتها؟. وقانا الله وأبناءنا وبناتنا كل شر ومكروه. ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الظلام بعد النور.
   ا للهم اهد شباب المسلمين من بنات وبنين، وردّ ضالهم إليك رداً جميلاً، اللهم جنبهم رفقاء السوء، وأصحاب الفساد، اللهم جنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأقر أعيننا بصلاحِ جميع أولادِ المسلمين. بيدك الخير، وإنك على كل شيء قدير. أقول قولي هذا..

الخطبة الثانية
   الحمد لله الكبير المتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحبه والآل.
     أما بعد، عباد الله: وليس غريبا أنْ يقعَ من أبنائنا وبناتنا الخطأ فهم كغيرِهم من الناس يخطئون ويصيبون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ بني آدمَ خطّاءٌ وخيرُ الخطائينَ التوّابونَ ". ولكنَّ الخطأ أنْ نتفرَّجَ على الأخطاء ولا نسعى لعلاجها. ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الآباء والأمهات أنهم مسؤولون عمّن تحت أيديهم من الأبناء والبنات وغيرهم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: "أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أهل بَيْتِ زوجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وعبد الرجل رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".  متفق عليه. وإنها مسئوليةٌ جسيمة وأمانةٌ عظيمة فالواجب على كل والد أن يتقي الله في أولاده وأن يعمل على تأديبهم وتربيتهم وتنشئتهم على عقائد الدين وأعمال الإسلام وآدابه العظيمة وأن يعمل على تنشئتهم النشأة الصالحة على أساسٍ من تقوى الله جل وعلا والقيام بحقوقه جل في علاه.
    أيها الآباء والأمهات: إن الحديث في هذا الموضوع طويلٌ دقيق وتصعبُ الإحاطةُ به، ولكن كما قيل: يكفي من القلادةِ ما أحاطَ بالعنق. وهذه إيماءة أو إشارة ارتأيت أن أقدها لكم ولها ما وراءها، ولا أريدكم ان تكونوا كالعزيز بن مروان فليس ابنكم كعمر بن عبد العزيز فالطبيعة الإنسانية مختلفة وكل قفل له مفتاحه وكل عقل له ما يثير اهتمامه.  أطفالنا فلذات أكبادنا تمشي على الأرض فلنحسن التعامل معهم...
     نسأل الله الذي وهبنا إياهم وحمّلنا هذه المسؤولية أن يعيننا عليها وأن يصلح لنا نياتِنا وذرياتِنا، اللهمَّ اجعلنا وأبناءنا وبناتنا هداة مهتدين، اللهمَّ اكفنا وإياهم شرَّ الأشرار وكيد الفجار يا عزيزُ يا غفَّار. وحبب إلينا وإليهم الإيمان وزينهُ في قلوبنا وقلوبهم وكره إلينا وإليهم الكفر والفسوق والعصيان. "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء وقنا الزلازل والمحن وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. واجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.